964
مقال خص به شبكة 964، أحمد مفتي، وكيل وزير الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان العراق.
لا يفتقر العراق إلى موارد الطاقة، لكنه يحتاج إلى تحويل هذه الموارد إلى كهرباء مستقرة، وصناعة قادرة على المنافسة، واستثمارات تستمر ولا تتوقف عند كل أزمة. وهذه مهمة لا تستطيع بغداد أو أربيل إنجازها منفردة، فيما تستطيع شراكة بينهما أن تجعل الغاز جزءاً من الحل بدلاً من بقائه مورداً لم نستثمر كامل إمكاناته.
خلال مشاركتي في مؤتمر ميري في أربيل، طرحت تصوراً لإصلاح قطاع الطاقة يقوم على أولويات مترابطة: إعادة توجيه الدعم تدريجياً، وتطوير الحقول الغازية، وحماية المنشآت، ومعالجة مستحقات الشركات، وربط الإنتاج بمنظومة كهرباء وطنية أكثر تكاملاً.
أرى أن هذه المرحلة، رغم صعوباتها الأمنية والمالية، تتيح فرصة لمراجعة طريقة إدارة مواردنا. فالمطلوب أن ننفق بصورة تحقق عائداً مستداماً للاقتصاد والمواطن.
البداية من الدعم
عرضت في المؤتمر تقديرات تضع الهدر السنوي في قطاع الطاقة عند نحو عشرة مليارات دولار، وتشير إلى أن دعم الوقود الصناعي لمعامل الإسمنت والحديد يقارب ثمانية مليارات دولار سنوياً.
والسؤال الأساسي هنا هو: كيف ندير هذا الدعم؟ وكيف نحول جزءاً من إنفاق يتكرر كل عام إلى استثمار يطور حقلاً غازياً، أو يتيح للمصانع استخدام وقود أقل تلويثاً، ويقلل الحاجة إلى الدعم مستقبلاً؟
في هذا الاتجاه، اتخذت الحكومة العراقية خطوة تستحق البناء عليها بإعادة تنظيم تسعيرة النفط الأسود المخصص للصناعة. فعند كتابة هذا المقال، يبلغ السعر المرجعي للطن نحو 650 دولاراً. وبموجب المعادلة الجديدة، يُخصم منه 150 دولاراً، ثم يُحتسب 80 في المائة من المبلغ المتبقي، ليصبح سعر البيع للصناعيين 400 دولار للطن.
بهذه الصيغة، يستمر دعم الصناعة من خلال سعر يقل بـ250 دولاراً عن السعر المرجعي. أما ما يتحقق من وفورات نتيجة إصلاح آلية الدعم، فيمكن توجيه جزء منه إلى مساندة الصناعة الوطنية بطريقة أكثر استدامة: الاستثمار في البنية التحتية للغاز، وتسهيل وصوله إلى المصانع، ومساعدتها على التحول إليه.
تقدم منطقة بازيان في محافظة السليمانية مثالاً على حجم هذه الفرصة. فالمصانع فيها تستهلك نحو ثلاثة آلاف طن من النفط الأسود يومياً. والتحول إلى الغاز يتيح تقليل التلوث وخفض كلفة الإنتاج، مع تحرير كميات من النفط الأسود للتصدير والاستفادة من قيمتها.
لكن هذا التحول يحتاج إلى برنامج تدريجي: توفير الغاز، وحوافز لتعديل أنظمة تشغيل المصانع، وجدول واضح تستطيع المنشآت التخطيط على أساسه. فلا ينبغي أن تتحمل الصناعة كلفة الانتقال قبل توافر البديل.
بهذا المعنى، لا نتحدث عن التخلي عن دعم الصناعة، بل عن تغيير طريقة دعمها.
الغاز في صدارة سياسة الطاقة
وفق التقديرات التي طرحتها، يحتاج العراق إلى نحو ثمانية مليارات قدم مكعب قياسي من الغاز يومياً لتأمين الكهرباء على مدار الساعة. وفي مقابل هذه الحاجة، توجد موارد غازية يمكن أن تسهم في تقليص الاعتماد على الغاز المستورد، من خلال تطوير حقول عكاز وخشم الأحمر والمنصورية وغيرها من حقول ديالى والمنطقة الغربية.
أقترح إطلاق جولة استثمارية تركز على تطوير هذه الموارد، مقرونة بضمانات قانونية وأمنية ومالية قابلة للتنفيذ. فالإعلان عن فرصة استثمارية لا يكفي ما لم يعرف المستثمر شروط عمله، وكيف تُحمى منشآته، ومتى تُسدَّد مستحقاته.
وتقدم تجربة إقليم كردستان خبرة يمكن البناء عليها ضمن جهد عراقي مشترك. فقد اعتمد تطوير الغاز على جذب الاستثمار الأجنبي بدلاً من تمويله مباشرة من الموازنة العامة. ووفق الأرقام التي عرضتها في ميري، ارتفع إنتاج حقل كورمور من نحو 350 مليون قدم مكعب قياسي يومياً عام 2020 إلى نحو 750 مليوناً، فيما يقترب إجمالي إنتاج الإقليم من مليار قدم مكعب يومياً.
تمثل هذه التجربة إضافة يمكن الاستفادة منها في تطوير موارد باقي مناطق العراق. كما يتيح تطوير حقول جمجمال وكوردمير وتوبخانة إمكانات لزيادة إنتاج الإقليم إلى ما بين مليارين وثلاثة مليارات قدم مكعب يومياً، مع توافر الاستثمارات والظروف اللازمة.
ومن هنا تأتي جدوى سياسة «الغاز إلى الكهرباء»: استخدام الغاز في التوليد، ثم نقل الكهرباء عبر الشبكة الوطنية إلى مناطق الطلب. يمكن لهذا المسار أن يربط إمكانات الإقليم باحتياجات العراق، ويجعل التكامل مصلحة عملية للطرفين.
لا استثمار مستداماً من دون أمن وانتظام في السداد
الحقول الغازية جزء من أمن الكهرباء وحياة الناس. والاعتماد على منشآت محددة يجعل أي اعتداء عليها تهديداً لاستمرار الإمدادات.
لذلك، يجب أن تكون حماية الحقول والبنى التحتية أولوية مشتركة، تستند إلى منظومة أمنية متخصصة وتنسيق فعلي بين الجهات المعنية في بغداد والإقليم. المستثمر يحتاج إلى حوافز، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى الاطمئنان إلى سلامة العاملين واستمرار التشغيل.
وبالمثل، فإن معالجة المستحقات المتأخرة للشركات النفطية ضرورة اقتصادية. تراكم الديون يعطل الاستثمار وحفر الآبار وتطوير الإنتاج. والتوصل إلى آلية واضحة للسداد يخدم استئناف هذه الأعمال، ويعزز قدرة القطاع على الوفاء بالتزاماته الإنتاجية.
ومن المهم أيضاً أن يرافق التوسع في الاستثمار تطوير الكوادر المحلية. وقد بلغت نسبة العاملين المحليين في كورمور، وفق الأرقام التي عرضتها، نحو 80 في المائة. وهذه خبرة ينبغي توسيعها، بحيث يصبح تطوير الحقول استثماراً في المهارات وفرص العمل أيضاً.
شراكة تتجاوز إدارة الأزمة
عندما اقترحت في ميري تغيير اسم وزارة النفط إلى «وزارة النفط والغاز»، كان المقصود أن يحصل الغاز على مكانه في الأولويات والهياكل الإدارية والقرارات الاستثمارية، وأن يصبح تطويره جزءاً من استراتيجية مستمرة، لا استجابة مؤقتة لنقص الوقود أو انقطاع الكهرباء.
العراق يحتاج إلى برنامج شامل يجمع هذه المسارات: دعم يتحول تدريجياً إلى استثمار، وحقول تحظى بالحماية، وشركات تتقاضى مستحقاتها، ومصانع تنتقل إلى الغاز، وكهرباء تصل عبر شبكة وطنية مترابطة.
ولا ينبغي أن تكون العلاقة بين بغداد وأربيل في هذا الملف منافسة على من يمتلك المورد، بل شراكة في كيفية الاستفادة منه. فالكهرباء التي تصل إلى المواطن، والوظيفة التي يوفرها الاستثمار، والإيراد الذي يتحقق للدولة، مكاسب عراقية مشتركة.
الفرصة ما زالت قائمة. والمطلوب قرار يحوّل الغاز من مورد نملك إمكاناته إلى مصدر للكهرباء والاستقرار الاقتصادي.
أحمد مفتي، هو أيضاً بكالوريوس في الهندسة الكيميائية من جامعة اوتريخت – هولندا. وماجستير في إدارة الموارد الطبيعية من جامعة امستردام – هولندا.
