يتمنعن وهن راغبات، مقولة منسوبة إلى الإمام علي لا يوجد عليها سند تاريخي، وذاعت في أواخر الخمسينيات على لسان عبد الفتاح القصري في فيلم «ابن حميدو». المقولة التي تحولت إلى إفيه سينمائي حول الرغبة الأنثوية في نظر الرجال، والتي تتسرب إلى نظرة النساء لأنفسهن، اختارته السينمائية والكاتبة والفنانة سلمى الطرزي ليكون عنوانًا لكتابها، الصادر عن دار ديوان العام الماضي، والذي يفكك طريقة صناعة السينما والمجتمع والنظام الأبوي لوعينا عن الرغبة والفانتازيا. يقع الكتاب في 16 فصلًا وخاتمة، وهو نتاج رحلة بحث وتقص استغرقت ست سنوات من المشاهدة والتحليل واللعب والرسم.
لا يقدم الكتاب إجابات جاهزة ولا يضع أحكامًا أو يدين أحدًا، فقط يتتبع التحولات التاريخية والمجتمعية وفقًا لأمزجة الحكم المتعاقب، ويمزج بين الطرح الفلسفي النسوي وأرشيف الذاكرة البصرية من سينما الخمسينيات مرورًا بالسبعينيات والثمانينيات، وصولًا إلى الألفينيات، مرحلة السينما النظيفة.
تتساءل الطرزي في مفارقات ثقافية وجدلية كيف أدى التضييق الرقابي على القبلات إلى إفساح المجال لمشاهد الاغتصاب، لتغدو أقل فداحة في ذهن الرقيب المحافظ وقبله المجتمع؟ وتقدم المرأة مفعولًا بها لا صاحبة رغبة، وكيف تفرد السينما مساحة للمغتصب، ليبكي ويندم مبررًا فعلته، لأنه يحب الضحية، فيما تُعرض الضحية في أبهى صورها، ويتحول بذلك العنف إلى إثارة؟ وكيف يُعاد إنتاج الخطاب البطريركي حتى على أيدي النساء المشاركات في صناعة السينما، وكيف تثور ثائرة الجمهور والرقابة أمام نماذج مثل «عطية» في فيلم «الأفوكاتو» لأنها أبدت رغبة، وصولًا إلى قراءة مذكرات اعتدال ممتاز، أول رئيسة للرقابة المصرية، وربط التضييق والمنع بتحولات المجتمع.
السينما وهندسة الرغبة في البدء
يبدأ الكتاب بفصل «في البدء كانت القبلة»، وحبيب متخيل يدعى عمرو، كان رفيق المراهقة تختبر معه الحكايات الجنسية، التي كانت ترويها صديقتها لها، بعد أن عثرت على شريط إباحي في مكتبة عائلتها. كانت تصورات الفتاتين أن المتعة صنو الألم، كما شاهدنا في الأفلام، فالبطل يبوس البطلة، التي «تتألم تتألم تتألم» بعد أن قالت له: «لا لا لا ميصحش يا اسمك إيه عيب أختشي».
تطرح الطرزي سؤالًا، يتكرر في عدة مواضع من الكتاب: «لماذا يثيرنا ما يثيرنا؟» ليغدو هذا السؤال المدخل كل مرة ترصد فيها الكاتبة وتحلل المشاهد السينمائية، سواء بالتداعي الشخصي أو الرسوم التفاعلية، لمحاولة فهم هل تفضيلاتنا الجنسية هي أمر متأصل فينا أم مصنوعة اجتماعيًا وثقافيًا تحت ما يسمى «الذوق» مثل أشياء كثيرة؟ وكيف نتصالح مع ذاتنا بعد أن تظل الأشياء نفسها التي تثيرنا تثيرنا بعد اكتشاف إشكاليتها؟ كل هذا في مرآة السينما التجارية ومظاهر التطبيع مع العنف الجنسي وتشكل مفاهيم الذكورة والأنوثة.
الصدمة طريق للبحث والجسد كمقياس معرفي
«أعلم اليوم أن الاغتصاب لا يضفي على وجوه النساء أي جمال أو جاذبية، وأنهن لا يرقصن بساقهن الطويلة برشاقة راقصات الباليه للإفلات من مغتصبيهن. أعلم أيضًا أنهن لا يتأوهن تأوهات حارة عميقة متناغمة بينما يدرن وجوههن يمينًا ويسارًا لتبرزها خصلات شعرهن المنفلت.. لو أردت أن أكون صادقة مع نفسي فربما علي الاعتراف بأن هذا السؤال هو الدافع الحقيقي وراء هذا الكتاب بأكمله. ربما كان هدفي في البحث كله أن أفهم لماذا يثيرني ما يثيرني، لماذا يسرنا ما يسرنا، ولماذا أثارتني مشاهد الاغتصاب والعنف الجنسي في الأفلام في سنوات مراهقتي الأولى. ربما كان الهدف كذلك أن أتصالح مع حقيقة أن هذه الفانتازيا لا تزال تسرني بأشكال مختلفة، وبالرغم من تعرضي أنا نفسي لبشاعة العنف الجنسي على مدار مراحل عمري المختلفة انتهاء بالاغتصاب في أكثر أشكاله كلاسيكية، أنا أكثر من يعلم الآن أن الاغتصاب الحقيقي أبعد ما يكون عن الإثارة».- من كتاب «يتمنعن وهن الراغبات»
في مايو 2018 تعرضت الطرزي لحادث اغتصاب تحت تهديد السلاح على يد شابين. كانت هذه اللحظة المحرك الأساسي الذي أطلق مشروع بحثها على مدار ست سنوات كاملة: «المشروع بدأ فعليًا بعد الحادثة».
ورغم أن الحادثة كانت الدافع الذاتي المباشر للبحث، إلا أن التكليف القادم من معهد جوته للمشاركة في مهرجان «تشويش» شكل نقطة البدء للعمل. غير أن الطرزي تتعامل بنقد وسخرية مع التسميات الجاهزة التي تخلع على المنتجات الثقافية قبل تشكلها: «وعلى جنب كده أنا أصلًا مش فاهمة يعني إيه مهرجان نسوي! أنا مش بصحى الصبح أقول أنا هألف كتاب نسوي أو هصنع فيلم نسوي»، فالنسوية بالنسبة لها هي ممارسة يومية وطريقة طرح الأسئلة، سواء كان الموضوع يتعلق بالجندر أو بغيره من القضايا.
ربما طريقة الطرزي في تناول الأمور منحت العمل حرية إبداعية، خارج القواعد الأكاديمية الصارمة، مساحة تسمح باللعب والتهكم ومراجعة الأسئلة وتغييرها، من بداية البحث إلى نهايته دون التقيد بمسار محدد مسبقًا: «كان عندي مساحة إني أشقلب الحاجات، وأتريق عليها، وعندي مساحة أن ألعب»، لينتقل المشروع من رصد سينمائي إلى جعل الذات والجسد والتجربة الحية أدوات للاستكشاف والكتابة، والجسد حقل اختبار يومي تتجلى فيه كل الممارسات السلطوية والجمالية: «أنا في الأساس مش بتعامل مع نفسي ككاتبة فقط؛ ده مشروع فني اشتغلت عليه ست سنين وبطلّع منه وسائط مختلفة، المرة دي طلع في شكل كتاب. وبصفتي فنانة بشوف أن جسمي وحياتي وتجاربي الشخصية هي أدوات متاحة وشرعية جدًا للاستخدام. موضوع الكتاب بيسأل تحديدًا: العالم بيتعامل مع جسمي إزاي كست؟ وأنا كان عندي فرصة ذهبية، وهي أن عندي نفسي كحالة دراسية طوع أمري وماشية معايا 24 ساعة، فقررت أختبر عليها الأفكار وأفهم إزاي المنظومة أثرت فيّ».
مأزق «لا» اللغوي ومحاولة لفهم الفانتازيا
يتحدث النص عن المشاعر والرغبات دون مواربة، وهنا جاء السؤال حول مدى قصدية هذه الجرأة كعنصر في كتابة تجربة العنف الشخصية: «أنا ماقلتش أنا هعمل كتاب وهبقى جريئة! الخط الفاصل بين الشجاعة والرعونة شعرة، بس موقعي ومواقفي العامة خلت جزء من حياتي متاح للعلن».
الكتابة في هذه التجربة لم تأت كعملية تشافي بقدر ما كانت موقفًا صارمًا من رفض الاستسلام لآليات العدالة الرسمية العقابية، التي دائمًا ما تقتطع الجريمة من سياقها الاجتماعي: «فكان خياري المطروح إما التماهي مع السرديات النسوية السائدة اللي بتتعامل مع المظلومية كهوية ثابتة لكل النساء، كأن الفروق الاجتماعية والطبقة وغيرها من عوامل مؤثرة غير موجودة»، وهي كما ترى الإشكالية الأكبر مع حركة MeToo التي تحولت لخانة ضيقة تمنع التساؤل النقدي أو تفكيك الحادث الفردي باعتباره تجليًا لأزمة سياسية وبصرية أوسع. وكان الانحياز للمعرفة كأداة لفهم كيفية تشكل علاقتنا بأجسادنا ورغباتنا ثقافيًا وبصريًا.
وفيما يتعلق بإشكالية الرغبة، يظهر التناقض الواضح، فشعار «No means No» (لا تعني لا) شعار نبيل في جوهره لكنه يصطدم مباشرة بواقع مجتمع محافظ. وفي هذا السياق تلخص الطرزي الأزمة اللغوية والاجتماعية: «الست في مجتمعنا لو عبرت عن رغبتها وقالت أنا عايزة بتتوصم وتُنبذ، فبتبقى مجبرة على قول لا، كقناع اجتماعي يحميها، وده بياخدنا لفخ لغوي المنظومة بتستغله، بحيث الـ لا ساعات بيبقى قصدها نعم وساعات بيبقى قصدها لا فعلًا. المفارقة هنا إن المنظومة اللي بتدرب النساء طول الوقت على كتمان الرغبة بتمارس تناقضها لما تطالبهم فجأة بالصراخ بكلمة “لا” في مواجهة العنف! بينما الواقع بيقول إن قول “لا” في لحظات معينة ممكن يكون معناه الموت المباشر».
تستدرك الطرزي من واقع تجربتها الشخصية: «في الحادثة اللي مريت بيها لو كنت قلت لا كنت اتدبحت وكان الخيار الوحيد للنجاة هو الإطاعة والمساومة، حجم العنف المتصاعد بيفرض حالة دائمة من رد الفعل اللحظي، وهنا بتيجي أهمية التحليل السينمائي والبصري لأنه بيمنح مسافة أرحب للتفكير بروية خارج القوالب الضيقة».
الوقوف عند هذا المربع يفتح مساحة أرحب للتحليل النقدي بعيدًا عن الكليشيهات الجاهزة لفهم وتفكيك الفانتازيا وكيفية حجر السلطة عليها: «هي دي ميزة التحليل. الخطاب الأبوي بيحارب أي فانتازيا بتختلف عن سرديته جوة الشاشة أو جوة العقل وبيصنفها كانحراف في حين أنها في المساحة التخيلية غير مؤذية على الإطلاق. النظام بيحارب فانتازيا الأفراد عشان يفرض فانتازيته هو عن نفسه. صورته اللي بيصدرها، ويطبعها بالتدريج، وهي بالذات اللي بتتحول في الواقع لأفعال حقيقية، مؤذية للآخرين».
لم يكن هناك بد من المواجهة، فالمسألة تتجاوز النظريات الجاهزة لتمس تشابكات الواقع اليومي: «أوكي اعتبروني مجنونة بس يلا بقى نفهم التعقيد ده! ما ينفعش نعمل نفسنا مش شايفين الواقع، لازم أفكر في الست اللي شايفة إهانة جوزها وغيرته المرضية دليل حب وأفهم السياق اللي أنتج وعيها ده بدل ما أنظر عليها بفوقية».
وهنا نصل إلى إشكالية التلقي لدى المشاهد، إذ تميل بعض الطروحات النسوية السائدة إلى اختزال مخل وتحرمنا حتى من حق الاستمتاع بالسينما التجارية لمجرد كونها محملة برؤى ذكورية: «إحنا بنستمتع بالسينما رغم بلاويها، لأن العالم نفسه مليان بلاوي وذكورية، ولو قررنا المقاطعة بناء على المنطق ده لامتنعنا عن الحب والزواج والحياة لحد ما العالم يتصلح! السينما بتمنح بعض النساء مساحة من المازوخية النفسية والفلسفية الآمنة، حيث بقدر أختبر المشاعر المظلمة وأفرغ التجارب السيئة خلف شاشة أنا أملك سلطة إغلاقها وقت ما أحب».
«التطهرية الحديثة» ومصادرة الفن بنفس أدوات السلطة
ثمة حقيقة مغيبة وهي أنه لا يوجد أحد منا عاش خارج الهيكل الأبوي أو امتلك مسافة عنه، فالجميع يتحركون داخله بين المواجهة والتحايل والتواطؤ القسري أو الطوعي، بعيدًا عن «التطهر النسوي مفيش حد فينا اختبر حياة بره النظام الأبوي؛ كلنا جواه ساعات بنحاربه وساعات بنتحايل عليه أو نتواطأ معاه. أما فكرة التطهر الكامل فشيء عصابي ومالوش وجود؛ أنا هكسر المنظومة إزاي لو رافضة أصلًا أعترف بأبعادها؟»
موجة الإلغاء والتطهرية الحديثة التي تحاكم المنجز الفني بمسطرة أخلاقية جامدة، استحالت شبيهة للخطاب السلفي التقليدي، «السردية الثقافية دلوقتي بقت محكومة بموجة كنسلة مرعبة؛ بنعد للأفلام كام قلم اتضربت بيه الست ونلغي السياق والعدسة وحركة الكاميرا لحساب الإدانة الجاهزة. هل المطلوب نعمل سينما معقمة وخالية من العنف والتحرش والتشنج الإنساني؟ ده هيبقى أكل مستشفيات ملوش علاقة بالواقع».
الخطورة هنا تتجلى في سهولة الاستدعاء لأدوات السلطة لمصادرة الفن كلما واجه المجتمع ما يزعجه، وهنا يتقاطع صوت السلفي الرافض لـ«الخلاعة» مع صوت التقدمي الرافض لـ«تعدي الأنماط» لينتج مجتمعًا خائفًا، به مساحة الفانتازيا والتجريب معدومة، «المنظومة دي بتضر الكل وتفرض أنماط معلبة. الراجل لو معبرش عن رغبته بعنف ميبقاش راجل، والست لو عبرت عن رغبتها بتمسها الوصمة وتبقى شرموطة، وده كله بيخلينا في حالة شلل».
ترى الطرزي أن مطالبات المنع المستمرة استسهال خطير للممارسات السلطوية. فعندما تطالب الحركات التطهرية بمصادرة فيلم أو منع إعلان باستدعائها للسلطة الأبوية فإنها تمكن نفس الأدوات التي تحاربها: «المنع اللي فاكرينه النهاردة خدمة للنسوية هو نفسه اللي هيُستخدم بكرة لمنعهن وحبسهن بتهمة هدم قيم الأسرة».
طرح الطرزي يرفض التعامل مع السينما كحالات معزولة، ويتعامل مع التطبيع باعتباره بنية مادية وثقافية تشكلها ماكينة إنتاجية كاملة: «التطبيع هو نتاج منظومة كاملة بتشمل الرقابة والتصاريح والتمويل والمهرجانات والصحافة ورد فعل المجتمع. جزء كبير من وعينا الجمعي عن الحب والرغبة بيشكله موظفون بيروقراطيون خايفين على مناصبهم فيحذفوا المشاهد من باب الاحتياط». ومن هذا المنطلق يسعى الكتاب إلى تفكيك مقولة منتشرة تدعي أن السينما هي المسؤول الأول عن تفشي التحرش.
ظاهرة عادل إمام: «أنا مفيش مرا متحبنيش»
توقف الكتاب عند ظاهرة عادل إمام في غير موضع في محاولة لرصد وتفكيك «نموذج الذكر المثالي» الذي يمارس السطوة ويسدد الصفعات فيما تتهافت عليه النساء ويأتين على سريره دون منطق درامي، إذ امتلك الفنان الذكاء لجس نبض الشارع والنموذج الذي يشتهي الرجال تمثيله. واختزال أزمة التحرش في شاشته وكأن المجتمع كان خاويًا تمامًا من العنف والتحرش حتى قرر عادل إمام اختراعهما وقدمهما بمفرده. قوة إقناع خارقة دفعت مجتمعًا بكامله للتطبيع مع العنف الجنسي. «إذا كانت الهوجة السنوية اللي بتدين عادل إمام في عيد ميلاده كل سنة وتتهمه بنشر التحرش. فالتحرش كان موجود قبله بكتير؛ عادل إمام فنان عبقري وذكي عرف إزاي يقرأ الشارع ويستثمر في موجة الانحطاط والذكورية السائدة ويعلّي أسهمها بصريًا، فالواقع والسينما بيغذوا بعض جوة الماكينة. إنتاج أي فيلم بتحكمه منظومة كاملة أوسع بكتير من المخرج أو الكاتب فيها الرقابة والتصاريح والتمويل. وأوقات كتير مفهومنا الجمعي عن الحب أو الجنس بيتشكل بسبب موظف رقابة بيروقراطي خايف على كرسيه فيقرر يمنع مشهد من باب الاحتياط».
المرأة المميتة والذكر غير المكتمل: عقاب الخروج عن الكتالوج
يتناول الكتاب نمط «المرأة المميتة/ Femme Fatale» في السينما المصرية، تلك الفاتنة التي تُصور كشر مطلق يغوي الرجال ويسلبهم إرادتهم لتكون نهايتها القتل أو الانتحار، تمامًا كما يحدث مع نمط الرجل غير المكتمل أو المثلي الذي ينتهي بالتصفية النمطية عقابًا على الخروج عن قالب الفحولة، حيث تفرض العقاب على الطرفين، وهو ما تفسره الطرزي: «كان مهم بالنسبة لي في الكتاب إننا نخرج بره فكرة ماتش الكورة بين الرجالة والستات، لأن السردية دي مش بتودينا في حتة. النظام الأبوي ده ساحلنا وهرسنا كلنا، حتى الراجل المتمتع بامتيازاته عايش طول الوقت تحت ضغط مرعب لإثبات ذكورته المثالية وصيانة امتيازاته دي. الكتالوج الأبوي صارم، أي حد بيقع برة شروط الذكر المثالي -سواء كان ست أو راجل غير مستوف لشروط الفحولة والسطوة- بيتطحن، كلهم بيبقوا مدحت (شخصية المثلي في الإرهاب والكباب) في النهاية».
وتكمل الطرزي كيف يغلف النظام هذا العقاب ببطولة زائفة: «شوف مثلًا الـFemme Fatale في الأفلام بتتعاقب في النهاية بنفس عقاب الراجل غير الفحل، نهايتهم سودا يا بيجنوا وبيتقتلوا يا بينطوا من البلكونة والمنظومة تقنع المجتمع إن دي عدالة إلهية لأنهم شذوا عن القاعدة، في حين أن المنظومة والمجتمع هما اللي دفعوهم للانتحار والدمار ده من البداية».
الأبوية المستبطنة و«النظرة البصرية»
تفتح الطرزي نقاشًا حول الأبوية المستبطنة في وعي الرقيبات وبعض وصانعات الأفلام مفككة تجربة اعتدال ممتاز، أول امرأة تترأس إدارة الرقابة، وكيف يعاد إنتاج الكتالوج الذكوري بشراسة أشد حين تجلس بعض النساء على كراسي السلطة.
يفتتح هذا الفصل بمقتطف لنجيب محفوظ والذي قضى عقودًا في الرقابة حيث يقول: «دائمًا توجد امرأة مع الرقباء، لأنها تحس بالآداب والذوق. أحيانًا تكون المرأة متشددة أكثر، أكثر محافظة».
ومن هذا المدخل يُقرأ التحليل مذكرات اعتدال ممتاز «30 عامًا في السينما»، بدءًا من التحاقها بالرقابة عام 1945 كواحدة من خمس سيدات تحت قيادة رجل، وصولًا إلى تعيينها مديرة للإدارة عام 1959. وعندما طُلب منها التنازل عن منصبها لزميل ذكر احتجت واستمرت حتى تقاعدها عام 1977. وهنا يتجلى المأزق: فبينما يرى النظام البطريركي أن المرأة أصلح للرقابة انطلاقًا من مفهوم العفة والحياء، فإنه يعجز عن تقبل قيادتها لذكور. ولتفوز الرقيبة بهذه المعركة وتثبت استحقاقها الوظيفي لتجد نفسها مضطرة لتنفيذ الخطاب البطريركي بصرامة تفوق الذكور حفاظًا على منصبها وإثباتًا لجدارتها.
وفي كشف هذا الفخ: «التعامل مع اعتدال ممتاز كأول رقيبة وكأنه إنجاز نسوي ده فخ كبير! مارجريت تاتشر وجولدا مائير نساء فهل نعتبرهن نماذج نسوية لمجرد النوع؟ المرأة حين تصل للسلطة وتمارس الذكورية مش بتاخد قرار واعي بالشر، هي ببساطة تفتقر لموقف نقدي ضد السائد وترى أن الصح هو بقاء الأوضاع كما هي. لدرجة إن اعتدال ممتاز لما اتنحت وجاء رجل مكانها لما طلب منها وزير الثقافة حينها أن تتنازل عن منصبها الرئاسي. زعلت وقالت: عايزين يقولوا إني فشلت عشان ست؟ أنت شايف إنني أقل منهم؟! النسوية العبثية هنا أنها أثبتت جدارتها بأن تكون أكثر ذكورية من الرجال لحماية الأبوية».
يتجلى هنا مفهوم حنا أرندت عن «تفاهة الشر» حيث يتحول الفرد رقيبًا أو موظفًا ينفذ الأوامر دون تفكير. ومع صعود «نسوية الدولة» لتصدير واجهة حداثية أصبحت النساء أمام شرط مضمر: إثبات الجدارة عبر الحفاظ على ثوابت النظام الأبوي. ولا يقف هذا التطبيع البصري عند الأجهزة الرقابية، لكنه يمتد إلى سينما بعض المخرجات النساء أنفسهن عبر الأبوية المستبطنة.
«لو الفنان ممتلكش وعي ونية واعية لنسيان اللي اتعلمه والتعليم من أول وجديد هيعيد إنتاج المسلمات تلقائيًا. كلنا متورطين في ده، أنا شخصيًا لما بفتكر حاجات عملتها أو قلتها وأنا أصغر كنت بقول كوارث وأنا فخورة ومفكرة نفسي عميقة من نوعية: كل أصحابي أولاد لأن البنات تافهات! الاستبطان ده هو اللي بيفسر الاكتئاب والرفض الداخلي، فلو غاب التفكيك هيفضل الشخص شايل ذنب العار جواه وبيدمر نفسه تلقائيًا».
في فصل «فن المعاناة» يتوسع الكتاب في تفكيك الملصقات الدعائية التي تصدر مشاهد اغتصاب البطلات كمادة إيروتيكية وترويجية. يظهر ذلك في ملصق فيلم «المرأة والقانون» (1988)، إذ تتصدر صورة اغتصاب نادية (التي تقوم بها شريهان) مكبلة اليدين إلى قائمة الفراش كجسد مصلوب. وهو التكنيك البصري الذي تكرر في فيلم «مذكرات مراهقة» لإيناس الدغيدي حين صلبت البطلة جميلة (هند صبري) على الفراش بهدف اغتصابها.
وفي مقارنة بصرية بين الرجال والنساء في العنف الجنسي الموجه للنساء بالمشاهد التي يتعرض فيها الرجال للاغتصاب، ففي فيلم «عمارة يعقوبيان» لمروان حامد يُختزل مشهد اغتصاب طه (محمد إمام) على يد رجال الأمن في لقطتين سريعتين من الخلف تفاديا لإبراز التفاصيل ورغبة في حجب «الفضيحة الذكورية». في المقابل، يتكون مشهد تقييد سمية (سمية الخشاب) لإجهاضها من خمس لقطات قريبة تفصِّل الخوف، مع لقطة رأسية تستعرض جسدها الملفوف في قميص نوم ضيق، ما يثبت أن معاناة المرأة تُصاغ سينمائيا كفرجة إيروتيكية ممتعة، فيما يُخفى ألم الرجل باعتباره عارًا يجب التستر عليه.
وتعقب الطرزي على هذا التفريق البصري: «هنا بتظهر الفجوة المزدوجة، الماكينة البصرية بتتعامل مع ألم الراجل واغتصابه باعتباره فضيحة يجب إخفاؤها وتفادي كادرها بسرعة لحماية صورة الفحولة، فيما بتتعامل مع ألم الست واغتصابها باعتباره فرجة إيروتيكية ومادة بصرية ممتعة ومتاحة للعرض. عشان كده مهم إننا نفهم إزاي الكاميرا بتشوف وإزاي العدسة بتمارس التمييز ده حتى وهي بتدعي إنها بتعرض مظلومية المرأة».
هذا العمى يفسر فخًا كبيرًا يقع فيه الكثيرون في السينما المستقلة، حيث يمتلك المخرج وعيًا طبقيًا أو عرقيًا حادًا ويفكك انحيازاته السياسية ببراعة، لكن في اللحظة التي تقترب فيها الكاميرا من المرأة يسقط الفيلم في نفس المستنقع المعتاد، وفي تفسير هذا المأزق تقول الطرزي: «ده لأن وعي كل فنان محكوم بأولوياته والمواضيع اللي اشتغل فيها على نفسه. بعض المخرجين والمخرجات المستقلين ممكن يفككوا العرق والطبقة بعبقرية، لأنها قضيته الشاغلة بس قضية النوع والمرأة مكانتش ضمن اهتماماته، فسابها للمسلمات السائدة، فأعاد إنتاج النظرة التقليدية من غير ما يحس».
لا يزعم هذا الطرح امتلاك حل سحري جاهز، إنما يرى أن الوسيلة الوحيدة هي المكاشفة وإعادة التساؤل المستمر، «أنا شخصيًا معنديش أي مشكلة مع حرية التعبير حتى لو مخرج عمل فيلم بيقول فيه لازم نذبح الستات، ده خياره الواعي ورأيه الصريح وهو حر فيه تمامًا. المشكلة الحقيقية والمرعبة لمّا يعاد إنتاج الخطاب القمعي بآلية غير واعية. فالخطورة ليست في “المجنون الصاحي” الذي يدرك ما يقوله ويفصح عن انحيازه، بل في أن نتحول جميعًا إلى تروس داخل ماكينة تردد الخطاب الذكوري ذاته ونحن نتوهم أننا نصنع فنًا تقدميًا وإنسانيًا».
وعن الدور الأساسي لصناع السينما والثقافة: «المطلوب مننا كصناع مهتمين بالاسئلة دي في الأفلام والثقافة هو الالتزام تجاه السؤال، إننا ندرك إحنا واقفين فين بالظبط من المنظومة دي؟ وهل إدراكنا أصلًا قادر على استيعاب التعقيد ده والاعتراف بالعمى وتفكيكه؟ المنظومة بتعمينا لدرجة إننا ممكن نمارس أبشع أنواع العنف البصري والثقافي وإحنا مش شايفين ولا سامعين، والتحليل والتفكيك المستمر هو أداتنا الوحيدة عشان نفتح عينينا ونسمع الحروف اللي المنظومة عايزنا نغفل عنها».
تسييس الجسد في «سينما يوليو» والنسوية كما تراها الجمهورية
ننتقل إلى سينما الستينيات أو ما يُعرف بـ«سينما يوليو»، والتي تضعنا أمام لحظة تاريخية فارقة، نرى فيها بوضوح كيف أعادت المؤسسة ضبط زوايا المجتمع بصريًا، ودون أن يمنعها ذلك طبعًا من «التلقيح» على العهد البائد لتكريس الشعور بنعيم الحاضر الناصري. نحن هنا أمام فكرة تسييس جسد المرأة وتنظيم حضورها، من عصر إلى عصر، وفق المصلحة السياسية، فالمنظومة تستخدم هذا الجسد كـ«مازورة» وللضبط والربط تضرب به المثل في الصلاح أو الانحراف، من خلال النموذج البرجوازي أو حتى الرجل الوسيم المعاند الذي يسمح له بالشرب لكن بشرط الانضباط والنجاح في النهاية.
وعن إعادة مشاهدة أفلام هذه المرحلة تقول الطرزي: «لما بنيجي نتكلم عن سينما الستينيات لازم نكون واعيين إنها نتاج تفاعل بين تيارين، فنانين ومخرجين كانوا مؤمنين فعلًا أن فيه عهد جديد وعدالة وبيحاولوا يعملوا سينما تقدمية بجد ويفلتوا من الرقابة بالتحايل، وتيار تاني مؤمن بمشروع الدولة التقدمي في ظاهره والمحافظ جدًا في باطنه يعني محافظ على بابا ومحافظ على ماما والأسرة».
وتشير الطرزي إلى التواؤمات المعقدة داخل أجهزة الدولة بقولها: «وفي النص بتحصل التواؤمات والتكامل بين الأجهزة الرقابية والسيادية، الرواية المكتوبة أوقات بتكون أرحب، لكن الفيلم كان بيتم التعديل عليه بأوامر مباشرة، تقول له النهاية لازم تخلص كذا. أنا مش ماشية بكتالوج إدانة لكل مخرجي الستينيات، وكان فيه طبعًا مساحات شد وجذب، شوفي مثلًا فيلم مخرج زي سعيد مرزوق في “زوجتي والكلب”، أو الواقعة التاريخية للاستجواب اللي حصل في مجلس الشعب لوزير الثقافة ثروت عكاشة ورئيس الرقابة بسبب تصريح بعرض فيلم جريء اسمه “أقدم مهنة في التاريخ”، ساهم فيه المخرج جان لوك جودار، فبتشوف من ناحية ناس عرضته، ومن ناحية تانية مجلس شعب بيعمل استجواب».
تتسع دائرة التفكيك لتشمل الماكينة ككل، فقد كانت الماكينة واضحة ومعلنة ومكتوبة منذ اليوم الأول للمشروع السياسي، حيث تُظهر الوثائق البصرية والخطابية كيف صيغ الخطاب الفني كسلاح موجه: «من أول يوم في خطاب محمد نجيب عن السينما كان فيه وضوح شديد أن السينما سلاح للمشروع. البروباجندا الناصرية كانت قادمة بوعي ابن البلد المحافظ، والسردية بتقول: العهد البائد كانت كل أفلامه رقاصات وانحلال، وإحنا ولاد بلد بتوع القرية ملناش دعوة بالبهوات المنحرفين. وفي نفس الوقت اللي الدولة بتعلم فيه الستات، وبتقول إن الست القوية بتشترط أنها تكون شريفة وأم في النهاية، تروح المصنع الصبح وترجع تعمل الغدا وبالليل تذاكر للعيال وتسمع كلام جوزها! والمفارقة التاريخية هنا أن مشروع تمكين المرأة الناصري ده هو نفسه اللي لمّ كل الستات والناشطات النسويات المستقلات وقفل الجمعيات وقعدهم في البيوت. لسان حال الدولة كان: إحنا مش عايزين وجع دماغ.. إحنا هنعمل النسوية والتمكين بطريقتنا وبشروطنا».
وبوضع يدها على آليات السيطرة المتبادلة، تقول الطرزي: «هو ده صلب الموضوع، صورة المرأة شيء أساسي في تأسيس بنية أي نظام سياسي حتى الأنظمة الإسلامية والجماعات. أول حاجة بتعملها الجماعات الإسلامية لما تسيطر هي إنها تحجب الستات. ليه؟ لأن ده المعادل البصري الأقوى لإثبات السيطرة اليومية والبروباجندا. الرجالة في الشارع شكلهم مش هيبين السيطرة لكن لما تلاقي الفضاء العام كله محجبات فأنت عندك إعلان بصري صارخ بيقول أنا مسيطر هنا، اللعبة واحدة، المنظومة بتسيطر على النساء وفي المقابل بتدي الرجل امتيازات ورشوة عشان يمتثل للمنظومة الكبرى ويحميها. لسان حالهم للرجل: أنت هتمشي وراء شروطنا وفي المقابل هنديك حق التحكم في الستات، ولما تخش الجنة هيبقى عندك الحور العين، هي رشوة نفسية وجنسية واجتماعية محكمة، عشان يضمنوا أن الرجل يتحكم في الست والدولة تتحكم فيه، وتكتمل حلقة السيطرة من قمة الهرم لقاعدته».
في نهاية الحوار، أشير إلى الكوميكس التي صنعتها الطرزي داخل الكتاب للمشاهد التي تحللها، والتي غلبت عليها السخرية. وحين سألتها عن اختيار هذا المعادل البصري، قالت: «من ناحية الرسم هو أحد أدواتي للتعبير، وبيسمحلي بتوصيل أفكار وانطباعات بشكل مختلف عن الكتابة، من ناحية تانية ده بيريحني من مشاكل حقوق الملكية عند استخدام الفوتوغرافية للأفلام، وأخيرًا عشان أنا بحب ألعب وأهرج حتى وأنا بتكلم في موضوع جد».
ربما لهذا يبدو اللعب في تجربة الطرزي جزءًا من أدوات التفكير، وأصبحت الصورة نفسها موضعًا للتحليل والتفكيك لأن اللغة في أحيان لا تعبر عن التعقيدات الفكرية. وتظل محاولتها الأساسية هي النظر مرة أخرى إلى ما نظنه بديهيًا، والسؤال عما تفعله الصورة والرغبة والسلطة في وعينا، وكيف يمكن للفن أن يفتح مساحة أوسع لرؤية ما اعتدنا ألا نراه وربما نجد إجابة عن الذي يثيرنا لماذا يثيرنا.
The post سلمى الطرزي: «محدش فينا اختبر حياته بره النظام الأبوي.. كلنا جواه» first appeared on Mada Masr.
