- لمعرفة تفاصيل العزاء ومعلومات الفقيد إضغط هنا وحمل تطبيق وفيات
لَمْ تَكُنْ حَيَاةُ طَبِيبِ الأَسْنَانِ الدُّكْتُور مُحَمَّد القُسُوس، ابْنِ مُحَافَظَةِ الكَرَكِ، سِوَى تَرْجَمَةٍ حَيَّةٍ لِأَصَالَةِ النَّسِيجِ الأُرْدُنِيِّ الَّذِي تَتَلَاشَى فِيهِ الفَوَارِقُ أَمَامَ قِيَمِ المَحَبَّةِ وَالمَصِيرِ الوَاحِدِ؛ فَهُوَ الطَّبِيبُ المَسِيحِيُّ الَّذِي حَمَلَ اسْمَ "مُحَمَّد"، شَاهِداً بِاسْمِهِ وَسِيرَتِهِ عَلَى عُمْقِ التَّآخِي وَالتَّعَايُشِ التَّارِيخِيِّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الوَطَنِ مِنْ مُسْلِمِينَ وَمَسِيحِيِّينَ.
وَفِي مَدِينَةِ الزَّرْقَاءِ، لَمْ تَكُنْ عِيَادَتُهُ مُجَرَّدَ مَرْكَزٍ طِبِّيٍّ لِمُدَاوَاةِ الأَسْنَانِ، بَلْ مَلَاذاً لِكُلِّ مَنْ أَثْقَلَتْهُ تَكَالِيفُ العِلَاجِ، وَمَقْصِداً لِلْمُحْتَاجِينَ الَّذِينَ وَجَدُوا فِيهِ دَائِماً بَاباً مَفْتُوحاً وَإِحْسَاناً يُسْبَقُ بِالمَعْرُوفِ قَبْلَ الدَّوَاءِ؛ لِيَسْتَحِقَّ عَنْ جَدَارَةٍ لَقَبَ "طَبِيبِ الفُقَرَاءِ".
غَيْرَ أَنَّ رَصَاصَ الغَدْرِ وَالتَّطَرُّفِ الأَعْمَى، الَّذِي بَاغَتَ مَرَاسِمَ تَشْيِيعِ جَنَازَةٍ أَمَامَ كَنِيسَةِ في بَلْدَةِ "حَمُّود" فِي الكَرَكِ، أَبَى إِلَّا أَنْ يَخْتَطِفَ هَذِهِ القَامَةَ الإِنْسَانِيَّةَ؛ إِذْ تَرَجَّلَ الطَّبِيبُ النَّبِيلُ شَهِيداً مُتَأَثِّراً بِجِرَاحِهِ البَالِغَةِ، لِتَرْتَفِعَ بِرَحِيلِهِ حَصِيلَةُ ضَحَايَا الِاعْتِدَاءِ الإِرْهَابِيِّ إِلَى تِسْعَةِ شُهَدَاءِ، مُوَثِّقاً بِدِمَائِهِ الطَّاهِرَةِ حَقِيقَةً رَاسِخَةً: أَنَّ الإِرْهَابَ لَا دِينَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَهْدِفُ سِوَى رُوحِ الإِنْسَانِيَّةِ وَقَلْبِ الوَطَنِ.
اسْمٌ يَحْمِلُ هُوِيَّةَ الوَطَنِ.. مَسِيحِيٌّ اسْمُهُ "مُحَمَّد" يَدْحَضُ الفِكْرَ الظَّلَامِيَّ
جَسَّدَتْ هُوِيَّةُ الشَّهِيدِ وَسِيرَتُهُ الصَّفْعَةَ الأَقْسَى فِي وَجْهِ دُعَاةِ الفِتْنَةِ وَالتَّطَرُّفِ:
- رَمْزِيَّةُ الِاسْمِ وَالمُعْتَقَدِ: فِي قَلْبِ الكَرَكِ، كَانَ حَمْلُ طَبِيبٍ مَسِيحِيٍّ اسْمَ "مُحَمَّد" دَلَالَةً بَلِيغَةً عَلَى عُمْقِ الجِوَارِ وَأَخَوِيَّةِ الدَّمِ الَّتِي تَوَارَثَتْهَا العَشَائِرُ وَالعَائِلَاتُ الأُرْدُنِيَّةُ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ؛ حَيْثُ تَنْصَهِرُ الأَسْمَاءُ فِي وِعَاءِ المَحَبَّةِ وَالعَيْشِ الوَاحِدِ.
- الإِرْهَابُ لَا دِينَ لَهُ: أَثْبَتَتِ الجَرِيمَةُ النَّكْرَاءُ أَنَّ البَنَادِقَ المَأْجُورَةَ لَا تَنْتَمِي لِدِينٍ وَلَا لِأَخْلَاقٍ؛ فَقَدْ حَصَدَ الرَّصَاصُ رِجَالاً عُرِفُوا بِالبِرِّ وَالإِحْسَانِ، لِتَكُونَ دِمَاءُ الدُّكْتُورِ القُسُوس بُرْهَاناً عَلَى أَنَّ التَّطَرُّفَ يَسْتَهْدِفُ كُلَّ مَا هُوَ نَبِيلٌ وَجَامِعٌ فِي هَذَا الوَطَنِ.
- رِسَالَةُ التَّلَاحُمِ: كَانَ الشَّهِيدُ يُرَدِّدُ دَوْماً أَنَّ الأُرْدُنَّ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَا مَكَانَ فِيهَا لِبُذُورِ الفُرْقَةِ؛ فَكَانَ حُضُورُهُ فِي المُنَاسَبَاتِ وَالمَحَافِلِ رِسَالَةَ أُلْفَةٍ صَادِقَةٍ أَحْبَطَتْ كُلَّ مُحَاوَلَاتِ التَّمْزِيقِ المُجْتَمَعِيِّ.
عِيَادَةُ الزَّرْقَاءِ.. مَلْجَأُ البُسَطَاءِ وَمَيْدَانُ العَطَاءِ غَيْرِ المَشْرُوطِ
تَحَوَّلَتْ مَسِيرَةُ الدُّكْتُور القُسُوس فِي مَدِينَةِ الزَّرْقَاءِ إِلَى مَلْحَمَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ يَشْهَدُ لَهَا الصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ:
- "طَبِيبُ الفُقَرَاءِ": نَالَ هَذَا اللَّقَبَ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ لَا مِنَ الأَلْقَابِ الرَّسْمِيَّةِ؛ إِذْ فَتَحَ عِيَادَتَهُ لِعِلَاجِ الفُقَرَاءِ، وَأَبْنَاءِ المُخَيَّمَاتِ، وَالبُسَطَاءِ بِالمَجَّانِ، رَافِضاً أَنْ تَقِفَ الحَاجَةُ المَادِّيَّةُ حَائِلاً دُونَ حُصُولِ مُتَأَلِّمٍ عَلَى الشِّفَاءِ.
- صَوْتُ العَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ: عُرِفَ الشَّهِيدُ بِمَوَاقِفِهِ النِّضَالِيَّةِ وَالمِهْنِيَّةِ النَّاصِعَةِ؛ حَيْثُ كَانَ نَقَابِيّاً صُلْباً انْحَازَ دَائِماً لِحُقُوقِ المَحْرُومِينَ، جَاعِلاً مِنْ مِهْنَتِهِ الإِنْسَانِيَّةِ أَدَاةً لِخِدْمَةِ النَّاسِ وَرَفْعِ مَظَالِمِهِمْ.
- أَثَرٌ لَا يَمْحُوهُ الغِيَابُ: لَمْ يَبْنِ الشَّهِيدُ ثَرْوَةً مَالِيَّةً، بَلْ بَنَى رَصِيداً هَائِلاً مِنْ مَحَبَّةِ القُلُوبِ وَدَعَوَاتِ الأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي وَجَدْنَ فِي عِيَادَتِهِ بَلْسَماً لِأَوْجَاعِ أَبْنَائِهِنَّ.
اللَّحَظَاتُ الأَخِيرَةُ.. حِينَ غَدَرَ الرَّصَاصُ بِوَاجِبِ الجِوَارِ
شَهِدَتْ بَلْدَةُ "حَمُّود" فِي الكَرَكِ الفَصْلَ الأَخِيرَ مِنْ حَيَاةِ طَبِيبٍ عَاشَ لِلنَّاسِ وَارْتَقَى بَيْنَهُمْ:
- أَدَاءُ وَاجِبِ العَزَاءِ: تَوَاجَدَ الدُّكْتُور القُسُوس ظَهِيرَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ أَمَامَ الكَنِيسَةِ مُشَارِكاً فِي تَشْيِيعِ جَنَازَةِ أَحَدِ أَبْنَاءِ دِيرَتِهِ، مُلَبِّياً نِدَاءَ الوَاجِبِ وَالجِيرَةِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي رَبَطَتْ عَشِيرَتَهُ بِعَشَائِرِ المِنْطَقَةِ.
- مُبَاغَتَةُ الغَدْرِ: خِلَالَ الدَّقَائِقِ الخَمْسِ الدَّامِيَةِ الَّتِي صَبَّ فِيهَا الإِرْهَابِيُّونَ المُلَثَّمُونَ رَصَاصَهُمْ صَوْبَ المَشْهَدِ الجَنَائِزِيِّ، أُصِيبَ الطَّبِيبُ النَّبِيلُ بِإِصَابَاتٍ بَالِغَةٍ سَقَطَ عَلَى إِثْرِهَا مُضَرَّجاً بِدِمَائِهِ أَمَامَ بَابِ الكَنِيسَةِ.
- الرَّحِيلُ فِي العِنَايَةِ الحَثِيثَةِ: رَقَدَ "طَبِيبُ الفُقَرَاءِ" عَلَى سَرِيرِ الشِّفَاءِ لِسَاعَاتٍ كَافَحَتْ فِيهَا الفِرَقُ الطِّبِّيَّةُ لِإِنْقَاذِهِ، وَسْطَ ابْتِهَالَاتِ الآلَافِ مِنَ الأُرْدُنِيِّينَ، قَبْلَ أَنْ تَفِيضَ رُوحُهُ إِلَى خَالِقِهَا شَهِيداً لِلْوَاجِبِ وَالإِنْسَانِيَّةِ.
9 شُهَدَاءَ.. دِمَاءٌ زَكِيَّةٌ تُفْشِلُ رَهَانَاتِ التَّفْرِقَةِ
خَلَّفَ اسْتِشْهَادُ الدُّكْتُور مُحَمَّد القُسُوس حُزْناً جَارِفاً جَمَعَ أَبْنَاءَ الوَطَنِ فِي مَشْهَدِ حِدَادٍ شَامِلٍ:
- ارْتِفَاعُ حَصِيلَةِ الضَّحَايَا: بِارْتِقَاءِ الدُّكْتُور القُسُوس، تَرْتَفِعُ حَصِيلَةُ شُهَدَاءِ هَذَا الِاعْتِدَاءِ الغَاشِمِ إِلَى تِسْعَةِ شُهَدَاءِ، فِيمَا يُوَاصِلُ عِشْرُونَ جَرِيحاً تَلَقِّي العِلَاجِ فِي المُسْتَشْفَيَاتِ تَحْتَ إِشْرَافٍ طِبِّيٍّ حَثِيثٍ.
- رِثَاءُ البُسَطَاءِ فِي الكَرَكِ وَالزَّرْقَاءِ: وُدِّعَ الشَّهِيدُ بِدُمُوعِ المَحْرُومِينَ الَّذِينَ فَقَدُوا سَنَداً كَانَ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ قَسْوَةَ الحَيَاةِ، مُؤَكِّدِينَ أَنَّ ذِكْرَاهُ سَتَظَلُّ حَيَّةً فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا عِيَادَتِهِ وَبَيْنَ جُدْرَانِ بَلْدَتِهِ.
- انْكِسَارُ مَشْرُوعِ الإِرْهَابِ: أَثْبَتَ رَحِيلُ "طَبِيبِ الفُقَرَاءِ" أَنَّ رَصَاصَ الإِرْهَابِ حِينَ يَسْتَهْدِفُ رَمْزاً لِلتَّعَايُشِ لَا يَحْصُدُ إِلَّا الخَيْبَةَ؛ إِذْ تَحَوَّلَتْ دِمَاؤُهُ الطَّاهِرَةُ إِلَى رَابِطٍ جَدِيدٍ يَشُدُّ مَنَاعَةَ الأُرْدُنِيِّينَ، لِيَبْقَى اسْمُ "مُحَمَّد القُسُوس" عُنْوَاناً أَبَدِيّاً لِوَطَنٍ عَصِيٍّ عَلَى الفِتْنَةِ، تُصَانُ فِيهِ المَحَبَّةُ بِالدِّمَاءِ الزَّكِيَّةِ.
