خلال أقل من 24 ساعة صدر عن وزارة الدفاع اليمنية بيانان حملا تناقضا واضحا، ففي مساء الأربعاء نشر الناطق الرسمي للقوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي بيانا تحذيريا شديد اللهجة عبر حسابه الرسمي على منصة إكس تناقلته وسائل الإعلام وأخذ مداه الواسع في الانتشار، حيث ورد في البيان أن وزارة الدفاع تحذر المواطنين في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، من المشاركة في أي تجمعات تقام تحت مسمى النكف القبلي أو الاحتشاد الجماهيري أو الدورات الثقافية وغيرها من المسميات، وأن هذه التجمعات تستغلها المليشيات لتحشيد الأطفال والشباب المغرر بهم والزج بهم في محارق الموت خدمة لأنشطتها القتالية ومشروعها التدميري، وأن هذا النوع من التجمعات سيعد أهدافاً عسكرية مشروعة.
وقد جمع البيان بين النكف القبلي والاحتشاد الجماهيري والدورات الثقافية التي ينفذها الحوثيون، والنكف القبلي كما هو معروف في الثقافة الشعبية والاجتماعية اليمنية عبارة عن موروث يمني أصيل يرتبط بالكرامة ونصرة المظلوم، لكن ميليشيا الحوثي حاولت أن تحوله إلى أدوات حشد تعزز به صفوف مقاتليها في الجبهات.
وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على نشر الناطق الرسمي للقوات المسلحة اليمنية البيان التحذيري، نشر وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي عبر صفحته الشخصية على منصة إكس بيان اعتذار عن البيان التحذيري السابق، واعتبر البيان السابق تصريحا خاطئا وغير مقبول، كما قدّم اعتذارا لأبناء القبائل، ووجه أيضا بالتحقيق في البيان الأول، وهذا التناقض بين البيانين يخلق بطبيعته تساؤلات عن كفاءة الخطاب الإعلامي العسكري للوزارة ووحدة قرارها الداخلي.
ومن خلال قراءة مضمون بيان الاعتذار الثاني يُلحظ أن وزارة الدفاع وجدت نفسها بعد البيان التحذيري الأول أمام أزمة اتصالية تُسمى في علم الاتصال “أزمة اتصالية ذاتية الصنع”، فصدور بيان صحفي غير مدروس قد يمنح الخصم نصرا ويفتح له بابا للمزايدة والاستغلال، ويجد من خلاله منافذ يتسلل منها في إدارة معركته الإعلامية والحقوقية، فبيان التحذير وقع في خطأ ثقافي واجتماعي إذ ربط بين النكف اليمني القبلي والدورات الحوثية الطائفية الخاصة بجماعة الحوثي وهذا الدمج غير الدقيق أظهر وزارة الدفاع اليمنية وكأنها تعادي الهوية القبلية نفسها، لا المليشيا التي تحاول السطو عليها وتجريفها، وهذا ما يحمله مضمون البيان الثاني الذي أشار إلى أن القوات المسلحة اليمنية لن تستهدف أي تجمع أيا كان، سواءً كان نكفا قبليا أو تجمعات مدنية أخرى، وأن القبائل اليمنية العربية الأصيلة هي الحامل الرئيسي لمشروع استعادة الدولة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نكون ضدها في يوم من الأيام.
أما الخطأ الآخر الذي وقع فيه البيان التحذيري فهو: عدم إدراكه وتنّبهه للمشكلة القانونية والحقوقية حيث إن استخدام عبارة: ستعد أهدافاً عسكرية مشروعة، لوصف تجمعات قد تضم مدنيين أو أطفالاً أو مغررا بهم، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تقوم على مبدأي التمييز والتناسب، وهذا باعتقادي العنصر الأهم الذي دفع وزارة الدفاع لمحاولة تدارك الأمر ومعالجته من خلال نشر بيان اعتذار عن طريق وزير الدفاع العقيلي، لكن وفق الاستراتيجيات الاتصالية في علوم الاتصال والإعلام لم تكن طريقة ومضمون بيان اعتذار وزير الدفاع هو الأسلوب الاتصالي الصحيح لمعالجة بيان التحذير، فالوزير حاول أن يعالج خطأ البيان الأول لكنه وقع في خطأ اتصالي مضاد تمثل في إظهار الضعف والتخبط المؤسسي، فخروج رأس الهرم في وزارة الدفاع ليعلن على الملأ أن الحساب الرسمي لناطق القوات المسلحة اليمنية يصدر تصريحات خاطئة وغير مقبولة يرسل رسالة كارثية للجمهور وللخصم مفادها أن المؤسسة العسكرية إما مخترقة، أو تدار بعشوائية، أو تعاني من غياب القيادة والسيطرة، فالحفاظ على هيبة المصدر ومصداقيته لا يقل أهمية عن القوة النارية في الميدان.
وفي علم الاتصال وإدارة الأزمات السيادية والعسكرية تقول القاعدة الذهبية “صوّب المسار دون أن تهدم جدار المؤسسة”، فإجراءات المحاسبة والتحقيق مع المسؤولين عن الخطأ الذي ورد في البيان هي إجراءات داخلية صارمة كان يجب ألا تُعلن فيجد منها الخصم منفذا وهدية مجانية للنيل من القوات المسلحة والشرعية بشكل عام واستغلال ذلك في الهجوم عليها إعلاميا كحد أدنى.
وبدلا من نسف البيان الأول بالاعتذار المجرد، كان يُفضل اللجوء إلى استراتيجية “إعادة التأطير والتوضيح”، وذلك عبر إصدار بيان استدراكي يوضح أن التحذير السابق خرج عن سياقه أو صيغ بعبارات غير دقيقة لم تعبر عن الموقف الأصيل للقيادة، وكان المقصود منه الحشود والتعزيزات الحوثية نحو الجبهات، وأن العمليات العسكرية للوزارة ستقتصر على أهداف ستكون وفقاً لقواعد الاشتباك والقانون الدولي، وليس هذا الأسلوب الاتصالي الوحيد فحسب، فهناك طرق اتصالية أخرى كان بإمكان الوزارة أن تلجأ إليها للتوضيح كتصريح صحفي لأي مؤسسة إعلامية على سبيل المثال، فاليوم البيئة الإعلامية والاتصالية تعد ميدان حرب بحد ذاتها، وهي إحدى أدوات الاشتباك، والكلمة لا تقل أهمية عن الطلقة.
وبرغم الأخطاء التي ظهرت في بيان اعتذار وزير الدفاع تبقى أمور محسوبة لصالح الوزارة، ففي ميزان إدارة الأزمات تبرز سرعة الاستجابة للوزارة، وهذا يتجسد في خروج الوزير ونشره بيان اعتذار خلال أقل من 24 ساعة، لكن لم يكن الاعتذار الصريح وإعلان فتح تحقيق بالطريقة التي صيغ بها هو الخيار الأمثل اتصاليا، ولهذا تبرز أهمية الحاجة إلى تواجد خبراء في علوم الاعلام والاتصال الاستراتيجي والقانون الدولي وعلم الاجتماع في غرف العمليات الإعلامية في المؤسسات السيادية والعسكرية، لأن مثل هذه البيانات المتناقضة للوزارة تقلل من هيبتها وتُضعف ثقة الجمهور والشعب تجاه خطابها الإعلامي وأدائها الاتصالي.
