يمن مونيتور/ تعز/ من افتخار عبده
تنفذ جماعة الحوثي المسلحة حملات اختطاف واسعة بحق المدنيين في أرياف محافظة تعز، ولا سيما في المناطق التي سيطرت عليها مؤخرًا، تحت مبررات أمنية تتعلق بالبحث عن عسكريين موالين للحكومة الشرعية.
وكشفت رابطة أمهات المختطفين عن توثيق أكثر من 171 حالة اختطاف لمدنيين في أرياف تعز، وفق حصيلة أولية قالت إنها مرشحة للارتفاع، في ظل استمرار الهجمات العسكرية وصعوبة التحقق من جميع الحالات.
وأوضحت الرابطة أن الاعتقالات طالت مواطنين بسبب منشوراتهم ومواقفهم السياسية، ورفضهم المشاركة في القتال، فضلًا عن رفض بعضهم الالتزام بتعليمات دينية فرضتها الجماعة على السكان بالقوة، في وقت تتحدث فيه تقارير حقوقية عن مئات الانتهاكات التي تطال السكان على خلفية مواقفهم السياسية ورفضهم الانخراط في القتال.
وتثير هذه الحملات مخاوف من اتساع دائرة الاشتباه لتشمل مدنيين لا صلة لهم بالمواجهات، وتحويل القرى إلى بيئة يسودها الخوف من الاعتقال ومجهولية المصير، وسط تحذيرات حقوقية من تداعيات ذلك على أمن السكان واستقرارهم، واحتمال دفع مزيد من الأسر إلى النزوح من مناطقها.
الخوف يطارد سكان الريف
يتحدث أحد أبناء مديرية سامع، فضّل عدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية، عن حالة الخوف والقلق التي تعيشها الأسر في المناطق التي سيطر عليها الحوثيون مؤخرًا في ريف تعز، خشية اختطاف أبنائها أو تعرضهم للإخفاء القسري أو إجبارهم على التجنيد.
ويقول في تصريح لـ«يمن مونيتور» إن الأسر باتت تخشى على شبابها ورجالها، في ظل تصاعد حملات الاختطاف، وما تثيره من مخاوف بشأن مصير المدنيين الذين يقعون في قبضة الجماعة.
وأضاف أن الحوثيين أظهروا، في بداية سيطرتهم على المنطقة، ما وصفه بـ«الوجه الطيب» أمام الأهالي، قبل أن يبدأوا بالسيطرة على المساجد وتغيير خطبائها وإلقاء المحاضرات بشكل متكرر، وصولًا إلى التغلغل بين السكان والبحث عن أسماء أشخاص يعملون في صفوف القوات الحكومية.
وأشار إلى أن الجماعة تعتمد على استقطاب بعض السكان الموالين لها لجمع المعلومات عن أبناء القرى، الأمر الذي يثير الشكوك والخلافات بين الأهالي، مؤكدًا أن الاستهداف لا يقتصر على العسكريين الموالين للحكومة، بل يمتد إلى أشخاص مؤثرين في مجتمعاتهم المحلية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى أصحاب التوجهات السياسية والحزبية.
وأوضح أن دائرة الاشتباه اتسعت لتشمل أشخاصًا يرفضون الانخراط في أنشطة الجماعة أو المشاركة في الاستماع إلى محاضراتها، إلى جانب العاملين في القطاع التعليمي الذين يرفضون التدريس وفق توجيهاتها، أو يحاولون توعية الطلاب بمخاطر الذهاب إلى المدارس في ظل الظروف القائمة.
ويضيف أن هذه الأوضاع جعلت السكان يعيشون تحت ضغط متزايد، في ظل مخاوف من أن تتحول مواقفهم الشخصية أو أنشطتهم اليومية إلى أسباب للاشتباه بهم واستهدافهم.
وعن تجربته الشخصية، قال إن اختطاف أحد أصدقائه دفعه إلى الاعتقاد بأنه قد يكون الهدف التالي، خصوصًا أنه يخشى أن يكون الشخص الذي أبلغ عن صديقه قد كشف أمره أيضًا، ما دفعه إلى اتخاذ قرار بمغادرة القرية والتوجه إلى مدينة تعز.
وأشار إلى أن رحلة النزوح كانت محفوفة بالخوف والقلق، لا سيما بعد سيطرة الحوثيين على الطريق المؤدية إلى المدينة، مضيفًا أنه اصطحب ابنه الصغير، متذرعًا بالحاجة إلى إسعافه إلى المستشفى، حتى يتمكن من تجاوز نقاط التفتيش والوصول إلى تعز دون إثارة الشبهات.
تصعيد يثير مخاوف حقوقية
ولا تقتصر تداعيات هذه الحملات على من تطالهم الاعتقالات، بل تمتد إلى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، في ظل مخاوف من أن يصبح السكان عرضة للاختطاف بسبب مواقفهم السياسية أو رفضهم المشاركة في القتال.
وفي السياق، وصفت الناشطة الحقوقية هدى الصراري ما يجري في أرياف تعز بأنه أمر «مقلق جدًا»، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق بحالات اعتقال فردية، بل بنمط من الممارسات التي تضع السكان تحت الخوف والضغط المستمر.
وقالت الصراري إن توسع حملات الاختطاف لتشمل قرى ومناطق متعددة يثير مخاوف جدية من استخدام الاعتقالات وسيلة لمعاقبة السكان وترهيبهم، وليس فقط لملاحقة أشخاص يُشتبه في ارتكابهم مخالفات، لافتة إلى أن المدنيين باتوا يشعرون بأنهم قد يكونون مستهدفين لمجرد وجودهم في منطقة معينة، أو بسبب مواقفهم السياسية، أو رفضهم المشاركة في القتال.
وأضافت الصراري، في تصريح لـ«يمن مونيتور»، أن المؤشرات بشأن هذه الحملات خطيرة، خصوصًا بعد إعلان رابطة أمهات المختطفين، في 21 أكتوبر، توثيق أكثر من 171 حالة اختطاف في أرياف تعز، موضحة أن الرابطة تحدثت عن استهداف أشخاص بسبب منشوراتهم ومواقفهم السياسية ورفضهم المشاركة في القتال، إلى جانب رصد جهات حقوقية أخرى وقائع مشابهة.
وأشارت إلى أن هذه المعطيات تعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مواطنين لا يشاركون في المواجهات العسكرية، ويمارسون حياتهم الطبيعية داخل قراهم، مؤكدة أن «رفض المواطن القتال ليس جريمة، واختلافه في الرأي ليس مبررًا لاختطافه أو معاقبته».
وشددت الصراري على أن تخويف السكان من التعبير عن آرائهم أو البقاء في منازلهم يمثل انتهاكًا خطيرًا للحريات الأساسية وتهديدًا مباشرًا لحياة المجتمع، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها أبناء تعز جراء الحرب والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية.
انتهاكات ومخاوف من الإخفاء القسري
وفيما يتعلق بطبيعة الانتهاكات، أوضحت الصراري أن المعلومات المعلنة تتحدث عن اختطافات واعتقالات تعسفية ومداهمات للمنازل، فضلًا عن مخاوف من الإخفاء القسري واحتجاز أشخاص في أماكن غير معلومة، معتبرة أن استهداف المواطنين بسبب آرائهم أو رفضهم القتال يمثل انتهاكًا لحرياتهم الأساسية.
وأضافت أن خطورة هذه الممارسات تتضاعف بعد الاختطاف، حين تجد الأسرة نفسها عاجزة عن معرفة مكان ابنها أو الاطمئنان عليه، وقد لا تتمكن من التواصل معه أو توكيل محامٍ للدفاع عنه، محذرة من أن غياب الضمانات والرقابة المستقلة سيزيد من مخاطر التعذيب وسوء المعاملة.
ولفتت إلى أن تداعيات هذه الحملات لا تقتصر على المختطفين وحدهم، بل تمتد إلى النساء والأطفال وسائر أفراد الأسرة، الذين يتحملون أعباء نفسية ومعيشية متزايدة جراء الخوف والقلق على مصير ذويهم.
وأكدت الصراري ضرورة توثيق كل حالة بصورة مستقلة والتحقق من الوقائع والأدلة قبل تحديد المسؤولية القانونية عن التعذيب أو الإخفاء القسري أو غيرهما من الانتهاكات، مشددة على أن الحاجة إلى التحقق لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتجاهل خطورة ما يجري.
الخوف يدفع الأسر إلى النزوح
وحذرت الناشطة الحقوقية من أن استمرار حملات الاختطاف يسلب السكان شعورهم بالأمان داخل قراهم وبين أسرهم، ويجعلهم يخشون الخروج إلى الأسواق أو التعبير عن آرائهم أو حتى الاستجابة للإعلانات التي تدعوهم إلى تسوية أوضاعهم، خشية أن ينتهي بهم الأمر إلى الاختطاف ومجهولية المصير.
وقالت إن هذه الممارسات تدفع بعض الأسر إلى مغادرة منازلها خوفًا على أبنائها، رغم عدم قدرتها على تحمل تكاليف النزوح، مضيفة أن سكان أرياف تعز، الذين يعانون أصلًا من الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، يواجهون بذلك معاناة إضافية.
وشددت على أنه لا يجوز استخدام الاختطاف وسيلة لإخضاع المجتمع أو إجبار المواطنين على الصمت والطاعة، مؤكدة أن من حق كل مواطن أن يعيش في قريته بأمان، وألا يكون عرضة للاعتقال لمجرد تبنيه موقفًا سياسيًا أو رفضه المشاركة في القتال.
العفو العام ومخاوف الاستدراج
وفيما يتعلق بإعلان «العفو العام»، اعتبرت الصراري أن استخدامه لاستدراج المواطنين ثم اختطافهم، إذا ثبت، يمثل مسألة بالغة الخطورة، موضحة أن العفو يفترض أن يكون وسيلة لتسوية الأوضاع وفتح باب العودة الآمنة، لا أداة للإيقاع بالناس.
وأضافت أن المواطنين قد يثقون بهذه الإعلانات ويقررون العودة إلى قراهم أو مراجعة الجهات التي أصدرتها، ليجدوا أنفسهم أمام الاعتقال، الأمر الذي يعرضهم لخطر الإخفاء القسري وانتهاكات أخرى.
ودعت إلى توعية المدنيين بمخاطر الاعتماد على الوعود غير الموثوقة، وعدم مطالبتهم بتسليم أنفسهم أو الكشف عن معلوماتهم من دون ضمانات واضحة يمكن التحقق منها، مطالبة بالكشف عن مصير جميع المعتقلين في هذا السياق، وتمكين أسرهم من معرفة أماكن احتجازهم والتواصل معهم.
دعوات لتحرك حقوقي ودولي
وناشدت الصراري الجهات المعنية الانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات عملية لحماية المختطفين، مطالبة جماعة الحوثيين بالكشف عن أماكن احتجازهم ومصيرهم، وتمكينهم من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، والإفراج عن كل من احتُجز تعسفيًا.
كما شددت على أهمية توثيق الانتهاكات بصورة مستقلة، من خلال جمع أسماء المختطفين وتواريخ اختطافهم والجهات المسؤولة عن ذلك وأماكن الاحتجاز، إن عُرفت، مع توفير الحماية لأسر الضحايا والشهود من أي أعمال انتقامية.
وطالبت الأمم المتحدة ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان والجهات المعنية بملف اليمن بممارسة ضغط دولي جاد، يتضمن مطالب محددة ومتابعة مستمرة، بدلًا من الاكتفاء بالدعوات العامة لاحترام حقوق الإنسان.
وبيّنت ضرورة حفظ الأدلة المتعلقة بالاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب وسائر الانتهاكات، والعمل على إخضاع المسؤولين عنها للمساءلة القانونية، محذرة من أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار هذه الممارسات.
وشددت الصراري على أن حماية المدنيين يجب ألا ترتبط بمسار المفاوضات السياسية أو العسكرية، قائلة إن «حياة المختطفين وحقوقهم ليست ورقة تفاوض، ولا يجوز تأجيل حمايتهم إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي».
ووجهت الصراري رسالة إلى أهالي تعز، دعتهم فيها إلى إدراك أن أبناءهم ليسوا وقودًا للحرب، وحثت الأسر على توخي الحذر من الوعود غير الموثوقة، ومتابعة مصير أبنائها والإبلاغ عن حالات الاختطاف عبر جهات حقوقية موثوقة، مع مراعاة سلامتهم وسلامة أسرهم.
كما دعت جماعة الحوثيين إلى وقف اختطاف المدنيين، مؤكدة أنه لا يمكن تبرير هذه الممارسات تحت أي ذريعة، وأن العقاب الجماعي وترهيب السكان وملاحقتهم بسبب آرائهم أو رفضهم القتال ممارسات لا يمكن قبولها.
وختمت الصراري تصريحها بالتأكيد أن محافظة تعز لا تحتاج إلى بيانات قلق جديدة بقدر حاجتها إلى حماية حقيقية لسكانها، مشددة على ضرورة الكشف عن مصير المختطفين والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، محذرة من التعامل مع ما يحدث في أرياف تعز باعتباره تطورًا عابرًا في سياق الحرب.
The post بحجة ملاحقة العسكريين.. الحوثيون يوسّعون حملة اختطاف المدنيين في ريف تعز appeared first on يمن مونيتور.