يمكن للصواريخ أن تلحق أضراراً بالمطارات، وتعطل المنشآت النفطية، وتثير الذعر بين المدنيين. لكنها لا تستطيع، بمفردها، إخضاع دولة تتمتع بالقدرة على الصمود. ومع ذلك، يبدو أن كثيراً من التعليقات والتحليلات بشأن الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية تخلط بين تعرض المملكة لمخاطر الحرب غير المتكافئة وبين وجود ضعف جوهري في الدولة السعودية. وهذان أمران مختلفان تماماً.
تواجه السعودية تحدياً أمنياً خطيراً. فقد أظهرت جماعة الحوثي قدرة مثيرة للقلق على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد البنية التحتية المدنية والاقتصادية. وتسببت هجماتها في خسائر مأساوية في الأرواح، وكشفت عن ثغرات في الدفاعات الجوية السعودية، وعطلت الأنشطة التجارية. ولا ينبغي التقليل من خطورة أي من ذلك. لكن هذه الوقائع يجب ألا تحجب حقيقة أوسع، وهي أن السعودية واجهت تحديات هائلة على مدى القرن الماضي، وخرجت منها جميعاً أكثر قوة.
في ستينيات القرن الماضي، سعت مصر بقيادة جمال عبدالناصر، عندما كانت في ذروة قوتها الإقليمية وشعبيتها، إلى إسقاط النظام الملكي السعودي، فنشرت عشرات الآلاف من الجنود في اليمن المجاور، ودعمت الحركات الثورية في أنحاء شبه الجزيرة العربية. لكن المملكة صمدت. وفي عام 1979، واجهت في الوقت نفسه حادثة الاستيلاء على المسجد الحرام في مكة المكرمة والطموحات الثورية للنظام الإيراني الجديد. وتجاوزت هذين التحديين أيضاً. ثم جاء غزو صدام حسين للكويت عام 1990، ليضع جيشاً عراقياً ضخماً على أعتاب المملكة. وبعد عقد من الزمن، شنت تنظيمات القاعدة حملة إرهابية مدمرة داخل السعودية، استهدفت المدنيين والأجانب والدولة السعودية نفسها. وتمكنت المملكة من سحق تلك الحملة.
لم تكن هذه مجرد اضطرابات محدودة؛ فقد مثّل كل منها تحدياً خطيراً لأمن السعودية أو استقرارها. ومع ذلك، استطاعت المملكة الصمود لأنها امتلكت ما كثيراً ما يقلل المراقبون الخارجيون من أهميته: الاستمرارية المؤسسية، والموارد الكبيرة، والتماسك السياسي، والقدرة الاستثنائية على التكيف عندما تفرض الظروف ذلك.
ويجب فهم المواجهة الحالية مع الحوثيين في سياق هذه التجربة التاريخية.
يجيد الحوثيون خوض الحروب غير المتكافئة بدرجة كبيرة. فقد طوروا قدرات متقدمة، بدعم من التكنولوجيا والخبرات الإيرانية، تتيح لهم إلحاق أضرار غير متناسبة مع التكلفة المنخفضة نسبياً لهجماتهم. ومن الصعب للغاية الدفاع عن دولة شاسعة المساحة، تنتشر بنيتها التحتية على نطاق جغرافي واسع، في مواجهة منصات إطلاق صواريخ متحركة وطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة.
لقد واجهت الولايات المتحدة نفسها صعوبات لسنوات في التصدي لحركات التمرد في العراق وأفغانستان، رغم تفوقها العسكري الساحق. وحتى إسرائيل، التي تمتلك أكثر منظومات الدفاع الصاروخي شمولاً على وجه الأرض، وتتميز بمساحة جغرافية صغيرة للغاية مقارنة بالسعودية، احتاجت إلى مساعدة أمريكية واسعة للدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية. ومع ذلك، تمكنت بعض الصواريخ من اختراق دفاعاتها والتسبب في أضرار جسيمة.
وتعمل القوات المسلحة السعودية على تكييف قدراتها العسكرية التقليدية للتعامل مع هذه التهديدات غير التقليدية. وقد أثبتت المملكة قدرتها على تحقيق مستويات عالمية من الأداء في إدارة شركة أرامكو السعودية، رغم الاضطرابات العديدة التي تعرضت لها عمليات الإنتاج والتوزيع، وكذلك في تنظيم العملية اللوجستية الهائلة المرتبطة بموسم الحج السنوي. وأصبح نقل معايير مماثلة من التميز التشغيلي والابتكار إلى قواتها المسلحة أولوية ملحة.
لكن أوجه القصور العملياتية لا تعني أن الدولة هشة. كما أن القدرة على اختراق منظومة دفاع جوي لا تثبت القدرة على هزيمة الدولة التي تحميها تلك المنظومة.
تمتلك السعودية أيضاً مزايا اقتصادية هائلة غالباً ما يجري تجاهلها بسهولة. فهي لا تزال واحدة من أكبر منتجي الطاقة في العالم، وتتمتع بموارد مالية ضخمة وعلاقات تجارية عالمية قوية وراسخة. وتشمل بنيتها التحتية النفطية خطوط أنابيب ومرافق تصدير صُممت لتوفير بدائل عندما تتعرض المسارات التقليدية للتهديد. وقد أقر صندوق النقد الدولي بقدرة الاقتصاد السعودي على الصمود في وقت سابق من هذا العام، رغم اعترافه بالآثار الضارة للحرب الإقليمية.
ومن المؤكد أن رؤية 2030 ستواجه تأخيرات وتعديلات مع تغير الظروف الأمنية. فالسياحة والاستثمار الأجنبي يتأثران بصورة خاصة بحالات عدم الاستقرار. لكن التحول الاقتصادي السعودي ليس تجربة هشة يمكن أن تنهار بمجرد تأجيل مشروع أو توخي أحد المستثمرين الحذر. وتشمل أسس هذا التحول اقتصاداً غير نفطي آخذاً في النمو، وقطاعاً خاصاً يتوسع، وسكاناً يتمتعون بمستويات تعليمية أفضل، واندماجاً سريعاً للمرأة في سوق العمل. ولن تختفي هذه التحولات الهيكلية الأساسية لمجرد وقوع أزمة عسكرية.
ولا ينبغي كذلك إساءة تفسير سعي المملكة إلى التعاون العسكري الدولي. فقد أمضت السعودية عقوداً في بناء شبكة واسعة من الشراكات، بدأت بالولايات المتحدة وامتدت إلى أوروبا وآسيا والعالم الإسلامي الأوسع. وطلب المساعدة من الحلفاء، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي عن دولة شاسعة المساحة تضم آلاف الأهداف المحتملة، هو تحديداً الغرض الذي أُنشئت من أجله التحالفات. فحتى أقوى دول العالم تعتمد بصورة منتظمة على التحالفات عندما تواجه تهديدات أمنية معقدة.
وفي المقابل، يمتلك الحوثيون قاعدة اقتصادية أضيق بكثير، وعلاقات دولية أقل عدداً بكثير. وبإمكانهم التسبب في آلام هائلة، لكن الحفاظ على اقتصاد حديث، وتوفير الفرص لملايين السكان، وتحقيق الرخاء على المدى الطويل، كلها تحديات لا تستطيع الصواريخ حلها. ويشير المراقبون إلى قدرة الحوثيين على تحمل المعاناة، واستعدادهم للسماح للسكان الخاضعين لسيطرتهم بتحملها أيضاً، لكن حتى هذه القدرة لا يمكن أن تكون بلا حدود. ففي نهاية المطاف، يحتاجون إلى الطاقة والموارد اللازمة لإطعام عشرات الملايين من السكان ورعايتهم، فضلاً عن تلبية احتياجات آلتهم العسكرية، وهي قدرة تتعرض الآن لضغوط كبيرة.
وهناك أيضاً ميل إلى تصوير الصراع باعتباره خياراً بين التدمير العسكري الكامل للحوثيين وبين هزيمة سعودية غير مقبولة. لكن هذه ثنائية زائفة.
فالسعودية ليست بحاجة إلى السيطرة على كل جبل في شمال اليمن أو احتلال صنعاء لحماية مصالحها الأساسية. وسيكون هدفها الأسمى ضمان ألا يظل اليمن منصة دائمة لشن الهجمات على الأراضي السعودية والتجارة الإقليمية. ويتطلب تحقيق ذلك ممارسة الضغط العسكري، وتحسين القدرات الدفاعية، والاستعداد لاستكشاف ترتيبات سياسية عندما تتوافر الظروف التي تجعلها قابلة للتصديق والتنفيذ.
وتمتلك المملكة الموارد والتحالفات والقدرة المؤسسية على الصمود التي تمكنها من متابعة تحقيق هذا الهدف على المدى الطويل. وينبغي لخصومها ألا يفسروا تفضيلها السلام والتنمية الاقتصادية على أنه عجز عن خوض مواجهة طويلة الأمد.
ولا يعني أي من ذلك أن السعودية تستطيع تحمل التراخي أو الاطمئنان المفرط. فكل هجوم ناجح يفرض مراجعة لما أخفق، وما ينبغي تحسينه. وتمثل حماية المدنيين، واستعادة الثقة، وتعزيز الفاعلية العسكرية مسؤوليات عاجلة. ولا ينبغي استخدام القدرة على الصمود ذريعة للتهرب من اتخاذ القرارات الصعبة؛ بل إنها تحديداً ما يمنح الدولة القدرة على اتخاذ تلك القرارات.
لقد أثبت الحوثيون أنهم قادرون على إلحاق الأذى بالسعودية، لكنهم لا يستطيعون كسرها. وهم مكروهون بشدة في أنحاء المملكة، ولدى شريحة كبيرة من سكان اليمن. ولا ينبغي الخلط بين قدرتهم على إلحاق الضرر وبين تمتعهم بجاذبية سياسية؛ إذ لا يمتلكون قاعدة تأييد شعبية داخل السعودية.
وعلى مدى أكثر من قرن، دأبت التوقعات التي تحدثت عن هشاشة السعودية على التقليل من قدرة المملكة على الصمود والتكيف والخروج من المحن. وتمثل الأزمة الحالية اختباراً خطيراً آخر، لكن لا توجد أسباب قوية تدعو إلى افتراض أنها ستضعف أسس دولة نجحت في تجاوز كثير من التحديات السابقة.
إن أعظم ميزة استراتيجية تمتلكها السعودية ليست طائراتها أو صواريخها أو احتياطياتها المالية، بل قدرتها على الصمود والاستمرار.
علي الشهابي كاتب ومعلق متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية السعودية.
المصدر: عرب نيوز (Arab News)، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
العنوان الأصلي: The Houthis can hurt Saudi Arabia but they cannot break it.
The post الحوثيون قادرون على إلحاق الأذى بالسعودية .. لكنهم لا يستطيعون كسرها appeared first on يمن مونيتور.
