جمعت ندوة مفتوحة عقدتها لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، السبت الماضي، نوابًا حاليين وسابقين وحقوقيين وممثلين عن النقابة، لمناقشة سبل عملية لوقف حبس الصحفيين في قضايا النشر.
وأشار المشاركون إلى أنه، على الرغم من وجود ضمانات دستورية صريحة تمنع هذه الممارسات، تغيب الآليات التي تشجع على تنفيذ هذا المبدأ الدستوري، وهو ما دفع إلى صياغة مشروع قانون يمنع الحبس في جرائم النشر قبل أكثر من عقد.
وفي محاولة لإحياء المشروع، قال النائب البرلماني عن حزب التجمع، عاطف مغاوري، لـ«مدى مصر» إنه بدأ جمع توقيعات النواب دعمًا لمشروع القانون، وإنه يسعى لاستكمال هذه الجهود خلال الأسابيع المقبلة، تمهيدًا لتقديمه أمام الجلسة العامة للبرلمان في نهاية المطاف.
جاءت الندوة بعد القبض على ستة صحفيين من منصة «متصدقش» الإخبارية المستقلة لتقصّي الحقائق، مطلع الشهر الجاري، ليرتفع بذلك عدد الصحفيين المحتجزين على خلفية عملهم إلى 26 صحفيًا، ولا يزال الستة قيد الاحتجاز.
سلّط عدد من المتحدثين خلال الندوة الضوء على الخطر الذي يواجه الصحفيين والمواطنين على حد سواء، في ظل اتساع الأسس القانونية للقبض على الصحفيين خلال السنوات الأخيرة.
وكان من بين هؤلاء والد أشرف عمر، رسام الكاريكاتير والكاتب والمترجم، الذي تحدث عن حبس ابنه منذ 2024 بسبب ما قام به في إطار عمله كصحفي وتعبيره عن رأيه، موضحًا أن ابنه، الذي ظل محبوسًا احتياطيًا قرابة عامين حتى الآن، يُحاكم حاليًا بتهمة الإرهاب. وتأجلت جلسة محاكمة عمر هذا الأسبوع إلى ديسمبر المُقبل.
وتُعدّ قضية عمر مثالًا نموذجيًا على ما يتعرض له الصحفيون الذين تتم ملاحقتهم بسبب عملهم، بحسب المحامي نبيه جنادي، الذي سبق أن تولى الدفاع عن عدد من الصحفيين، إذ قال خلال الندوة إنه في معظم قضايا النشر، لا يُوجَّه إلى الصحفي اتهام بجريمة متعلقة بمادة صحفية محددة نشرها، بل يُستند في الغالب إلى عدد من القوانين والتشريعات المختلفة التي تؤدي في نهاية المطاف إلى حبس الصحفي.
وكيل نقابة الصحفيين، محمد سعد عبد الحفيظ، قال إن «ترسانة التشريعات» التي تحاصر الصحفيين والصحافة اتسعت في السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى صدور قانوني مكافحة الإرهاب والجريمة الإلكترونية منذ 2015، وكلاهما استُخدم في مناسبات عدة أساسًا للملاحقة والحبس بسبب النشر.
وأضاف مدير وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عمرو عبد الرحمن، إلى ذلك قانون تنظيم الاتصالات، الذي يتضمن مادة تتعلق بإساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي، فيما أشارت مقررة لجنة الحريات في النقابة، إيمان عوف، إلى المادة 12 من القانون 180 لسنة 2018 لتنظيم الصحافة والإعلام، التي تفرض على الصحفيين الحصول على تصريح أمني مسبق للتغطية والتصوير في الأماكن العامة.
وقالت عوف إن الصحفيين هم الوحيدون الذين يخضعون لقانون يمنعهم من التصوير في الأماكن العامة، مستشهدة بالدعوى القضائية التي أقامتها شركة الصرف الصحي بمحافظة قنا ضد إحدى الصحفيات بعد تصويرها مشكلة في الصرف في أحد شوارع المحافظة، ورأت أن ذلك نتيجة «التوسع في فهم الأمن القومي»، إذ تقع معظم الإجراءات المتخذة ضد الصحفيين تحت مظلة الحفاظ على الأمن القومي، حتى وإن لم يكن هناك ما يمسّه فعليًا.
بحسب عبد الرحمن، تتناقض المقاربة الحالية في التعامل مع الصحفيين تمامًا مع النية الطيبة التي وُضعت على أساسها المادة 71 من دستور 2014، وهي مادة جاءت لحماية الصحفيين أثناء ممارسة مهنتهم، وتحظر صراحة توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين.
غير أن عبد الرحمن شدد على أن القانون ليس نصًا فقط بل تطبيق أيضًا، وأن قضايا النشر معركة الجميع وليست معركة الصحفيين فقط، وهو ما رددّه عدد من الحاضرين، مؤكدين أن إضعاف العمل الصحفي ينتقص من حق المواطنين في المعرفة، ومن قدرة السياسيين أنفسهم على الوصول إلى المعلومات.
وفي هذا السياق، تحدثت النائبة السابقة عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، سميرة الجزار، عن صعوبة عمل النواب في ظل شُح المعلومات المتاحة، حتى في ما يتعلق بتشريعات أساسية تقع على عاتقهم، مشيرة تحديدًا إلى القانون الذي يلغي نظام الإيجار القديم وقانون لجوء الأجانب الجديد، اللذين أُقرّا أثناء عضويتها في المجلس.
وترى المحامية أسماء نعيم، التي كانت من بين عدة محامين دافعوا عن الطبيبة أمنية سويدان، المحكوم عليها بسبب منشور على فيسبوك تحدثت فيه عن العنف التي تتعرض له السيدات في أقسام النساء والتوليد، أن ملاحقة السلطات للصحفيين تحمل تبعات بعيدة المدى على المهنة، وأن الصحفيين يجب أن يُحموا من الحبس كي يتمكنوا من أداء عملهم، فإذا أخطأ الصحفي يُصحح له، وإذا كان ما ينشره صحيحًا فهو يقوم بدوره الصحفي.
سعيًا لتقديم حماية فعلية وملموسة للصحفيين، بدأت النقابة في 2014 صياغة قانون يمنع الحبس في قضايا النشر، وفقًا لما قاله نقيب الصحفيين خالد البلشي، الذي شارك في الندوة بمداخلة هاتفية. ورغم عدم اتخاذ أي خطوات لإصدار القانون حينها، فقد أعادت لجنة وضع التشريعات الإعلامية بالنقابة إحياءه في 2024.
رأى عدد من الحاضرين أن تفعيل خطوات تتيح غطاءً قانونيًا أفضل قد يدعم مناخًا أكثر ملاءمة لممارسة الصحافة، إذ أشار البلشي إلى مبادرة النائبة بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، مها عبد الناصر، بشأن قانون حرية تداول المعلومات، فيما دعا مغاوري إلى تفعيل القيود على الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي تأجّل العمل به الآن إلى أكتوبر 2027.
وقال مغاوري، الذي تعهد خلال الندوة بحشد الدعم لمشروع القانون، لـ«مدى مصر»، اليوم، إنه جمع خلال الجلسة العامة لمجلس النواب، أمس، 75% من التوقيعات الـ60 المطلوبة لتقديم مشروع قانون إلى البرلمان، دون أن يحدد العدد الدقيق للموقعين حتى الآن، وأضاف أنه سيستأنف حملته لحشد التأييد خلال الأسابيع المقبلة، مع استئناف الجلسات العامة في نوفمبر المقبل.
وأقرّ البلشي، في حديثه خلال الندوة، بحدود هذه الخطوة التشريعية، موضحًا أن الحبس قد لا يتوقف فور صدور قانون بحظره في قضايا النشر، لكن المبدأ، كما قال، أن تشريعًا كهذا سيكون أداة حيوية للمناصرة والتقاضي دفاعًا عن الصحفيين المحتاجين إلى الحماية.
The post من قوانين تلاحق الصحفيين إلى تشريعات تحميهم؟ تحرك نقابي وبرلماني لوقف الحبس في قضايا النشر first appeared on Mada Masr.