ظل التعليم أحد الملفات الداخلية الرئيسية التي تواجهها الحكومة في السنوات الأخيرة، في ظل شكاوى مزمنة تتعلق بضعف الإنفاق على القطاع.
مع بداية العام الدراسي في سبتمبر الماضي، واجه وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، اعتراضات حادة من الرأي العام والبرلمان بسبب قرارات مثيرة للجدل طالت المدارس في أنحاء البلاد، وكان أبرزها الشروع في فرض تقييمات وواجبات أسبوعية إلزامية، إلى جانب تعديلات في المناهج الدراسية، ما دفع نوابًا إلى تقديم طلبات إحاطة رسمية، اتهموا فيها الوزارة بتبني نظام تقييم يُنهك الطلاب والمعلمين دون أن يُسهم في تحسين العملية التعليمية.
وفي ظل هذا الغضب المتصاعد، سارع مجلس الوزراء إلى ضبط السردية قبل انعقاد «منتدى مصر 2026» -الفعالية التي كلّف بها الرئيس عبد الفتاح السيسي في مطلع أكتوبر الجاري لاستعراض مسار التنمية الوطنية وإتاحة مساحة للحوار المؤسسي.
بعد إطلاق موقع إلكتروني لتسجيل الأسئلة والمخاوف لمناقشتها في المنتدى، أعلن مجلس الوزراء أن التعليم تصدّر جميع القضايا الأخرى بأكثر من 15 ألف استفسار من المواطنين، وهو ما يعكس حجم القلق العام بشأن الموضوع. لا نعرف حتى الآن ما هي هذه الاستفسارات، إذ لم تُنشر في أي مكان يمكن للجمهور الوصول إليه.
إذن ما الذي اختارت الحكومة الحديث عنه؟
تماشيًا مع أجندة «تنمية الإنسان» الرسمية للرئاسة، أعلن رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في وقت سابق من الشهر الجاري أن التعليم الأساسي سيكون محور الجلسة الافتتاحية الرئيسية للمنتدى تحت عنوان: «ماذا يتعلم أبناؤنا وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟».
بنى صنّاع القرار وخبراء السياسات المشاركون في المنتدى نقاشهم حول سياسات التعليم على سؤال جوهري: هل تُسهم المناهج الدراسية الحالية في إعداد الطلابَ بما يكفي لتلبية متطلبات سوق العمل في المستقبل؟
غير أنه، وبعد عرض فيديو حول «تحديات» التعليم، مضت فعاليات الإثنين الماضي إلى استعراض الوزير لمجموعة من الإنجازات، أشار فيها إلى تحسّن ضخم في معدلات الحضور بالمدارس، باعتباره أمرًا واقعًا يحوّل سياسة الحكومة من التركيز على «إتاحة التعليم إلى الاهتمام بجودة ما يتعلمه الطالب فعليًا»، وفقًا لما نصّ عليه أحد أهداف الجلسة.
بحث «مدى مصر» في مدى صحة الادعاء بأن معدلات الحضور المدرسي وإتاحة التعليم تحسنت بما يكفي للسماح بالتركيز على تحسين جودة التعليم، كما فحص ما تكشفه آخر الجهود الرامية لتغيير المناهج الدراسية عن خطط الحكومة في هذا الشأن.
تحدثنا إلى مسؤول ملف التعليم في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي رأى أن الزيادة في معدلات الحضور بالمدارس ترجع جزئيًا إلى الامتحانات الإلزامية المنتظمة -وهو ابتكار مثير للجدل لا تزال قيمته التعليمية محل خلاف.
كما وجدنا أن أهداف الحكومة الطموحة لتحسين التعلم عبر تقليل كثافة الفصول وإلغاء «الفترة المسائية» في المدارس، سيصعب تنفيذها دون تغييرات جذرية في تخطيطها لتوفير فصول جديدة وتوظيف المعلمين.
—
في كلمة ألقاها خلال المنتدى، الإثنين الماضي، استعرض وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، أرقامًا توضح التحسينات التي تحققت على مدار العقد الماضي فيما يتعلق بوصول الأطفال إلى المدارس الحكومية، التي يرتادها 80% من التلاميذ المصريين.
أشار عبد اللطيف إلى أن معدلات الحضور، التي كانت تقتصر على 15% في العام الدراسي 2023/2024، شهدت ارتفاعًا كبيرًا لتصل إلى 87% في العام الدراسي 2025/2026.
ويُعد هذا تحسنًا ضخمًا، أشاد به في مايو الماضي رئيس قطاع التعليم في منظمة «يونيسف» بمصر، شيراز شاكيرا، مُستشهدًا بدراسة جديدة حول الإصلاحات التعليمية في مصر بين 2024 و2026، وذلك خلال مؤتمر عُقد بالتعاون مع الحكومة.
أكد الوزير خلال المنتدى أن معدلات الحضور في تزايد، مشيرًا إلى ارتفاعها من 87% إلى 90% خلال العام الدراسي الحالي.
تبدو هذه الأرقام إيجابية، لكنها لا تخبرنا من هم الطلاب الذين ينتظمون بالحضور ولا عن أسباب ذلك. ألقى «مدى مصر» نظرة معمّقة في هذه الأرقام لمعرفة ما إذا كان هذا الارتفاع في معدلات الحضور يعكس تحسنًا في مختلف مراحل التعليم ما قبل الجامعي، في محاولة لفهم سبب هذا التغير، وما إذا كان يشكل أساسًا قويًا لإصلاحات المناهج الدراسية التي تعتزم الحكومة التركيز عليها.

تضمن الامتحانات الدورية حضور التلاميذ، لكن هل تُسهم في تحسين مستوى التعلم؟
لطالما شهدت المرحلتان الابتدائية والإعدادية معدلات حضور مرتفعة؛ ففي 2021، بلغت نسبة الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و11 عامًا، المداومين على الحضور بالمدارس 93%. ووفقًا لـ «المسح الصحي للأسرة المصرية» -الذي استندت إليه اليونيسف في تقرير صدر عام 2024- فإن نسبة الأطفال الذين لا يداومون على الحضور بالمدارس لم تتجاوز 3.4% في المرحلة الابتدائية، و3.6% في المرحلة الإعدادية.
أما في المرحلة الثانوية، فكانت معدلات الحضور دومًا أقل؛ إذ تشير الدراسة ذاتها لعام 2024 إلى أن نسبة الأطفال غير المداومين على الحضور بالمدارس في هذه الفئة العمرية تزيد بنحو أربعة أضعاف عن مثيلتها في المرحلة الابتدائية، إذ تصل إلى 12.2%، أي ما يعادل نحو 1.4 مليون طفل.
لكن بشكل عام، يتفق الباحث والمسؤول عن ملف التعليم في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد سيد، أن هناك تحسنًا ملحوظًا في معدلات الحضور بالمدارس الابتدائية والثانوية.
في حديثه لـ«مدى مصر»، أرجع الباحث تحسن الحضور، في جزء منه،ـ إلى الامتحانات الإلزامية التي تم تقديمها جنبًا إلى جنب مع برنامج البكالوريا المصرية الجديد الذي أُطلق هذا العام كبديل للثانوية العامة التقليدية.
من خلال هذا البرنامج، أدخلت وزارة التربية والتعليم تقييمات منتظمة ضمن متطلبات التخرّج من المرحلة الثانوية. ينص القرار الوزاري رقم 150 لعام 2026، المنشور في الجريدة الرسمية في 15 أكتوبر، على أنه يجب على طلاب البكالوريا المصرية الحصول على 60% على الأقل في التقييمات الأسبوعية والشهرية في كل مادة ليكونوا مؤهلين لدخول امتحانات التخرج في آخر عامين من الدراسة في المرحلة الثانوية.
أشار سيد إلى أن الامتحانات ربما ساهمت في زيادة معدلات الحضور في المدارس الثانوية، إلا أن دوريتها وإلزاميتها، وفقًا لشكاوى أولياء الأمور والمعلمين، تضع الأطفال والمعلمين على حد سواء تحت ضغوط غير مُبررة.
من جانبه، دافع عبد اللطيف، الإثنين الماضي، عن التقييمات الأسبوعية والواجبات والاختبارات الشهرية، بصفتها أدوات أساسية مُستخدمة دوليًا لمتابعة مدى استيعاب الطلاب، مُستشهدًا بتبنيها على نطاق عالمي في تبريره لانتهاج هذه السياسة.
ومع ذلك، واجه هذا النظام اعتراضات في الداخل، إذ يرى المنتقدون أنه لا يحقق تحسنًا في مُخرجات التعلم، بل يفرض أعباءً إضافية غير ضرورية على الطلاب والمعلمين. وفي الأيام التي سبقت انعقاد المنتدى، تقدمت نائبتان برلمانيتان بطلبي إحاطة منفصلين بشأن كثافة الامتحانات في المناهج الدراسية. وذكرت النائبة نشوى الشريف أنه ينبغي منح الطلاب وقتًا كافيًا لفهم دروسهم ومراجعتها دون التعرض لضغوط مستمرة تتعلق بالدرجات، بحسب ما نقلته عنها «الشروق». ومن جانبها، أشارت النائبة، أمل عصفور، إلى أن ربط الدرجات بالحضور، أو استخدام التقييمات كوسيلة لفرض الانضباط أو ممارسة الضغط على الأطفال، قد يؤثر سلبًا على علاقتهم بالمدرسة.
تتجه النُظم التعليمية الدولية الحديثة بشكل متزايد نحو تقليل الاعتماد على الاختبارات المُكثفة، مفضلةً تبني نهج يمنح المعلمين والطلاب مرونة أكبر للتركيز على التعلم العميق.
فعلى سبيل المثال، نظمت إحدى المدارس البارزة -ذات الطابع الدولي- في وسط القاهرة مؤخرًا لقاءً تعريفيًا بمناسبة بدء العام الدراسي، أكد فيه الفريق التربوي -وفقًا لمحضر الاجتماع الذي تم توزيعه على أولياء الأمور واطلع عليه «مدى مصر»- على تبني فلسفة تعليمية تقوم على تقليل عدد الاختبارات.
وفقًا لمحضر الاجتماع، تعتمد شهادة البكالوريا الفرنسية على دورات تعليمية تمتد لعدة سنوات بدلًا من التقيد بإطار سنوي صارم، وتعتمد على التقييم المستمر لمتابعة تقدم الطلاب عِوضًا عن اختبارات تضعهم تحت ضغوط كبيرة. وينصب التركيز التربوي هنا على المهارات، على خلاف النظام التقليدي الذي يركز على الحفظ والتلقين واستخدام أساليب تدريس موحدة للجميع. علاوة على ذلك، يرسخ هذا المسار الدولي مبدأ «الحق في ارتكاب الأخطاء»، ويشجع على تعزيز استقلالية الطالب تدريجيًا في ظل إشراف أقل مباشرةً، على نحو يتيح الانتقال بين سنة دراسية إلى أخرى دون الحاجة إلى اختبارات إلزامية في نهاية كل عام.

زيادة أعداد الحضور يتجاوز الطاقة الاستيعابية للفصول الدراسية
في ظل اعتماد تحسين الحضور المدرسي على إجراء امتحانات مكثفة، تواجه المدارس -التي كانت تعاني بالفعل من نقص في الفصول والمعلمين- الآن زيادة في أعداد التلاميذ، ما يفرض أعباءً إضافية على كاهل المعلمين.
تركيز الوزير على زيادة معدلات الحضور تجاهل العجز المزمن في أعداد الفصول والكوادر التعليمية. ذكر عبد اللطيف في المنتدى إضافة أكثر من 150 ألف فصل جديد خلال العشر سنوات الماضية، كما أعلن عن أرقام تُظهر تحسنًا في معدلات كثافة الفصول.
قال الوزير إن «بعض الكثافات في بعض الفصول كانت وصلت لـ 100 أو 150 وقرب الـ200»، مشيرًا إلى مناطق الخصوص والمرج والخانكة وغيرها كمثال على ذلك. وأكد أنه «النهاردة معندناش فصل إلا تحت 50 طالبًا»، مضيفًا: «وهننزل تحت الـ45 وتحت الـ40 في المرحلة القادمة إن شاء الله».
كيف تنوي الوزارة تحقيق هذا الطموح؟ ظل معدل بناء فصول جديدة أبطأ بكثير مما يلزم لتخفيض كثافة الفصول بشكل ملموس، وفق الأرقام التي توصل إليها «مدى مصر».
بحسب ما جاء في بيانات «كتاب الإحصاء السنوي» الصادر عن الوزارة، بلغ عدد الفصول الدراسية 435 ألفًا و308 فصول في المدارس الحكومية خلال العام الدراسي 2019/2020، وارتفع هذا العدد ليصل إلى 591 ألفًا و217 فصلًا في العام الدراسي 2024/2025.
بحسب حسابات «مدى مصر» المبنية على بيانات الوزارة عن تلك الفترة، جاءت الزيادة في عدد الفصول الحكومية على النحو التالي:
إضافة ستة آلاف و477 فصلًا في العام الدراسي 2020/2021
إضافة 16 ألفًا و115 فصلًا في العام الدراسي 2021/2022
إضافة خمسة آلاف و271 فصلًا في العام الدراسي 2022/2023
إضافة 777 فصلًا في العام الدراسي 2023/2024
إضافة 127 ألفًا و269 فصلًا في العام الدراسي 2024/2025
غير أن هذه الإضافات لا تمثل جميعها فصولًا بُنيت من الأساس. قال الوزير، الإثنين الماضي، إن 150 ألف فصل جديد أُضيف خلال العقد الماضي بتكلفة تجاوزت 200 مليار جنيه.
لكن المتحدث باسم الوزارة كان قد أوضح في الأشهر الأخيرة أن الفصول الـ98 ألفًا المضافة منذ تولي عبد اللطيف الوزارة جاءت من «استحداث» غرف قائمة في المدارس وتحويلها إلى فصول دراسية.
وهكذا يتبين أن خطة الوزير لاستيعاب أعداد أكبر من التلاميذ في عدد محدود من الفصول اعتمدت حتى الآن على إعادة توظيف الغرف الموجودة أو على تقسيم استخدام الفصل الواحد بين فترتين، الصباحية والمسائية.
غير أنه حاليًا إلى جانب الهدف الطموح بخفض كثافة الفصول إلى 40 -45 تلميذًا، أعلن الوزير، الإثنين الماضي، هدفًا كبيرًا آخر، وهو وقف العمل بالفترات المسائية في المدارس بحلول 2029.
فكيف ستخفض الحكومة كثافة الفصول وتنهي نظام الفترات المسائية في آن واحد، دون خطة لزيادة عدد الفصول المتاحة؟ فلم يعلن عبد اللطيف أي خطة إنفاق إضافية لإنشاء فصول جديدة تتواكب مع قرار إلغاء الفترة المسائية.
وإذا استبعدنا الفصول الـ98 ألفًا «المستحدثة» من أرقام الإضافات خلال السنوات الخمس الماضية، تُظهر الأرقام أن متوسط الزيادة في عدد الفصول لم يتجاوز نحو 11 ألفًا و581 فصلًا في السنة.
وبهذا المعدل السنوي لإضافات الفصول في المدارس الحكومية، وحتى ولو احتسبنا الفصول الـ98 ألفًا المعاد توظيفها كمنشآت جديدة، فسيستغرق سد العجز الذي حددّته الوزارة عام 2024 بنحو 250 ألف فصل، أكثر من عشر سنوات، وذلك لخفض كثافة الفصول بشكل ملموس، دون الحاجة إلى اعتماد نظام الفترات الدراسية المسائية في المدارس.

المعلمون لا يزالون في ذيل قائمة الأولويات
إلى جانب غياب خطة سياسات لزيادة عدد الفصول الدراسية، أغفل عبد اللطيف أيضًا توضيح الكيفية التي ستتعامل بها الحكومة مع النقص المٌلح في أعداد المعلمين.
يُعد المعلمون من أبرز ضحايا عزوف وزارة التربية والتعليم عن الإنفاق على تنفيذ سياساتها. وفي ظل القيود الصارمة المفروضة على التوظيف في القطاع العام، أقرت الوزارة بوجود عجز كبير في أعداد المعلمين. وأقرّ عبد اللطيف خلال المؤتمر باستمرار هذا العجز، مشيرًا إلى أن نظام التعليم العام يواجه عجزًا يُقدر بأكثر من 469 ألف معلم، في حين يبلغ قوام الكادر التعليمي الحالي 832 ألف معلم.
لا يزال التوظيف يقتصر على حوالي 30 ألف معلم سنويًا على أساس «مسابقات» سنوية تستبعد المتقدمين بناءً على معايير تشمل اللياقة البدنية والوزن، كما وثق «مدى مصر» في 2022.
قالت إحدى المتقدمات حينها إن المعلمات في المسابقة «اجتزن كل الاختبارات المتعلقة بالتخصص الأكاديمي والتربوي، والثقافة العامة، واستخدام الحاسب الآلي وإجادة الإنجليزية» لكنهن فشلن في الاختبارات البدنية التي استضافتها الأكاديمية العسكرية حيث تم تسجيل أطوالهن وأوزانهن، وطُلب منهن القيام بتمارين الضغط والبطن والجري.
بعد تنافس شديد من أجل الحصول على وظيفة، وإحباط بسبب التمييز على أساس الوزن، احتج مئات المعلمين على قرارات التعيين من الوزارة التي قامت على أساس نتائج المسابقة، وأسفرت عن استبعاد نحو نصف العدد المخطط له.
تهدف مسابقات توظيف أخرى، أُطلقت العام الماضي، إلى تقديم عقود «معلم مساعد» لمن يعملون بنظام الحصة. تم الإعلان عن 11 ألفًا و693 وظيفةً في العام الماضي، إلى جانب مبادرة جديدة هذا العام.
لكن إذا ظل عدد المعلمين الذين يتم توظيفهم سنويًا عند مستوى 40 ألف تقريبًا -ما بين عقود معلمي الحصة ومسابقات التعيين حال تعيين العدد كاملًا- فسوف تحتاج الحكومة إلى 11 عامًا لسد العجز في أعداد المعلمين البالغ 469 ألف معلم -الرقم الذي أشار إليه عبد اللطيف، الإثنين الماضي.
