خرجت عبير بدون إذن أبوها وبدون توسل أمها.
هذه المرة الأولى منذ تخرجها وهي لا تفعلها لأجل نفسها، إنما لأجله. لأجل عليّ الذي كانت مصادفته يوميًا في الأتوبيس تذكرها بتلاوة أدعية الصباح. كانت تراه من الشباك يلاحق ويشاور، وعندما يصعد أخيرًا تسرح في الجزء الذي تتمكن من النظر إليه منه ولا يعود بوسعها إلا أن تتمتم: «سبحان الله، سبحان من خلقك يا عليّ»
منذ تخرجها التزمت بما فرضه أبوها يوم تسلمت شهادتها، قال لها أن تريح روحها ولا تسأل أبدًا. فإنها ومهما فعلت لن يُحدث ذلك تغييرًا في إجابته.
لا للعمل، لا للخروج والسرمحة، ولا حتى للبلكونة (تنشر الغسيل وتدخل فورًا وإلا نهارها طين) لقد ارتضت كل ذلك لأنها تفهم جيدًا أن أبوها كان يود لو يقول «لا» للجامعة أيضًا لكنه اضطر لها.
«مش عايز عيل من الورشة تهفه دماغه، الشهادة بتخض بردو» إنها تعلم، فبما أنها لم تستطع أن تأتي كصبي يتسلم إرث الورشة وقيادة الصبيان، كان عليها أن تجلس في المنزل متعلمة متستتة حتى يأتيها متعلم آخر، وبالتالي لا يستطيع صبيانه الطماعون أن يستخدموها كمدخل لقلب المسكين الذي حرم طويلًا من إنجاب البنين.
وبرغم أن خروج عبير حدثًا ثوريًا بذاته، إلا أن رحلتها لم تكن لأي مكان بعيد، وجهتها تبعد شارعين فحسب، فهي ذاهبة لمنزل ميادة التي لا يعمل أبوها في الدوكو مثل والد عبير، ولكنه يملك محلين لبيع مستلزمات النقاشة.
عندما تزاملتا في المدرسة الإعدادية كانتا وحدهما بين بنات الفصل من طورتا تلك العلاقة، القائمة على هوس استنشاق الكيماويات. عندما يُدهن حائط جديد أو يكتب عليه «من طلب العُلا» يتم رصدهما وقد زوغتا من الحصص ورُاحتا تطوفان حوله مثل المندوهتين.
إنها وميادة تتشابهان في عديد الأمور، شعر أسود، جلد أبيض، صدر متوسط تم اصطحاب كلتاهما للطبيب بحثًا عن طُرق لتكبيره. هذا إلى جانب تلقيهن للعقاب من أبلة سامية الوكيلة كلما سنحت الفرصة.
إنهما تقريبًا الشخص نفسه باستثناء اختلاف وحيد، فميادة طبيعية ومتطلباتها شائعة، أما عبير فليست. وفي هذا الشأن، فإن غرابة عبير وجشعها هما اللذان يحركانها في اللحظة الحالية حتى تطرق بيت ميادة وتخبر أمها أنها جاءت تبارك للعروسة. أصبحت كذلك منذ الأمس، منذ قُرِأت فتحتها على ابن أبلة سامية، الوحيد والفريد، علي الذي ليس كمثله رجل.
قالت أم ميادة «عبير! اتفضلي يا حبيبتي» فتفضلت إنما ليس للصالون، بل لغرفة ميادة. وجدتها متكئة على السرير، غرفتها مولد، سبعين طرحة على الأرض وخمسين قلم روج على التسريحة، صاحت أمها قلقة من أن ترى عبير ما رأته «بت يا ميااادة قومي شوفي صاحبتك» لم تقم ميادة، بل ظلت متكئة تنظرها بكسل من خلف هاتفها.
لم تسرف في المقدمات «علي عاجبك بجد؟»
ولم تسرف ميادة في الإندهاشات «وأنتي مال أهلك؟»
ليس هذا سؤال ميادة فحسب، إنها أيضًا تسأله لنفسها «وهي مال أهلها؟» ماذا يزعجها في أن عليّ سيتزوج ميادة؟ وفي أنها كانت خيار أبلة سامية الأول قبل عبير؟
كان ذلك معروفًا للجميع في المدرسة، إن سبب استقصاد الوكيلة للطالبات التي تعرفهن من حيها وتعرف أن لهن أهالي «مبسوطين» دون أن يصحب ذلك الانبساط مركز أو تعليم، هو أنها تحقد عليهن قليلًا، لكنها أيضًا تريد أن تبقى في ذهنهن. فكان المعتاد منها بعد جعلهن يفردن أيديهن أمامها في طابور الصباح، أو أمرهن بالالتفاف لتلسعهن على أردافهن بالخرزانه، أن تمشي إلى الدكك في ساعة المرور منتصف اليوم، فقط لتبتسم في نفس الوجوه وتملس بنفس اليد الضاربة على الطرح والشعور.
على أن الجميع -حتى أبلة سامية نفسها- لم يقدروا عدد البنات التي قد تحتاجها الوكيلة في المستقبل، فبما أنها تزوجت موظفًا طيبًا في بنك حكومي، كان واقع حياتها يبحر في مكان بعيد عن كل ما أرادت له الرسو عليه.
ثلاثة صبيان صارحت كل واحد منهم برغبتها الحثيثة في ألا يكونوا نسخة عن أبوهم. لم ترد موظفين اعتيادين آخرين ولا رجال يعتقدون أن إحضار بطيخة إلى المنزل في موسم البشاير حدثًا يستحق أن تتحزم وترقص لأجله.
أرادت شيء آخر، وبينت بالتفصيل إرادتها لكل ولد من أولادها، وقد فلح تقريبًا ذلك الإعلان في الولوج لعقولهم. فقد تخرج الكبير دكتور يتكسب من نفخ الخدود ونحت الأنوف في عيادة قطرية شهيرة. أما الثالث فما أن أعلن في طفولته عن هوسه بالكرة وكريستيانو رونالدو حتى باعت شبكتها وطافت خلفه لاختبارات التقديم وكشافين الملاعب، واليوم اطمئنت عليه شبلًا من أشبال الإسماعيلي.
تقول دائمًا أن الكبير والصغير هما من أنصفاها، فقد رحماها من أن تضطر للجوء للخطة الاحتياطية التي -ورغم أنها من رتبتها- ولكنها تمنت لو لم تلجئ لها أبدًا. إنها امرأة متعلمة، منزلها هو الوحيد في الحي الذي يحتوي ذوقًا حقيقيًا في تأثيثه، لا حوائط برتقالية ولا جبسنبورد بورود وكشكشة، لماذا عليها أن تضع يدها في يد زوجة تاجر خردة؟ أو ميكانيكي معتاد على نداء صبيانه بأعضاء أمهاتهم الحساسة؟ تعلم أن الصغير سيتزوج ابنة مليونير أو لاعب سابق عندما تتزهزه له الأمور، أما الكبير فقد اختار لنفسه طبيبة زميلة في قطر، هناك يتزوجان ويعيشان ويدخلان الأولاد مدارس أجنبية.
لكنه هو.. خيبتها وقلقها، عليّ هو الوحيد الذي اضطرها اللجوء للبدائل.
«بقولك إيه، ما تخلصي في دورك وتقولي اللي عايزاه!»
لن تقول ميادة شيء كهذا لو أنها ليست على دراية بالشيء الذي تريد عبير قوله. بنت الـ..
«لو كان عاجبك يبقى معنديش حاجة أقولها، بس لو جوازة والسلام، فـ تقدري تلاقي اللي أحسن منه»
«مفيش أحسن ومفيش أوحش، هو حد بيتجوز على كيفه؟»
أصابت ميادة. كل الناس الذين عرفتهم لم يتزوجوا على كيفهم، أبلة سامية نفسها زُوِجت لأستاذ حسين لأنه والديها قالا إنه لقطة. فهو جامعي وهي خريجة دبلوم معلمين. ولم يخبرها أي شخص أن مخه سيأتي هكذا، وأن مخ الإنسان قد لا يتماشى أحيانًا مع مقدار ما حاذه من تعليم.
عبير تصنف نفسها واحدة من هؤلاء. فقد كان المفترض أن تذهب للجامعة وتعود منها بلا شيء إلا ورقة الشهادة، فعلها عديدون قبلها ونجحوا. فلماذا لم تستطع؟
لم يدفعها لدخول الجامعة أي شغف ولم تتخرج منها بأي حلم. فلماذا أرقها عقلها هكذا؟ لماذا جعلها تلاحظ الشاب الذي يهرول خلف الأتوبيس كل يوم لأن أمه أمرته بشراء شيء من السوق قبل ذهابه إلى العمل؟ ولماذا افتتنت ذلك الافتتان الذي، وبصراحة؛ سيعتبره أي شخص غريب، بقفاه المكفهر من الحر، ولماذا رق قلبها لرؤيته ينصاع في مكالمات أمه التي تلومه على الفاصوليا المسوسة الذي سكه البائع فيها، يتبعه انصياع آخر لمديره الذي يوبخه على التأخير.
إنه يكفر عن خطأه في تخييب أملها، مفهوم.
إنه أيضًا يتزوج بأمرها الفتاة التي سيقدر أهلها على شراء جهاز عليه القيمة ويرحبوا بموظف البنك لابس البدل ليعوضوا ما عندهم من نقصان. كذلك مفهوم.
وعبير تقف ها هنا أمام ميادة، تفهم تمامًا ما يحدث، مع ذلك ليس بوسعها سوى التساؤل عن الباقي من القصة، ذلك الذي لم تحسب أبلة سامية حسابه أو لم تهتم.
فالشاب المديون سيقترن بزوجة ليست مديونة مثله، أو ربما مديونة بدين آخر لا يعرف هو عنه. مديونة لوالدها أن تذهب ولا تعود من بيت زوجها إلا بالقصص المفرحة، ومديونة لأمها بولد أبيض مكلبظ يروي فيها ما جففه الزمن وتخن صوت العيال. ديون عديدة تجعلها غير مهتمة بدينه كما لن يهتم هو بديونها. كما أنه يجب أخذ وضع ميادة الخاص في الحسبان، فعلى عكسها، لقد ولدت على أربعة صبيان شُحطه، لديها متسع من شّم النَفس ليس متاحًا لغيرها، ولن تشعر أن عليها تحمل المرأة المهبولة وهي تحكم عليها أن تناديها «ماما» ولا أن تقبل ظهورها يوم تنقية الشبكة والسيراميك.
عندئذ ستصرخ أبلة سامية وتنبري بحقها، كفاية أنها قبلت بنت البوهيجي! وستصرخ ميادة بأن الست والدتك ليس من حقها التدخل في بيتي ومملكتي! وعلي بينهما ينكمش مثل وردة ميتة.
ذلك ليس تكهن منها، بل هي العلامات البينة التي تستطيع هي فقط قراءتها، تقول ميادة إنها جوازة والسلام، علي جوازة والسلام؟ وأنتِ يا أبلة سامية؟ هل تحسبين أن هذه لا تزال سوزان الإعدادية بنات؟ حتى أنها لم تعد تسمى «سوزان» يا بنت العبيطة!
بدون تضييع لحظة زيادة، فردت قامتها في مركز غرفة ميادة المهرجلة، ورمت كرتها الأخير
«سيبي علي وهديكي اللي ينفعك أكتر منه».
ــــــ
عندما سمع أهل الحي بخبر ميادة التي أرسلت لخطيبها دبلته بعد يومين فقط من قراءة الفاتحة، كانوا على استعداد للعن سلسفيلها. لم يكن ذلك تصرفًا يمكنهم التساهل معه، هذا حتى ذاع الخبر بأن البنت لوت كعبها وهي تصلي الاستخارة، كما أنها حلمت بوحش أسود يكمم فمها ويقيد ذراعيها، ثم داهم جيش من النمل منزل أهلها. كل شيء قسمة ونصيب، قرر الحي وفترت لوعتهم على الولد وأمه التي تذكر الجميع أنها لم تكن يومًا «وليّة سهلة».
وفي غضون أيام عادت الحياة لعادتها، تحرك الجميع في شأنه وفرشن بياعات الخضار قُرب عمارات النواصي الكائن في إحداها شقة أبلة سامية وأستاذ حسين، لكنها لم تعد تبدأ يومها بخناقهن والتوعد لهن حول عروق الكرنب وأقفاص الخضرة التي يتركنها قرب بوابة المنزل، وهو روتين حافظت عليه بإخلاص منذ أحيلت للمعاش.
لقد خفت شيء فيها، ولم يخف ذلك على أي شخص.
أما في منزل عبير فلم تكن الأمور على نفس القدر من هدوئها، ليس لها، ولا لأمها وبقية أهلها.
كانوا بالفعل في هذه الحُمى منذ فترة طويلة، منذ زارتهم أم سعيد وقالت إنها ستقدم لعبير عريسًا على الفرّازة، لم تكن أم سعيد الوحيدة التي قدمت مثل هذا الوعد، فمنذ تخرجت الابنة طافت الأم على القريب والبعيد تدور لابنتها تصريفة، المشكلة أن جميع الذين توصلت لهم كانوا وبشكل عجيب يختفون قبل أن يصلوا حتى للقاء والد البنت. أما عريس أم سعيد غيرهم، أنه مستعجل حقًا، نازل من أمريكا شهر واحد يريد أن يجد خلالهم عروسه مصرية مسلمة، لن يأخذها معه بسبب الترتيبات والأوراق، لكنها ستلحق به حتمًا. ستذهب إلى أمريكا! ستذهبين إلى أمريكا يا عبيرّ! بدت أمها راضية تمامًا بفكرة العريس الذي سيأخذ ابنتها بعيدًا، وتسائلت هي إن كانت أمها لتفرح نفس الفرحة لو جاء نفس العريس قبل أربع سنوات!
أول ما استفسر عنه الرجل هو إن كانت قد فكرت يومًا في خلع الحجاب، وإن كان بإمكانها طبخ الملوخية والمسقعة، وماذا ستفعل إن شاهدت رجلًا يرتدي «شورت قصير خالص» يتمشى بجانبها في الشارع، لقائين منزليين كافيان ليقرر أنها مناسبة، قال هذه المعلومة لأبيها، إنه مستعجل حقًا! كان من المفترض أن تعَلق كهاربها وتلحق بميادة بعد أسبوع، لكن ما لا يعلمه أحد أنه وفي يوم خطوبة ميادة حضرت عبير مع أمها وآدم، أخيها الصغير الذي سيرث الورشة، والذي يجعل أمها راضية بفكرة ذهابها لأمريكا.
يومها أشارت له على العروسين تسأله:
«إيه رأيك؟ لايقين على بعض؟»
لكنه كان حزينًا خلال الأيام الماضية، استمر بقول: «مش عايزك تروحي أمليكا يا عبير»
قبلته وأخبرته أنه لو لم يريدها أن تسافر فيجب أن يساعدها وكانت تعلم أنه سيفعل. فمنذ فتح عيونه في اللفة شاهدها وظن فورًا أنها أمه، كانت تبدو كذلك فعلًا بحكم أنها لم تملك نفس تجاعيد أمه الحقيقية، وبحكم أنها كانت قادرة على القيام واللعب معه، حمله وهدهدته وزجره ومكافئته، وهي جميعها أمور عجزت أمه عنها بحكم أنها استهلكت كل قوى عمرها في محاولة إنجابه.
في الزيارة الثالثة أدى آدم جزءه من الخطة وكسر كوب عصير أمام العريس الأمريكي، وعندما قامت ونزلت على جسمه بالشبشب، بالغ في تصوير ألمه ودبدب في الأرض وبكى دموعًا حقيقية، جاءت أمها على صوته وبعدتها عنه ذاهلة، كانت خائفة من رد فعل أبو الولد الذي لا يتحمل عليه الهواء الطاير، وفعلًا، لما عاد وسمع منها ما حدث، دخل غرفة عبير وهوى على وجهها بقلم أخذته على كامل صدغها ولم تتلافاه. برغم أن خدها الآخر لم يكن قد تعافى من القلم الذي تلقته عندما سمع بخبر نزولها بدون إذن.
وعلى الرغم من استمرار الأثر لأيام، شعرت عبير بالراحة، فقد أرسل العريس قائلًا أن كل شيء قسمة ونصيب، ولم يفهم أبوها ولا أمها السبب مهما سألاه، لكن عبير فهمته بكل تأكيد.
بعد أسبوع عادت أمها من الخارج ونقلت لها الخبر بحرقة.
«الولية الوسخة أم سعيد ودت الواد لبنت بتاع البوية! أكيد كانوا مبيتين مع بعضهم»
بهذا، علمت أن الألم الذي لم تظهره يوم صفعت أول وتاني قلم، وعندما وافقت أمها بنقلها لطرف العالم الآخر فقط لأنه قد أصبح لديها إستبن، وعندما دخلت الجامعة ليعطي أبوها نفسه أملًا بالاستمرار في صنع ولد بنفسه بدلًا من استيراد واحد خارجي، وعندما لسعتها أبلة سامية بالخرزانة على أظفر طويل نسيت أن تقصه، قد آن لهم جميعًا أن يخرجوا على السطح. خلطتهم معًا ونامت تفكر فيهم، مسافة الليل هي كل ما احتاجته حتى ترتفع درجة حرارتها وتهلوس خلال نومها، وعندما حاولوا صباحًا اصطحابها لطبيب قامت من على السرير فلم تحملها قدماها.
قال الطبيب أنها حالة عصبية.
- هل تخرج؟
- لا طبعًا!
- أتركوها تخرج.
- لا طبعًا!
- على الأقل تتمشى، ابعتوها تجيب خضار ولا حاجة.
لم تكن عبير لتطلب أكثر من هذا.
في الشارع تتمشى ورأسها مائلة. جريحة تبدو، مثل طائر لم يملك جناحان قط. أبوها راجل شديد! هكذا يفكر الجميع وتفكر أبلة سامية التي مرت طوال الأسبوع من أمام منزلها.
عُلقت الكهارب وصدح الصب مجددًا في أقل من شهر، ستسافر ميادة لأمريكا؟ ميادة؟ لأمريكا؟ يقولون إن البنت ستموت من الفرحة، قد بدأت بالفعل في دروس تعلم الانجليزية على الرغم من أن العريس لمح لها بأنه ما زال أمامها وقت طويل لتفعل فيه.
حلفت أم ميادة بأيمانات المسلمين أن بنتها لن تفرح حتى تأذن أبلة سامية وتشرفها بالحضور، كل شيء قسمة ونصيب وأبلة سامية خير العالمين. عصرت على نفسها محصول ليمون وذهبت وهناك شاهدتها، عبير واقفة في نفس الركن مثل المرة الماضية، تحمل أخاها الصغير المتعلق في رقبتها، لو اقتربت قليلًا لسمعت أدم يسأل «أنزل أيدي ولا لسه؟» لكنها تراهما من مسافة، وتتخذ قرارها أخيرًا.
ــــــ
استهلكت عبير كل رباطة جأشها حتى لا تنظر في وجهه. عليّ، الذي خاضت لأجله الأهوال وتورم الخدود.
كان يجلس بين والداه الذين جاءا يتقدمان به لها. الحاج حسين أو «مستر» كما كان لقبه قبل المعاش يتحدث عن العشرة والجيرة ومعرفته بأبو عبير الممتدة لثلاثين سنة، وكيف أنه دهن سيارته الأوبل من طراز 92 فجعلها تبدو مثل العروس بنت 18. ورد والدها مجاملًا بأن المستر حسين ببذلته المكوية وكرافيتته هو «أنضف راجل» دخل ورشته. إن أبوها كاذب، فأولًا، لقد دخل ورشته من هم أغنى من موظف البنك بمراحل، وثانيًا، لقد كان معتادًا على تلقيب حسين بـ«شورتها»، لكنه لم يقل ذلك اليوم.
ظل الحي متربصًا لعدة شهور. لو قالت عبير كلمة واحدة عن النمل أو النجفة التي اهتزت فوقها إن شاء الله وهي تصلي الظهر، ستكون تلك نهاية علي، ربما حتى أمه ستفقد الأمل فيه.
لكن عبير لم تقل أيًا من ذلك، بل ذهبت مع أبلة سامية واشترت سجاد بُني بتوجيهها لأنه موضة لا تبطل، كما سمعت كل نصيحة، حتى النصائح بخصوص الألوان التي يمكن أن ترتديها في غرفة النوم. وحينما حانت الليلة الموعودة جلست بضآلة في كرسيها ولم ترقص في فرحها، رقصن الأخريات لكنها لم تحسدهن، فهي لا تعرف كيف يصرفن أمورهن. وقد ضمن لها البقاء فوق المنصة أفضل مراقبة للوضع، عروسة الأخ الكبير حضرت الفرح، سيتزوجان الشتاء القادم، بالطبع لن يتم زفافهما في قاعة الليالي السعيدة، عندما سلمت على عبير قبلتها في الهواء، لا تريد علاقة تربطها بها وكذلك عبير، إنهما متفاهمتان.
بعدما انفضت الليلة أغلق عليّ باب الشقة وجلس فوق كرسي الانترية محاولًا خلع حذائه، بدا مرتبكًا وجعلها ذلك تشفق عليه. لذلك دنت بجانبه ومسحت على كتفه، ودت لو تقبله في أبعد بقعة ممكنة عن عيونه، لكنها قررت التظاهر بنفض غبار عن جاكيتته بينما سحبت باليد الأخرى الكيس الذي رأت صديقًا له يدسه سابقًا في جيبه، انسحبت للحمام وقامت بنزع الكورسية عن خصرها ثم خرجت، بعد أن شدت السيفون على الكيس ومحتوياته.
خلال تلك الليلة لم يقع بينهما ما يجب أن يقع. فعلى عكسها لقد رقص مع كل صديق جاء يجامله وكل رجل كبير من الحي، وقبلهم جميعًا أمه التي أصابتها لوثة وبدأت تقبله وتحضنه متشنهفة وكأنها تبتغي أن تأخذه وترحل. لما خرجت من الحمام وجدته ممددًا على طرف السرير. وفي هذه اللحظة، وبينما تطبق الكورسيه فوق الفستان ليعود غدًا إلى الأتيليه، في هذه اللحظة تمامًا، تنفست عبير.
لم تكن مهمتها سهلة، لكنها فعلتها. لن تبخس حق نفسها، حتى وهي تعلم أن كل ما حدث هو النصف فحسب، فمشوارها ما زال طويل، لكن عليّ نائم بسلام إلى جانبها، هكذا نظرت في مرآة التسريحة أمامها، ولم تشكك في قدراتها.
تعرف أنها أولًا يجب أن تفتح لهم بالصباح وتتلوى داخل نفسها من الكسوف حينما يوجهوا لها الأسئلة. بعد ذلك ستنتظر خمس أو ست سنوات حتى تموت أبلة سامية، لا يجدر بها أن تستمر لوقت أطول، فهي امرأة متعبة بتفكيرها، كما أن صدرها متدهور بالفعل، تظن أنه لا أحد خارج منزلها يعلم أنها مدخنة، برغم أن عبير رصدتها مرة أو مرتين خلف حمام المدرسين، لم تقل أي شيء حينذاك، ولن تقل أي شيء فيما بعد.
من الخمس سنوات ستعيش عقيمة لثلاث، وستحضر سامية سبوع المولود في أخر أيامها، وبعد سنين سيحكي لهم عليّ ذلك الحدث والدموع تتغرغر في عيونه، لكنهم لن يتذكروا أي شيء.
وفاة سامية ستكون أيضًا إشارتها للبدأ في خلع السيراميك وإشعال النار في قمصان النوم، مع ذلك فهي لن تفعلها مباشرة بعد الأربعين، بل ستكون بنت حلال وتنتظر شهرين. لا تريد أن يظن أحدًا أنها فرحانة بموتها، فهي ليست كذلك، كانت تحترم أبلة سامية، لكنه سيكون الوقت المناسب ليولي زمنها.
ولما يكبر آدم المفعوص ستتسلم منه ميراثها كاملًا، لقد اشترت بالفعل سماعه وبالطو منذ تعلم المشي، كان أبوها غير سعيد بذلك لكنه لم يعرف كيف يصف اعتراضه. وحتى إن حدثت حادثة تجعله يبقي على الورشة سيظل يمنحها ما تطلبه، إن لها عليه تأثير لن يستطيع محوه أو محاججته، لكنها طيبة، ستستخدم ذلك فقط لتسترد ما هو لها، ولن تجعل حياة البنت التي يتزوجها حِزن مغلي.
بعدذاك ستحين لحظتها لتلتقط أنفاسها بحق وحقيقي، ستأخذ عليّ وأستاذ حسين والولد والبنت وتستخدم الميراث لتشتري شقة شرحة في الـ800 فدان، أو ربما دمياط الجديدة. هناك حيث لا يعرفهم أي شخص ولا تعرف هي بنفسها أحد، هناك ستشم بوهيا البيت الجديد، ولن تميز رائحتها.
أخرجها من استغراقها تقلب عليّ في نومه، قدماه ترتجفان قليلًا، رفعت عليه الغطاء، الحمد لله أن أمها وأبلة سامية اتفقا على بطلان موضة مفرش العروسة.
فتح عيونه يطالع وجهها، ولما تأكد أنها ليست مستاءة لأن النوم غلبه في ليلة زفافهم ارتخى مجددًا. لم تعد هذه نفس العيون التي كانت تتشتت بعد صعوده الأتوبيس، ولما تلاحظانها وتدركان معرفتهم بها يتسرب منهما ذلك الهمس الحثيث طلبًا للنجدة.
لقد لبت ندائهم، وهي لا تنكر أنها تلك العاطفة النادرة فيهما من هونت عليها كل ما حدث.
«شكرًا يا عبير»
عاد للنوم مرتاحًا، مبتسم في تثاؤبه مثل هرة صغيرة. لا شكر على واجب يا روحي. تمددت بجانبه وحوطت عليه بذراعيها، مطمئنة بمعرفة أنه يريد نفس ما تريده.
The post سابع مدى| عبير تنقذ الأمير first appeared on Mada Masr.
