يمن مونيتور/تعز/ من نادر الكحلاني
بين أغنية تعبر المتارس، وقصيدة تستنهض الحماسة في الأحياء الواقعة تحت القصف، وعمل درامي يخاطب الشارع ويفكك الشائعات، تتشكل جبهة فنية موازية للحرب في تعز، تستمد أدواتها من الكلمة والصوت والصورة، وتسعى إلى إبقاء الروح المعنوية للمجتمع حية تحت ضغط المواجهات. ومع اتساع التصعيد العسكري، لم يعد حضور الفنانين مقتصرًا على التعبير عن الحرب، بل امتد إلى مساندة المقاتلين، ومخاطبة الجمهور، والانخراط في أنشطة مرتبطة بالجبهات.
ومع عودة التصعيد العسكري في اليمن، ولا سيما في تعز، وتجدد الهجمات على المدينة من جبهات عدة، برز موقف الفنانين بوصفه جزءًا من التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي في المحافظة. فقد انتقل بعضهم من المساحات الفنية والإعلامية إلى التعبير العلني عن مواقفهم، فيما اتجه آخرون إلى إنتاج أعمال درامية وإذاعية تستهدف رفع الوعي، ومواجهة الشائعات، ومساندة المجتمع في ظروف الحرب.
في هذه التجربة، لم يعد الفن مجرد مساحة للترفيه أو متنفسًا من ضغوط الحياة اليومية، إذ اختار فنانون تحويل أدواتهم الإبداعية إلى وسيلة للتعبير عن مواقفهم من الحرب، والمشاركة في تشكيل الوعي العام. غير أن هذا الانحياز لم يخلُ من أثمان، إذ يقول بعضهم إن مواقفهم انعكست على فرص عملهم وحضورهم في المشهد الفني، لتتجاوز معركتهم حدود المواجهة إلى سؤال آخر يتعلق بمستقبلهم المهني ومكانتهم داخل الوسط الثقافي.
مسؤولية الموقف
في لحظات التحول الكبرى، تتقلص المساحات الرمادية، وتصبح الحيادية، في نظر بعض الفنانين، عجزًا أو تنصلًا من المسؤولية الأخلاقية. ومع اتساع رقعة القصف واستهداف المؤسسات التي تمس حياة الناس اليومية، يجد المبدع نفسه في مواجهة مباشرة مع أسئلة الوجود والكرامة الوطنية.
في حديثه لـ«يمن مونيتور»، يعود الممثل والفنان حسام الشراعي إلى لحظات التصعيد الأولى، ليرسم خط الفصل بين الصمت والموقف، قائلًا:
«حينما تم قصف كلية الطب باستخدام الصواريخ الباليستية، وهي، كما يعرف الكل، منشأة مدنية تقع وسط أحياء سكنية مكتظة بالسكان، وحينما بدأوا بإعلان زحفهم نحو مدينة تعز بعد سقوط المخا، كان الحياد عارًا لحظتها، والصمت عارًا».
وفي السياق ذاته، يرى المخرج والفنان المسرحي الدكتور عامر البوصي، وهو من أوائل الفنانين الذين وقفوا إعلاميًا في وجه الحوثيين، أن معركة اليوم هي معركة بين الحرية والاستعباد، ولا تحتمل الوقوف في المنتصف. ويوضح في حديثه لـ«يمن مونيتور»:
«قضيتنا اليوم هي قضية اعتبار وأرض وعرض وحرية، وما دامت المعركة بين الاستعباد والحرية، فلا مكان لطرف ثالث ولا مكان للحياد. لكل من يقول اليوم: أنا محايد أو أنا فنان بعيد عن الأحداث، نقول إن المرحلة لا تحتمل طابورًا ثالثًا، فالمواجهة واجبة لحماية المجتمع وليست مجرد رفاهية خيار».
ولم يكن هذا التحول، وفقًا لهذا الموقف، وليد تجاذبات سياسية أو انحيازًا لصراعات الأحزاب والسياسيين، وإنما جاء استجابةً لدعوات حماية السلم المجتمعي ومواجهة مشروع يسعى إلى مصادرة الإرادة وفرض القناعات بالقوة. وهنا يتحول صوت الفنان إلى تعبير عن رفض الخضوع واستعادة الاستقلالية والكرامة.
وعن حقيقة هذا التمايز بين الانخراط في المناكفات السياسية والاصطفاف مع قضايا المجتمع، يؤكد الشراعي لـ«يمن مونيتور» أن:
«السجال السياسي ليس ميدان الفنان، وهذا كلام حق، لكن ما يحدث اليوم ليس سياسة ولا علاقة للسياسة به. الفنان اليوم هو فرد من مجتمع تريد جماعة الحوثي فرض قناعاتها عليه بالقوة، لذا فعلًا نحن لم نتدخل في السياسة، نحن خرجنا لنقف في صف الوطن في مرحلة مفصلية من تاريخ الصراع فيه».
من الشاشة والميكروفون إلى الميدان
مع التحولات المتتالية في أنماط الصراع الحديث، يتجاوز خط المواجهة الحدود الجغرافية للجبهات ليصل إلى الفضاء الرقمي والمنصات الإبداعية، حيث تصبح الفكرة والكلمة أداة للتأثير المباشر في الوعي الجمعي، وتفكيك خطابات الحشد والعنف.
وفي هذا السياق، يشدد الشراعي على أهمية الدور الذي تؤديه الفنون والوسائط الثقافية في تحصين المجتمع، قائلًا:
«اليوم أصبحت المعارك تنتقل من فوهة البندقية في الميدان إلى لوحة المفاتيح والوسائط الإبداعية، ولذا كل حرف، وكل صوت، وكل أغنية ولحن ومنشور هو مترس من متارس الجمهورية. والمعركة هنا أهم لأنها معركة الوعي».
وقد تجسد هذا الإيمان بمعركة الوعي عمليا في نتاج مبدعي تعز، الذين أسسوا لما يُعرف بـ«الفن المساند» في أصعب الظروف الإنسانية والميدانية. ويستحضر الدكتور عامر البوصي تلك التجربة التأسيسية بقوله:
«نحن فنانو الثورة والحرية والمقاومة، انطلقنا من داخل تعز وأسسنا الفن المساند للجيش والمجتمع؛ كتبنا وأنتجنا أعمالًا درامية ومسرحية وإذاعية واجهت الخطاب الانقلابي بلا ستار، كمسلسل “حالتي حالة”، والبرنامج الإذاعي “قالوا يقولوا”، لتفكيك الشائعات وتوعية الشارع بحقيقة المشروع الطارئ. الفنان في نهاية المطاف هو ثائر ومقاوم وصاحب كلمة حق تحمل هموم ناسها ووطنها».
وفي السياق ذاته، وجّه البوصي نداءً صريحًا إلى القيادة السياسية والمجلس الرئاسي وقادة الجيش الوطني، محذرًا من تهميش الكوادر الفنية والإعلامية التي أخذت على عاتقها مواجهة المشروع الحوثي منذ اللحظات الأولى. وأكد ضرورة الحفاظ على تضحيات الشباب وعدم التفريط في جهودهم أو تجاهل معاناتهم، مشددًا على أن المرحلة تتطلب الاصطفاف والوقوف مع المبدعين الحقيقيين الذين جعلوا من الكلمة والعمل الدرامي والمسرحي جبهة دفاع عن الجمهورية والكرامة.
وانتقد البوصي بمرارة حالة الإقصاء والتجاهل التي تطال فناني المقاومة في تعز، موضحا أن الفريق الذي أسس الفن المساند للجيش الوطني يجد نفسه مهمشًا ومغيبًا للسنة الثالثة على التوالي، في حين يُفسح المجال لعناصر شاركت سابقًا في الأعمال التوجيهية للميليشيات.
وتساءل باستنكار عن سبب مكافأة الإعلام الحر بهذا الإهمال، مؤكدًا أنه رغم أن ما قُدّم على مدى أحد عشر عامًا كان واجبًا وطنيًا ودينيًا، ولم يُبتغَ منه سوى حرية الوطن، فإن هؤلاء الفنانين والمبادرين يستحقون التقدير والإنصاف والرعاية، لا التجاهل والخذلان، خصوصًا مع عودة المواجهات وتجدد التهديد الحوثي لمدينة تعز ومدن أخرى.
وتثبت هذه الإسهامات التي يقدمها فنانو تعز أن الفعل الفني أضحى ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة والوعي الوطني، ورسالة صمود تؤكد أن صوت الفن والمستقبل سيظل دائمًا أعلى من صوت البندقية.
وعلى امتداد سنوات الحرب، وجد فنانو تعز أنفسهم أمام واقع فرض عليهم إعادة النظر في دورهم داخل المجتمع. فبعضهم اختار التعبير عن موقفه عبر الأغنية والقصيدة والعمل الدرامي، وبعضهم اتجه إلى المنصات الرقمية، فيما شارك آخرون في أنشطة تستهدف مساندة المقاتلين والمجتمع. وتكشف تجربة هؤلاء عن علاقة معقدة بين الفن والحرب؛ إذ يصبح العمل الإبداعي وسيلة للتعبير عن الموقف وأداة للتأثير في الجمهور، لكنه قد يتحول أيضًا إلى سبب في التضييق على صاحبه أو تقليص فرصه المهنية، بحسب ما يرويه فنانون من داخل التجربة.
وفي تعز، حيث تتداخل الجبهات العسكرية مع تفاصيل الحياة اليومية، لا تنفصل أسئلة الفن عن أسئلة الحرية والاستقلال المهني وحق الفنان في العمل. فالفن الذي اختار بعض أصحابه أن يجعلوه جزءًا من المواجهة يجد نفسه أمام اختبار آخر: هل يستطيع الحفاظ على مكانته ودوره بعد أن يصبح موقف صاحبه جزءًا من هويته الفنية؟
وبينما تتواصل الحرب، يظل الفنانون الذين اختاروا الانخراط في هذا المسار متمسكين بدور يرونه امتدادًا لمسؤوليتهم تجاه مجتمعهم. غير أن قيمة هذه التجربة لا تتحدد بالمواقف وحدها، وإنما أيضًا بما تتركه من أعمال، وبقدرتها على توثيق معاناة الناس وحفظ ذاكرتهم، وبما إذا كان أصحابها سيجدون مساحة لمواصلة الإبداع دون أن تتحول مواقفهم إلى قيد دائم على مستقبلهم المهني.
The post الفن كفعل مقاومة.. فنانو تعز من خشبة المسرح إلى جبهات الحرب appeared first on يمن مونيتور.
