#قراءة
بعض الأشياء لا تكتمل، لكنها لا تمضي خالية الوفاض.
لعلها تعرف، بطريقة لا نعرفها، أن بقاءها على حالها قد يكون أول طرق اندثارها؛ فتتنازل عن شيء، وتخرج من صورتها الأولى ناقصةً قليلًا، كي تجد لنفسها فرصة أخرى للبقاء.
تجسد ذلك المعنى في «ساح يا بداح» بأكثر من صورة؛ لم تكن الأغنية معي حين كانت حكايتي مع أمي تتشكل، ولم أكن أعرف، وأنا أعيشها، أن ثمة أغنية يمكن أن تلمس شيئًا منها بهذا القدر.
معالجة كوثر مصطفى لـ«سداح مداح» كانت بالنسبة لي أعمق من تلاعبها بالحروف. فساح كفعل سردي أي ساح الشيء من أصله، سال من مكانه وتغيرت صورته، لكنه لم يختفِ. فمن رحم فيلم ميت لم يرَ النور إلى يومنا هذا، خرجت «ساح يا بداح» لتكثف شعورًا تراكم لدي أكثر من سنتين دون أن أعرف كيف أعبّر عنه. خاصة أنني لست ذاك المرن الذي يستطيع المناورة والمواءمة، فكانت الأغنية طوقًا لي وسط «التسويح» في معنى البقاء.
حينها، ولربما، كان البقاء نوعًا من الفقد.
ــــــــ
ما الشعور الذي يغمرك عندما تتلقى ابتسامة من طبيب لتوه انتهى من فحص صورة الأشعة؟
ومع تكرار طلب الاستيضاح لا تتلقى سوى اهتزاز رأس الطبيب، لتدرك لاحقًا جمود ابتسامته التي تعلو وجهًا بلاستيكيًا.
«ماما محتاجة تريح وتعمل علاج طبيعي»
«ساح يا بداح يا سؤال جراح…»
لم يكن رد الطبيب -صديق العائلة- في حضور أمي مطمئنًا، كذا رد فعل خطيبتي الطبيبة -زوجتي مستقبلًا- التي أطلعتُها على الأشعة وبدورها عرضتها على متخصص للتأكد. بعد عدة أيام، ربما أسبوع ذهبت إلى ذاك الطبيب خلسة لأسكت سجينًا لا ينفك عن طرق قضبان زنزانته غيّة الخلاص.
تلك المرة طلب أشعة مسح ذري دون تصريح واضح لحقيقة طلبه.
بدأت رؤيتي تكتمل: شكوى متكررة من آلام الظهر، صعوبة في المشي وصعود الدرج، انحناء الظهر.
ملاحظات كأخواتها التي سبقت لخالتيّ -رحمة الله عليهما- مع بعض الفروقات البسيطة. لكن تلك السعلة التي بدأت تتصاعد إلى أذني أعرفها جيدًا؛ سعلة رافقت سرطان خالتيّ في أيامهما الأخيرة.
لم تكن الكلمة قد قيلت بعد، لكنني كنت أعرفها من الطريق المؤدي إليها. وكأن السرطان لم يدخل بيتنا هذه المرة من باب الكشف، بل من باب الذاكرة، يجر وراءه صورًا قديمة أعرف نهاياتها ولا أملك شجاعة التصريح بها. بدأت أفكر في الاحتمالات التي كنت أتمنى أن تخطئ، متتبعًا العلامات الجديدة، ومتمنيًا أن تكون كل منها شيئًا عابرًا لا يصل ما قبله بما بعده.
وبينما كانت الأشياء تتجاور في صمت، بدأ احتمال واحد يعلو عن سواه، أقاوم منحه اسمه، وأدعو أن يتوقف.
بدأ نشاط أمي في الهمدان. باتت تنام كثيرًا، ولم تعد قادرة على القيام بمهام المنزل التي ظننتها اعتيادية. وللمرة الأولى بدأت أجد لي موضعًا في المطبخ، ذلك المكان الذي لم تكن تربطني به علاقة تذكر قبل مرضها سوى ذكريين، التقاط الطعام الساخن قبل تقديمه في الصغر، وشرب منظف الصحون بدل الماء عقب استيقاظ منتصف الليل في الكبر. فجأة وجدتني في وضع الفاعل دون فترة تحضير.
أقلب ذاك وأتعثر في تفاصيل لم أكن أراها أصلًا. كنت أرجع لها في سريرها لأتحقق من مقدار «رشة الملح»، وأجلب لها آنية الطهي لتخبرني أ اكتمل سواه أم أتركه قليلًا.
كانت تبتسم وتخبرني أن نفَسي في الطبخ جيد، وتبوح بذلك لزائرينا في تلك الفترة. وكان ذلك، وما زال من أعذب ذكرياتي معها وكأن المرض، وهو ينتزع منها شيئًا فشيئًا ما اعتادت فعله، كان يدفعني من الناحية الأخرى إلى المساحة التي أتقنتها لعقود. لم أدرك وقتها أن دخولي المطبخ لم يكن تعلمًا للطبخ بقدر ما كان وراثة يومية تجري دون إعلان، وأن بعض ما كنت أظنه من صميم عادتها سيتسرب إليّ لاحقًا دون أن أتبين لحظة انتقاله.
الآن، وبمرور الذكرى الثانية لفقدها، من الجلي أن أثر فقدي لم يكن في مناسبة واحدة فقط وإن عظمت، بل في سلسال من التفاصيل الصغيرة التي انكشفت بعد رحيلها وكنت أحسبها -بشكل افتراضي- بعيدة عني. فزج بعض المكونات في الطعام أثناء تحضيره والتي لا تلقى ذائقة المتلقي، كشفت نفسي وأنا أطبقها في طهيّ لزوجتي على قلته، فقط استبدلت زبادي أمي الرطب بالتشيلي فليكس الحار ظانَّا مثلها أن الكمية المستخدمة لا تذكر ولا يمكن الوقوف عليها. كذلك طريقة تقشيرها للبيض المسلوق، والشراء من محلات معينة -وإن بعدت- كانت تحب التبضع منها. حتى الجبن الأبيض الذي تحبه ولا استسيغه بسهولة، تغير طعمه واكتسب حرصًا على وجوده الدائم في بيتنا.
أما الأثر الآخر فكان في الناس. في كل عزاء أو تجمع عائلي تالٍ، كان اسمها يتصدر الأحاديث، ولم أستمع مرة إلى حكاية عنها لا تنتهي بجملة «ربنا يرحمها سهير، مكنش في زيها» أو «حلمت بيها امبارح وكانت منورة». بتّ أعرفها من أفواه غيري بقدر معرفتي بها، وربما أكثر، فذاكرتي الشخصية محدودة بعلاقة الابن، فيما ذاكرة الآخرين موزعة على أدوار لم أرها فيها قط: القريبة، والجارة، والصديقة. لكني أدركت متأخرًا أن تلك الطيبة الموصوفة بإجماع كان ثمنها حرمانها نفسها من أشياء بسيطة، وأن أشياء كثيرة كانت تذوي بداخلها ونحن نحسبها طبعها الهادئ، لا اختيارها المُتعِب الذي لم تشتك منه يومًا.
وأيضًا، وبعد فوات الأوان، أدركت عدم وجود صورة تجمعني بها. ربما أتحجج الآن بعدم حبها للتصوير والذي كانت تصرّح به علانية في كل مناسبة وعزوفها عنه، والمدلل بشحة صورها في فترات الطفولة والشباب وانعدامها فيما هو بعدها.
حاولت تعويض تلك المباشرة في تشخيصها بكل ما هو غير مباشر، أولًا بذكرياتي وإدراكي عما عايشته واختبرته معها، وفي حكايات الأهل عنها.. في حاجاتها التي كنت فاعلًا أساسيًا فيها، بداية من مذكراتي عن فترة مرضها وتوثيقي لكل كبيرة وصغيرة لتلك الفترة، كذلك صور أشعّة مرضها الأخير وتقارير التحاليل المختلفة، وقائمة الأدوية ببدائلها التي شملت 11 عقارًا دفعة واحدة.
لكن الأثر الأكبر كان في حاجاتها الشخصية حيث كشكول وصفات الطبخ المهترئ الذي دونت بخطها فيه منذ الثمانينيات تقريبًا شتى أنواع الأكلات، وما كانت في حاجة له حيث كانت أمهر طاهية بشهادة كل من ذاق «عمايل إيديها» وإن كُتب له تجربة ذلك مرة واحدة. تخطت أمي الطهي النهائي المتاح للأكل مباشرة إلى صناعة الأوليات كعجينة اللازنيا قبل أن يروج لها كما هو الآن بعقد تقريبًا، وعمائل البرجر الذي تحضر كامل أجزائه بداية من قطعة البرجر مرورًا بالخبز والصوصات.
ورغم ذلك فاهتمامها بكشكول الحلويات يبرهن ما شهدته أنا من حرص أقاربنا على الاستعانة بها في الولائم والحفلات واشتراط عرسان العائلة لطبخ أمي لأيام عرسهم، وتحمس آخرين لمناسبة تفوق دراسي أو غيره للتجمع وقبل كل ذلك «تورتة سهير».
لم يكن هذا الكشكول كتاب وصفات بالمعنى الذي نعرفه، هو أقرب إلى حائط صغير علّقت عليه ذاكرتها؛ قصاصات صور مأخوذة من هنا وهناك، تلصقها إلى جوار الوصفة، ونسخ أخرى كاملة من الطبق نفسه كلما تبدلت هيئته قليلًا: بيتي فور، ثم بيتي فور بجوز الهند، لكل واحد صفحته ووصفته كأن الاختلاف البسيط يستحق ذاكرة مستقلة أفردت لها نظامًا يكاد يشبه طقسًا ثابتًا: مقادير العجينة وحدها، ثم الشراب، ثم التجميل، وبعدها خطوات الوصفة.
في كل مرة أقلّب في وصفاتها المطبخية متتبعًا انحناءات حروفها وتصحيحاتها الهامشية، أتخيلها تكتب واصفة نكهة بعينها، لكن الحبر -مهما توسلت إليه- لن ينطق، ولن يعيد لي نكهة يدها.
تعجبت كثيرًا من وجود نسخ معدودة بعضها مكرر لنفس العدد من بعض الجرائد. لكن إن عُرف السبب بطل العجب. حمل عدد جريدة الجمهورية ليوم الجمعة الموافق 6 سبتمبر 1985 في صفحته الأولى خبر وصورة أمي عن تفوقها وتخرجها من كلية الزراعة. وفي نفس السياق بتفاصيل أكثر حمل عدد جريدة الأخبار الصادر في 20 نوفمبر من العام نفسه نفس السياق بالإضافة لتخرجها كأولى على قسم الألبان بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية مع مرتبة الشرف.
أشياء أخرى على نفس الشاكلة كانت تتسلل غيّة درء الفقد، كـ«كراس التفصيل» البرتقالي الكبير، المقسمة صفحاته لمربعات منمنمة ويحمل تصميمات العديد من قصات الجونلات والبلوزات والفساتين بأنواعهم، وغيرها من تصميمات أقمشة فرش المنازل.
«ما الذي كان ومعدش وراح…»
في إحدى الزيارات العائلية، شاركتني القريبة إعادة اكتشاف أرشيف صورها. كان لديها الكثير من صور أفراد العائلة والذين ربما لا أعرف أغلبهم أو لم أتعرف عليهم بحكم مرور الزمن. صورة تلو الأخرى، خالة من هنا وأخرى من هناك، حتى توقف الزمن ومعه قلبي. أرى أشباح من حولي في حركتهم بينما برودة دمي وقبضة قلبي يتصاعدان.
بحواف مشرشرة لصورة أبيض وأسود بصبغتها المصفرة تشي بعقود من الانتظار أطل وجه أمي كاملًا في عمر لم أدركه، شابة يافعة صحيحة، يأنس القلب لرؤيتها، وتهدأ النفس بما يحوفها من تيه.
استأذنت قريبتنا أن آخذها، فمنحتنيها دون تردد، كمن يسلّم أمانة حان أجَلها. لهذا اخترت لها موضعًا بعينه، حظوة لم أمنحها لغيرها من الأشياء.
تلك هي ضالتي. وجه أمي الذي أكمل باقي أجزائها.
كل ما أذكره في ذلك الموقف وقوفي كثيرًا هناك، أمامها وهي بين يدي. لا أذكر بالتحديد هل أنهيت استكشاف باقي الأرشيف أم لا، لكن لا يهتم الرامي كثيرًا ما إن وجد هدفه.
من تلك اللحظة، أدركت اختلاف الإحساسين جذريًا؛ فرغم أن الصورة أيضًا لم تشبع لهفتي، ولن تشبعها أي مادة مهما بلغت، بما فيها هذا النص، إلا أن شعوري بامتلاك وجه أمي كان أكثر رسوخًا وسطوة من كل ما سبقها مجتمعًا. شاخت الصورة بنفس الوتيرة، اصفرت كما ابيضت خصلات شعرها، فأشعر باتصال مستمر معها.
لكن، لماذا أشعر أنني أمتلك هذه الصورة أكثر من امتلاكي للأشياء الموجودة في هاتفي؟
«قمر إنطفى وإنكفى وإختفى…»
لم أكن أبدًا على وفاق مع الحيز الرقمي. فمنذ سنوات أغلق فيسبوك حسابي الشخصي، «متحفي» كما كنت أعتبره. مساحة رقمية تعبّر عني أستطيع الإضافة والرجوع إليها وقتما شئت. أرجع فأستدل على ما كنت عليه، وأضيف في محاولة لتشكيل فكري وإيجاد طريقي، خاصة مع الانفتاح الذي صاحب ثورة يناير وتجميعة الأصدقاء الافتراضيين التي كونتها عليه. لم تمهد لي المنصة قسوة «حق الملكية» الذي تصورت أني أمارسه على حسابي الخاص، فقد كان الإغلاق نهائيًا، وعندما استفسرت كان الرد على مستوى الحدث، صورة ميم لـ«وحيد ابن القرموطي» كنت قد علقت بها على أحد المنشورات اعتبرتها الخوارزمية انتهاكًا لقواعد وسياسات المنصة.
شئ مشابه أيضًا حدث لصديق لي عندما حذف متجر بلاي ستيشن منتجًا كان قد اشتراه على مساحته السحابية نتيجة قرار من الشركة الأم، ودون الرجوع للمشترين، لا المالكين، مبررة ذلك أن المشتري له حق استخدام المنتج وليس امتلاكه.
وربما لهذا تشبثتُ -دون وعي كامل- برقم هاتفها، المحفوظ باسم (ماما) في قائمة جهات اتصالي، معتقدًا أنه آخر معاقل الحضور الذي لم يُجبر بعد على التغيّر. لم أكن أنوي استخدامه يومًا، لكن مجرد بقائه هناك، قابلًا للطلب، كان يكفي لخداع يقيني بالغياب. وديعتي الرقمية الأخيرة، التي حسبتها بمنأى عن التلف والنسيان.
لكن أي حق هذا الذي أدّعيه؟ فالرقم ليس ملكي أصلًا، بل خط تديره شركة اتصالات بمنطقها الخاص، لا تعرف عن ارتباطي به شيئًا، ولا يعنيها إن كان وعاءً لحنين أو مجرد رقم معطّل يجب إعادة تدويره. حقي فيه، إن وجد، حق معنوي بحت، لا تعترف به فاتورة ولا عقد، ولا تأبه له خوارزمية. ولست وحدي في هذا الشعور بالغبن الرقمي الصامت، فكثيرون يكتشفون فجأة أن ما ظنوه ملكًا خالصًا لم يكن يومًا كذلك.
«نهر مبلش حتى الريق…»
ــــــــ
ومرة أخرى، بعد أكثر من عام ونصف على الفاجعة، أضاء إشعار مقتضب شاشة هاتفي بصورة شابة صغيرة لا أعرفها، مصحوبة بالاسم الذي أعرفه:
«ماما، التحقت بالتليجرام.»
«وآه يا براح عمال بيضيق»
وسلام.
The post ما الذي كان ومعدش وراح first appeared on Mada Masr.


