#سماع
وقع صدفة في يدي كتاب «الشعر في السودان»، وهو أبعد ما يكون عن جذب انتباهي، فاهتمامي بالشعر قليل، بل ذائقتي الشعرية تكاد تكون معدومة، لكن لظروف ما قررت تصفح ما رصده الشاعر المصري عبده بدوي من باب تمضية بعض الوقت الميت، لأجد أنه كتاب معني بالتاريخ أكثر منه بالشعر، أو هكذا بدا لي.
الأجمل في الأمر أن بعض الكلمات أو المعلومات العابرة في الكتاب، الصادر عام 1981 عن سلسلة «عالم المعرفة»، كانت تفسّر لي بعض الغموض والالتباس الذي صاحبني عن هذا البلد الجميل، خاصة تراثه الموسيقي والغنائي. حين تقرأ عن قبيلة ما تجد أن اسمها هو عنوان الأغنية التي رافقتك في تمشيتك الصباحية أحد أيام الجُمع، أو تتعثر في اسم مكان كان مسرحًا لأحداث جليلة فتتذكر أن مطربك المفضل له مقطع غنائي شهير يمدح فيه ظبية جميلة تسكن في هذا المكان الذي وقع اسمه صدفة أمامك، وهكذا تتوالي مفاجآت شعر السودان، مثل أن بعض مزارعي السودان الملتحقين بمشروع حكومي يُدعى «جودة» حاولوا التأكد من أن ما يعطونه من أثمان للقطن صحيحة فزجت السلطات بمائتين منهم في مكان ضيق، فلم يصبح عليهم الصباح إلا وهم موتى، فقال فيهم الشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم القصيدة التالية:
لو أنهم.. حزمة جرجير يعد كي يباع
لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة
وبان فيها الاصفرار والذبول
بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة
وبللت شفاههم رشاشة صغيرة
وقبلت خدودهم رطوبة الأنداء
والبهجة النضيرة!
لو أنهم فراخ
تصنع من أوراكها الحساء
لنزلاء الفندق الكبير
لوضعوا في قفص لا يمنع الهواء
وقدم الحب لهم والماء
لو أنهم..
لكنهم رعاع
من الزريقات
من الحسينات
من المساليت
نعم رعاع
من الحثالات التي في القاع
يُقال إن هذا الشاعر كان ينتمي لجماعة أدبية تُسمى «شعراء الكتيبة» ومقرها مكتبة حسن بدري بمدينة أم درمان، وقد كانوا جماعة من المحبطين الذين لم تتحقق آمالهم في الحياة، ورأوا أن يبتعدوا عن عواصف السياسة، ومن ثم وضعوا دستورًا للدخول في جماعتهم، من ملامحه أن العضو يستحق العضوية إذا هجا أكبر عدد من الشعراء المؤسسين للكتيبة، والمسافر والقادم يجب أن يُقال فيه شعر، بل تقرير الجماعة السنوي لا بد أن يُكتب شعرًا، وعلى أمير الكتيبة، حسن بدري، أن يشغل الشعراء بالوقائع ليكون هذا دافعًا للشعر.
صلاح أحمد إبراهيم، عضو الكتيبة، هو شقيق الاستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، التي كانت أول امرأة تُنتخب في برلمان السودان والشرق الأوسط في مايو عام 1965. وهو مؤلف أغنية «الطير المهاجر» لمحمد وردي الذي لم أحبه عند بداية تعلقي بالموسيقى السودانية، بل اتخذت منه موقفًا عدائيًا طفوليًا مبرره أن صوته له رنة غريبة يفسد مود الاستماع، ورفضت كل محاولات الأصدقاء لتجربة بعض أغانيه الشهيرة، لكنه كان رفضًا به غصة مدفونة لا أظهرها، لأن وردي أولى بأن يُحب، تجربته الموسيقية تؤكد ما نحبه ونتشبث به في الحياة، عندما أرى ردود فعل محبي أم كلثوم على حفلها الشهير في باريس، أتذكر حفل وردي في أديس أبابا عام 94، وكيف أن في الحالة التي تحصل الست فيها على التأييد والتأكيد من المواطن الأبيض، يفعل وردي بالمثل، لكن هذه المرة من المواطن الأسمر.
لكن التحول المفاجئ في سماع وردي، يتطلب الكلام عن قيادة السيارات التي تعلمتها على كبر، تجعلها مغامرة تدعو للاكتئاب والقلق المستمر، هل سأنجو من دوران الشاطبي؟ هل يمكن تجاوز مزلقان سيدي بشر دون أن تحك جانب السيارة؟ كيف تركن بين سيارتين من مرة واحدة وخلفي سيارة أخرى قائدها نافد الصبر؟ كنت أستعين على مشوار السيارة اليومي بمجموعة مُنتقاة من الأغاني على تطبيق «ساوندكلاود»، في إحدى المرات حدث خطأ ما، ولم تعمل قائمة الأغاني الخاصة بي، وكنت قد انطلقت بالسيارة، وفي حالتي لا يمكن القيادة والعبث بالموبايل في نفس الوقت، فارتضيتُ بالأمر الواقع وما سأسمعه حتى أصل لمشواري، وكان حظي أن بدأت قائمة خاصة بأغاني محمد وردي، وسمعت «المرسال» لأول مرة في حياتي كاملة، ثم تلتها «صدفة» فـ«نور العين»، ووصلت المشوار عندما كانت طير صلاح أحمد إبراهيم المهاجر تصل لنهايتها، عندما غادرت السيارة كانت الغصة ذهبت، وشفيتُ من مرضي وعلمت أن تعلم القيادة في سن متأخرة مُقلق وخطير، لكنه يعلمك أن تحب وردي.
يذكر الكتاب أن عامية السودان تعتبر من أفصح العاميات في العالم العربي، فالدخيل فيها قليل بسبب عزلة السودان، وانطواء كثير من السودانيين. وعاميتهم تقترب، كما يؤكد الدكتور عبد الله الطيب (وهو أحد مصادر الكتاب)، من لهجة بني أسد في الجاهلية، ومن هنا يقول الأستاذ حسن نجيلة لقارئ كتابه «ذكرياتي في البادية» إنه إذا أُتيح له «الاستماع إلى بعض هذه الألفاظ (كما ينطقها السودانيون)، أو رأيتهم يبدلون الحروف على غير ما تعهد، فلا تعجل عليهم باللوم، وإنما اتهم نفسك بالعجمة أولًا، وعد إلى كتب اللغة واستفتها تنبئك باليقين».
يذكر الكتاب أيضًا أن في عهد الحكم التركي/المصري للسودان صدرت عدة قرارات أثارت حفيظة السودانيين منها تعيين «أركيل بك الأرمني» حاكمًا للسودان، فأنكره السودانيون، وخاصة مشايخ الشكرية، لأنه والٍ مسيحي، فأُرسل الغاضبون على الأرمني إلى مصر، وأُلقي بهم في سجن الإسكندرية، والشكرية هي إحدى القبائل العربية الشهيرة بالسودان والمُنتشرة في ولايات عديدة. وفي السنوات الأخيرة اشتهرت أغنية «وليد من الشكرية» للفنانة السودانية الصاعدة وقتها إيمان الشريف، لا يخلو فرح أو ستوري أي مراهقة من قرى التهجير من هذه الأغنية، أداء وصوت متمكن وجميل. ومن بعدها تتوالى المفاجآت، أرى أن لإيمان الشريف جرأة في اختيار الأغاني، لا تخجل أن تُسمي أروع أغانيها «تايتانك»، أو أن تشارك نجم الراب السوداني الصاعد، عصام ساتي، الغناء في أغنية يلعب فيها هو دور كافكا وتؤدي فيها هي دور ميلينا، نجاح باهر لإيمان في السنوات الأخيرة تجاوز حدود السودان قليلًا في ظاهرة لافتة، لأن في الغالب يظن الناس أن نانسي عجاج المطربة السودانية هي اقتراح خاطئ من جوجل عند البحث عن نانسي عجرم.
يذكر الكتاب أن الشعر حاول الخروج من «التجريد» إلى «التشخيص»، ففي شعر السودانيين تقابلنا ظاهرة تحديد الأعضاء ومدحها على غير ما هو معروف في قصائد المدح، ثم يستمر الشاعر في ذكر الأنف والخد والفم والعنق والصدر.. إلخ. فهل يكون هذا الشعر تطور في بعض مظاهره إلى تلك الطريقة التي تذكرنا بأغاني «سلام» في الحبشية، وهي تلك الأغاني التي يذكر فيها الشاعر الحبشي كلمة «سلام» في أول كل بيت، ثم يأخذ في تعداد أسماء أعضاء الممدوح عضوًا عضوًا على التوالي، منزلًا عليها السلام؟
في قضية التشخيص وإلقاء السلام على أعضاء الممدوح لا يمكن إبعاد أغنية وردي «القمر بوبا» عن ذهنك وحماسه كالآتي:
الصغيرون الما كبير
الرقيبة قزازة عصير
السنون براقن يشيل
العيون متل الفناجيل
يسرح، ويرجع يشخصن الموضوع:
سيسبان عودك منظم
شمعدان نفسك يا أم ختم
البرتكان نهدك مدردم
كما يشير الكتاب إلى ظاهرة تكثيف الموسيقى في بعض الأشعار السودانية، وخاصة الصوفية، ولنقف مثلًا عند بيتين للشيخ موسى ولد يعقوب الشهير بأبي قصة، وقد قال هذا العارف:
أَأسْ أَسْيَسا فِي سِي سِي
وأنم نميما في مي مي
وأؤك أكيكا في كي كي
وأخفى السر لشيئان
هناك من فسر الكلمات المفهومة منها بعالم الصوفية، ومن استبعد أن تكون الكلمات المبهمة وفدت من اللهجات الإفريقية المختلفة، بل قُصد به التنفيس عمّا في النَفس من مشاعر تعجز عنها اللغة، لكننا نقف مكتوفي الأيدي من هذه السيسأة والكيكأة.. ولعله إذا توصل الباحثون إلى معنى لغوي لهذه التعبيرات من اللهجات الإفريقية أو غيرها فسوف يفتح ذلك بابًا واسعًا لعلاقة هذه الطرق بتلك البلدان، وهذا ما عجزت عنه بعض الشيء المراجع التي بين أيدينا.
وقد رأيت القضية محلولة تمامًا في كتاب «نفحة الرياض البواسم في مناقب سيدي الأستاذ عبد المحمود نور الدائم»، فقد تعرض مؤلفه، الشيخ عبد القادر الجيلي، لهذه القضية وفكّ رموزها ببساطة شديدة، ويبدو أن لهذه الظاهرة صلة بما نجده عند المتصوفة الذين يصلون إلى مرحلة «الجذب»، فيستعملون ألفاظًا تبدو كأنها طلاسم ورطانات. بل تتصل القضية بظاهرة أثيرة في الشعر السوداني وهي التوكيد، يرى حمزة الملك طمبل أحد الشعراء السودانيين المولودين بأسوان ويقال إن عباس العقاد درّس له في صغره أن تلك الكيكأة نتيجة لقلة المادة، والعناية باللفظ دوّن المعنى، بينما يراها عبده بدوي مؤلف كتاب الشعر في السودان أنها تأتي للتوكيد، وشحن جو القصيدة العاطفي بالموسيقى.
للفنان السوداني الرشيد كسلا أغنية غاية في العذوبة بعنوان «رماد الذكرى»، لم أعلم عنها شيئًا للأمانة حتى قرر استعادتها محمود فضل، أحد صُنّاع الموسيقى المصريين، لكن بتوزيع مختلف في أحد البومات مشروعه الموسيقي «سلامات»، وغناها السوداني المُقيم في القاهرة، عبود صالح الذي أعرفه من الأفراح النوبية، فهو كادر عتيد منذ التسعينيات يصدر ألبومات للاستهلاك المحلي المصري ويتولى الفقرة السودانية في أفراحنا النوبية، وله إطلالة مميزة بشعره الكيرلي قبل أن يصبح الكيرلي موضة، لكن لم تعلق في ذهني أغنية لُه من قبل، لكن حين تسمع أغنية الرشيد كسلا بصوت عبود تتيقن أن صناعة الموسيقى شيء فريد ورؤية باطنية صوفية لا تتكشف إلا للخواص، صدرت الأغنية كأنها مكونة من مقطعين، الأول شيء يشبه الموال في الأداء والتوزيع، والثاني كأنه الحكمة التي استُخلصت من الموال، لم تعدم الأغنية من التكثيف والتوكيد الذي تحدث عنه الشيخ عبد القادر الجيلي في كتاب البواسم، في خضم الموال نجد عبود صالح يقول:
وحتى الباقي من باقينا لايلاقينا لانلاقيه لا نتلاقي لا نتلم
ــــــــــــــــــــــــــــ
يذكر الكتاب «اللواء الأبيض» وهي جمعية مقاتلة يقف على رأسها ضابط هو علي عبد اللطيف الذي تخرج في الكلية الحربية بمصر، احتوت هذه الجمعية مفاهيم ثورة 1919 المصرية، ورأت أنه لا خلاص من الاحتلال الإنجليزي للسودان إلا بالاتحاد مع مصر، ومن ثم كان إصدارها في عام 1922 منشورًا ثوريًا أسمته «مطالب الأمة المصرية»، وقُبض على عبد اللطيف في يونيو 1922، وحُكم عليه بالسجن عامًا، ثم إنه مهد لثورة 1924 أن سعد زغلول حينما تولى الوزارة عام 1924 دعا إلى المفاوضات، فافترض بعض السودانيين أن الإنجليز قد يتساهلون في شيء من أمور السودان لصالح مصر، وكان أن تكون رأي يقول: إن السودان يجب أن يظل تحت رعايتهم وحدهم، ثم تدافعت الأحداث، ووقعت بعض المظاهرات التي هتفت فيها بحياة مصر وسقوط إنجلترا، وقد كان وراء هذا «اللواء الأبيض» التي اتخذت لها في اليوم الثالث والعشرين من يونيو عام 1924 علمًا مكونًا من قطعة بيضاء من القماش عليها خريطة نهر النيل، وعلى جانبها الأيسر هلال، وعلى جانبها الأيمن كلمة «إلى الأمام»، وقد بلغ عدد أعضاء الجمعية في هذه الفترة نحو ألفين من خيرة المثقفين، لكن الإنجليز سرعان ما قبضوا على عبد اللطيف والبارزين من أعضاء اللواء، تكرر دخول علي عبد اللطيف السجن حتى توفي بمستشفى القصر العيني بمصر ودفن بالقاهرة.
وكانت زوجته، عازة محمد عبد الله، أول امرأة سودانية تشارك في النشاط السياسي المناوئ للاستعمار، وتأثرًا بشخصيتها ألّف خليل فرح ولحن قصيدة وطنية بعنوان «عازة في هواك»، يُقال إن فرح ألفها في أواخر عشرينيات القرن الماضي وهو نزيل بمستشفى المواساة بالإسكندرية، واستُعيدت الأغنية مرات عديدة فيما بعد وتعتبر من أشهر أغاني «الحقيبة»، وهو مصطلح مرتبط ببعض الأغاني السودانية، هناك تفسيرات عديدة له، منها أن حمد محمد صالح كان يحمل أسطوانات الأغاني التي يبثها في برنامجه في إذاعة أم درمان في حقيبة، حتى إن البرنامج ذاته أُطلق عليه «حقيبة الفن»، فسُميت كل الأغاني التي بثت فيه بـ«أغاني الحقيبة»، والبعض يقول إن حقيبة جاءت من كلمة حقبة، ويقصد بها حقبة الأغاني السودانية التي ظهرت منذ بداية القرن العشرين حتى الأربعينيات، ويمكن أن تفهم في سياق آخر بأنها أغاني «زمن الفن الجميل».
في 2017 أصدر السوداني سماني حجو ألبومًا موسيقيًا عبارة عن توزيعات حديثة لمجموعة من أغاني الحقيبة، وأسماه Briefcase، ولم ينس أن يضع بصمته على «عازة في هواك».
وسلام.
The post تفسير الماء بالماء.. عن الأغاني والمعاني first appeared on Mada Masr.