بقعة حبر تمددت أمامي، تعامدت فيها الشمس، لتظلل فارسًا هزيلًا على صهوة حصانه، وتابع يتطلع بثبات نحو سيده فيما يقفان على أرض متعرجة، وتحدهما طواحين الهواء من كل جانب. هكذا تخيّل بابلو بيكاسو دون كيخوته في الخمسينيات، وطُبعت رسمته في المجلة الفرنسية «ليه ليتر فرانسيز/ Les Lettres françaises» في ذكرى مرور 350 عامًا على نشر رواية ميغيل دي ثيربانتس. وهذه الصورة التي عرفتُها عن دون كيخوته حتى حضرت نادي القراءة في الثقافة الجديدة الذي ناقش ترجمة أحمد الزناتي لرواية توماس مان «رحلة بحرية مع دون كيخوته»، فتغيّرت قليلًا، بل اتضحت ملامح هذا الفارس كلما تحدثنا وتناقشنا، وصار تخيّلي له أكثر حيوية.
تقود إيمان علي دفة رحلة توماس مان بالحكي عنها، والتي تبدأ قبل صعوده للباخرة الهولندية المتجهة لأمريكا وتنتهي وهو يهم بالنزول منها. ويصارحنا توماس مان منذ الصفحات الأولى في يومياته أنه قرر اصطحاب دون كيخوته معه، رغم ما أُشيع عن أدب الرحلات من كونه مادة للتسلية ليس إلا، فثيربانتس قصد السخرية من ذلك الأدب باصطناع نسخة منفردة منه. وبطل يخلص لأوهامه في عالم لم يعد له وجود، واقفًا على حافة الجنون.
تراه إيمان «كسرًا للنمط، حيث لا يكف توماس مان عن إظهار انزعاجه من أمور كإلهاء الناس بالتفاهات بعيدًا عن الأخبار القيمة أو ما يشغلنا حقًا»، وهو بالفعل ما يصفه توماس بـ«الفجوة القائمة بين النضج التقني وعدم النضج الفكري».
ففي أحد أيامه في البحر قبل أن يهبط لتناول غذائه، يلتقط جريدته التي تقع بداخل مقصورته ويتصفح أخبار اليوم، فيقرأ خبرًا عن نمر مريض في حديقة حيوان، مُنح كأس ويسكي كعلاج، وبعد شفائه ظل يريد شرب الكحول يوميًا. يقطب جبينه مفكرًا: ما قيمة أخبار كهذه؟
تصورته في جلستنا بوسط البلد وهو ممدد على كرسيه على متن السفينة، وبجواره «دون كيخوته» المُغلف بقماش كتان برتقالي ودفتر اليوميات الذي عرفناه من خلاله، يدوّن ما يجول في ذهنه بقدر ما يشارك ملاحظاته حول ما يقرأه. لكن، من أي زمان حكم ثيربانتس على فارسه بالقدوم؟
عايش ثيربانتس الذي ألّف دون كيخوته فترة مضطربة في بلاده، إسبانيا؛ حُكم فيها ببتر يده اليمنى بتهمة إصابة رجل خلال مبارزة. ففر هاربًا إلى إيطاليا، وهناك ينضم للجيش الإسباني ليمسي جنديًا في أسطول يواجه تركيا في معركة ليبانتو ويُصاب بالملاريا، لكنه يصرّ على القتال، فيسقط جريحًا. يتعافى بعد ستة أشهر في المستشفى من الجراح وتبقى إصابة الذراع الأيسر كلازمة. وفي رحلة عودته النهائية لموطنه تتعرض سفينته لهجوم. يقع في الأسر. يحاول الهرب فيُسجن قرابة خمس سنوات حتى تُدفع فديته. تطأ قدماه إسبانيا مجددًا، ولعله يدرك حينها أنه كلما هرب من واقع ضيق وقع في آخر.
تتخذ لغة ثيربانتس لهجة تهكمية، لا إدعاء فيها، لتخرج من موقع مَن دخل التجربة ونجا، وذاق الحرية والهزيمة. وربما أنقذ ذلك بطله فلم يكن من ورق مضيفًا عليه في تخبطاته تلك اللمسة الإنسانية الآسرة. ليُرى ثيربانتس في عين النقاد صوتًا عاقلًا وسط أكوام من روايات الفروسية وقصص الحسناوات والأبطال المنفصلة عن هموم العامة، حتى لو أتى بفارس لا يرى العالم إلا كما يشتهيه.
فارس ينجرف إلى حد العبث، ليخلق أعداء من العدم، طواحين هواء، رياح تحمل ذرات غبار خلف قطيع من الخرفان المنقادة، أو موكب جنائزي أو معركة تندلع بين عدة قرى عقب ضياع أحد الحمير ليكون أساسها الحمورية.
تقول لنا إيمان: «تُرفع القبعة لثيربانتس أنه لم يشتبك مباشرة مع السلطة، نراه يبجل الملك ثم يظهر بطلًا موريسكيًا (مسلم لم يغادر الأندلس تحت الحكم المسيحي) يتكلم، فندرك أنه لا يتعاطف فحسب مع الضحية وإنما يستنطقها. ويحذو بعده توماس مان حذوه فلا يتصادم مع ما يعارضه أو يحرض لكنه يصرح بما لديه في روايته مثمنا ما فعله ثيربانتس».
تتابع إيمان: «هنا توماس مان يسائل أوروبا وعصر الرأسمالية وتوحشها والمظهر الحديث وما صاحبه من سطحية ويعظم من البدائية مخلصًا لنزعته الإيمانية. بل إنه يسائل حتى نزاهته ككاتب ترك بلده ألمانيا وراءه والحرب وصعود النازية منتقدًا سياستها من مسافة ذكية من على متن السفينة قبل أن ينتقد نفسه أيضًا وموقفه»:
«هل أتفوه بهذا الكلام كمحاولة لخلق نوع من التوازن الداخلي أكثر منها محاولة لصد خطر حقيقي يحدق بي لأنني بعيد الآن عن مرمى النيران؟» – توماس مان
بدا لي في تلك العبارة أنه يراقب ذاته وما يمسها من تضارب في مشاعره، يسرح خلال أمسية عرض فيلم على السفينة ويكون رأيه بعد انتهائها «أسوأ ما في الأمر أن قلة منا سنحت لها فرصة مشاهدة هذه الدراما الهادئة، وكان الأجدر أن يشاهدها المئات، لا عشرة أنفار يضمهم نادٍ اجتماعي فاخر مبطن بالجدران الزرقاء والذهبية؛ أناس عكس تثاءبهم وفقدانهم الرغبة بتأثير الفراغ صورة صادقة لنظام متداعٍ على الصعيد الاقتصادي».
تقطع إيمان حبل أفكار توماس مان، وتلمس بيديها الطاولة فيعبر سؤالها المتعلق بترجمة العمل نحو كلِ منا؛ هل أثرت خلفية الزناتي كمترجم شفهي على اختياره للغة والألفاظ أكانت ترجمته بالمعنى؟ هل العمل في أصله يمتلك مسحة من الشاعرية أم أنه لم يفقد في هيئته هذه أي من سماته الأصلية على الإطلاق؟ رمقنا مقعدًا فارغًا، لو كان الزناتي هنا لأجاب.
يتمطى السؤال، ماذا فعل توماس مان عند وصوله لأمريكا؟ ولمَ أمامنا وأمام توماس مان على منضدته جزأين من دون كيخوته، بدلًا من واحد؟ على الأقل نملك جوابًا على هذا. نطق الكاتب محمد فتحي، أحد حضور نادي القراءة، بأن قرار مؤلف دون كيخوته جاء لسد الطريق على أي ممَن يرغب في الاستفادة من فارسه تجاريًا، وهو عكس السائد أي أن يخط الكاتب جزءًا ثانيًا كي يستفيد على المستوى التجاري.
ما جعل فتحي وإيمان والحضور يثيرون هذا النقاش -كما يوضح توماس مان- أن رجلًا مجهولًا انتحل صفة ثيربانتس ونشر جزءًا ثانيًا هاجم فيه الكاتب الأصلي. وصوّر دون كيخوته كرجل أحمق كليًا ناسفًا أبعاد شخصيته وتركيب العمل، ليضطر ثيربانتس محبطًا لكتابة جزء آخر بعد أن تناهى له أن قراءه لم يلاحظوا الفارق. يندهش توماس مان لأن دون كيخوته وتابعه غادرا في هذا الجزء الآخر، متجهين نحونا متمتعين بشهرتهما ومتحدثين مع القراء ساخرين من العمل المنتحل.
ومع اقتراب الساعة نحو التاسعة مساءً، وقبل انصرافنا، ورسو باخرة توماس مان في يومياته، أجمع الحضور وعلى رأسهم إيمان بأن نهاية دون كيخوته بدت آمنة أو كسولة، واحتج توماس مان من موقعه في الصفحة ما قبل الأخيرة على عودة الفارس لبيته منكسرًا وملازمته للفراش منتظرًا دنو الموت عند انقشاع الوهم، ففي نظره أفلت غرض العمل من مؤلفه وصارت كل النهايات المتخيلة وغير المتخيلة عصية على الإرضاء ومنافية للمنطق. ليستعيد دون كيخوته اسمه الأول «ألونسو كيخانو» هامسًا: «أنا أتعس فارس على وجه الأرض».
رأى مريدو الحركة الرومانسية في فلسفتهم صدقًا لا يحول دون إظهار العيوب واستبطان كل جمال يرقد في ظلمتها، ورأيت دون كيخوته ينتمي لتلك الجبهة مدافعًا عن قيم آخذة في التلاشي كالعدل والنزاهة حتى إن تطرف في مذهبه إلى حد السذاجة.
النقاش الذي أدارته إيمان كان ساحرًا، وخُيل لي أن شيئا ما تغيّر في الموقع الذي احتله ذلك الفارس من أي عالم حطّ فيه، وأن بقايا من بقعة حبر بيكاسو استقرت في مكان ما كشاهد على رحلات فارس نطق بالحقيقة وسط هذيانه.
The post مع دون كيخوته وتوماس مان.. رحلة في نادي قراءة first appeared on Mada Masr.
