في أول تعليق رسمي منذ قصف منجم قرب الحدود السودانية المصرية، السبت الماضي، وما أسفر عنه من مقتل العشرات من المعدّنين، أصدر مجلس السيادة الانتقالي في السودان بيانًا، اليوم، ترحّم فيه على أرواح «المواطنين السودانيين الذين قضوا في الحادث الأليم الذي تعرّض له عدد من المعدنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين السودان وجمهورية مصر العربية».
دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن توقيت وفاتهم وكيفيتها ومكانها، أعلن المجلس، وهو السلطة التنفيذية التي تحكم السودان منذ 2019، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، للتحقيق في ملابسات الحادث.
وأكد المجلس أن «القيادة في البلدين الشقيقين»، في إشارة إلى مصر، ظلت «على تواصل فور وقوع الحادث بما يضمن حماية الأرواح والحفاظ على علاقة الشعبين الشقيقين ومعرفة ملابسات الحادث وتمليك الحقائق للرأي العام».
وفي مساء اليوم، أصدر المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية بيانًا أعلن فيه «تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية، وذلك بعد إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية لفرض كامل السيادة داخل حدود الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية»، كما شدّد بالمثل على «عمق الروابط التي تجمع الأمتين المصرية والسودانية».
منذ وقوع الحادث، السبت الماضي، تحدث «مدى مصر» إلى معدّنين ومسعفين ومسؤولين أمنيين وتجار في مخيم التعدين -الذي وصفوه بأنه يقع داخل الحدود الشمالية لمثلث حلايب وشلاتين مباشرة- في محاولة لفهم ما جرى.
عبد الباقي نور الدين، عامل وردية في مناجم جبل العقيدات، كان داخل موقع العمل عندما سمع صوت طائرات حربية تحلّق على ارتفاع منخفض صباح السبت.
ثم بدأ قصف الموقع، وأصابت صواريخ مواقع الحفر ومناطق معالجة الخام ومخيم العمال، ما أحدث حالة من الهلع والتدافع بين المعدّنين الموجودين في الموقع، حسبما قال لـ«مدى مصر».
وأيّدت رواية نور الدين إفادات ثلاثة شهود عيان آخرين، هم الطاهر محمد أحمد، فنّي مولدات يعمل في المنطقة، والحاج إدريس يعقوب، وهو تاجر يعمل في جلب المياه والطعام للمعدّنين من سوق الأنصاري في محلية الرتج السودانية جنوبي حلايب، وعثمان القاسم، مشرف موقع وصاحب بئر حفر. ووصف الثلاثة موجات «متتالية» من الضربات جعلت من الصعب على العمال الاحتماء من الضربات.
وبينما فر العديد من العمال ذعرًا، ما تسبب في حالة التدافع، وفقًا لنور الدين، هرع آخرون نحو الأنفاق لإنقاذ المصابين. وكان من بينهم التاجر يعقوب.
عند اقترابه من موقع الانفجارات، رأى يعقوب آلات تمسك بها النيران وأشخاصًا بين الأنقاض، بعضهم قتلى وآخرين يحتاجون إلى الإسعاف، حسبما قال لـ«مدى مصر».
قال أحمد، فنّي المولدات، إن انقطاع التيار داخل الأنفاق بعد الانفجارات صعّب التحرك لإسعاف المصابين، كما عطّل نقل الجثامين إلى مناطق أعلى.
بحسب القاسم، وقع الهجوم دون إنذار سابق، ما حرم العاملين من الوقت اللازم لمغادرة مواقع العمل قبل سقوط الصواريخ.
في حين نُفذت في الأشهر الأخيرة حملات متكررة لدفع المعدّنين إلى مغادرة المنطقة، التي يعمل فيها معدنون من السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد، أكدت جميع المصادر التي تحدثت إلى «مدى مصر» أن حجم الغارة هذه المرة يتجاوز بكثير أي شيء سبق أن وقع.
تظل الحصيلة النهائية للقتلى والجرحى غير محسومة، وأشار معدّنون في المنطقة إلى أن أعدادًا من العاملين غادروا مواقعهم نحو الجبال بعد القصف، ويزيد تفرق العمال في مواقع متباعدة من صعوبة حصر المفقودين والتحقق من عدد الأشخاص الذين بقوا في نطاق الاستهداف.
غير أن الفاضل الرفاعي، مُسعف شارك في عمليات حصر الضحايا وتجهيز جثامينهم للدفن في المنجم، قدّر عدد القتلى بأكثر من 100 شخص، مضيفًا أن تقديرات أولية تضع عدد الجرحى بين 95 و115 مصابًا.
أوضح الرفاعي لـ«مدى مصر» أن أغلب الجثامين التي عُثر عليها كانت مشوهة بفعل القصف، الأمر الذي حال دون التعرف على بعض الضحايا من ملامحهم، واضطر المشاركون في عمليات الحصر إلى الاستعانة بما عُثر عليه من متعلقات شخصية، بينها الهواتف والبطاقات وبعض قطع الملابس، للمساعدة في تحديد هوياتهم وتوثيق أسمائهم. وأضاف أن المتطوعين من العمال والمعدّنين شاركوا في تجهيز الجثامين وإعداد موضع للدفن في أطراف المنطقة المجاورة للمنجم، وتسجيل أسماء الضحايا وتفاصيل مواضع الدفن وشواهد القبور، بهدف الحفاظ على هوياتهم ومنع فقدان المعلومات المتعلقة بهم.
بحسب الرفاعي، جرت عمليات الحصر والدفن وسط حالة من الحزن والصدمة بين العمال في وقت تتواصل فيه متابعة أعداد المصابين مع وصول مزيد من الحالات في نقاط تجميع في محيط المنجم لتلقيها الرعاية الطبية. وتظل الحصيلة قابلة للزيادة مع استمرار أعمال الحصر والتحقق من هويات الضحايا، وتحديد مصير العاملين الذين كانوا داخل مواقع الاستخراج وقت الغارة، وفقًا له.
في أعقاب الهجوم، حاول المعدّنون نقل المصابين إلى أقرب مرافق طبية قادرة على علاجهم، وهو ما استلزم رحلة تستغرق بالسيارة سبع ساعات عبر الحدود إلى سوق الأنصاري للتعدين.
كان آدم إسماعيل، سائق سيارة نقل حجر «لوري»، من بين من قدّم المساعدة، وقال لـ«مدى مصر» إنه نقل حوالي 40 مصابًا من موقع المنجم فور وقوع الغارات، وشملت إصابات المنقولين حالات بتر في الأطراف وجروحًا ناجمة عن الشظايا.
نور الدين قال لـ«مدى مصر» إنه قاد بعض المصابين إلى سوق الأنصاري داخل السودان، عبر مسالك صحراوية وتضاريس جبلية تتخللها أودية ومواقع تعدين، وهي طرق تستخدمها الشاحنات والمركبات في تنقلها بين مواقع التعدين والأسواق.
وقال مصدر طبي على الجانب السوداني من الحدود ويتابع استقبال المصابين جراء الغارة في سوق الأنصاري لـ«مدى مصر» إن عدد الإصابات التي حصرها الطاقم الطبي في المنطقة حتى عصر أمس بلغ 96 حالة، بينها إصابات خطيرة استدعت نقل عدد من المصابين إلى مرافق صحية في أبو حمد وعطبرة في ولاية نهر النيل وأوسيف في ولاية البحر الأحمر، تبعًا لخطورة الحالة والإمكانات المتاحة لتقديم الرعاية الطبية. وأضاف المصدر أن بعض المصابين يحتاجون إلى نقل دم بصورة عاجلة، في ظل النزيف الحاد والإصابات الناجمة عن الشظايا والمقذوفات، بينما واجهت عمليات الإسعاف صعوبات مرتبطة ببعد الموقع وحجم الإصابات وتعدد الحالات التي استدعت التدخل الفوري.
وأوضح المصدر أن بعض المصابين فارقوا الحياة في أثناء نقلهم لتلقي الإسعافات الأولية، متأثرين بإصاباتهم الخطيرة.
ولا يزال الحصر الطبي مرتبطًا بوصول الحالات وتحديث سجلات المصابين والوفيات، مع استمرار نقل الحالات الحرجة إلى المرافق الصحية في المدن القريبة، وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين الذين أمكن الوصول إليهم في موقع الحادث، بحسب المصدر الطبي.
وأفاد مصدر أمني سوداني لـ«مدى مصر» أن التقييم الأولي يشير إلى تنفيذ ضربة جوية بواسطة طيران حربي على موقع المنجم ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية للتعدين والآليات الموجودة في الموقع.
لم تكن تلك المرة الأولى التي استهدفت فيها المنطقة. ففي يونيو الماضي، استهدفت طائرات حربية منجمي جبل العقيدات والجبل الأحمر المجاور في الأراضي المصرية، وأعقبها انتشار عسكري بري وإغلاق مواقع للتعدين، وفقًا لشهود عيان، فيما أفاد مصدر طبي سوداني حينها بمقتل 23 شخصًا جراء الضربات.
على مدار سنوات، استقطب منجما جبل العقيدات والجبل الأحمر آلاف المنقّبين والتجار والعمال السودانيين والمصريين، وهما جزء من منطقة حدودية أوسع تنطلق فيها عمليات التعدين وحركة العمال والنفوذ الاقتصادي من داخل السودان، قبل أن تمتد شمالًا إلى داخل الأراضي المصرية لمسافة تتراوح بين 50 و70 كيلومترًا.
في السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة طفرة في التنقيب الأهلي عن الذهب، ويظهر ذلك بوضوح في محلية رتج السودانية، التي تحولت إلى مركز تجاري ضخم بفعل تجارة الذهب التي تمر عبر المنطقة.
غير أن المنطقة تعاني كذلك من نقص في البنية التحتية والإمدادات الطبية والتواجد الأمني، ما فتح المجال أمام تنافس بين المجموعات القبلية الساعية إلى السيطرة على طرق الوصول إلى المناجم ومسارات التجارة والأسواق المرتبطة بها، وهو الأمر الذي يدفع السلطات السودانية في بعض الأحيان إلى التدخل لتهدئة التوترات.
في حين عملت الدولة المصرية على تقنين سيطرتها على نشاط التعدين غير الرسمي الذي توسع بصورة لافتة في أعقاب ثورة يناير 2011 في المناطق الصحراوية المحيطة بأسوان عبر تنفيذ مداهمات أمنية متكررة على مناجم التعدين الأهلي، إلا أنها أشارت كذلك إلى ضعف الوجود الأمني على الحدود بوصفه قضية تمس الأمن القومي.
غير أن بالنسبة إلى نور الدين، فلم يكن هناك أي مبرر أمني لضربات السبت الماضي.
«الموقع لم يكن يحتوي على أي مظاهر أو أهداف عسكرية، وما جرى هو قصف مباشر لعمال مدنيين يبحثون عن رزقهم»، بحسب نور الدين.
The post مقتل العشرات في قصف منجم قرب الحدود المصرية السودانية.. الخرطوم تفتح تحقيقًا ومصر تعلن تنفيذ حملة جديدة first appeared on Mada Masr.
