من الخرطوم إلى نيالا، ومن منجم تعدين أهلي في جنوب كردفان إلى بلدة في غربها ومحطة كهرباء في النيل الأبيض، انهالت الطائرات المسيّرة على السودان هذا الأسبوع، فأودت بحياة المئات، ودمّرت منازل وأرزاقًا ومرافق حيوية.
تبادل الطرفان الاتهامات، وأشار كل منهما إلى دول جوار قال إنها سمحت بمرور المسيّرات عبر حدودها. وفيما ظلّت بعض الضربات بلا من يتبناها، لم يمنع صمت الجيش عن غارته على منطقة «أبيي» المتنازع عليها جوبا من استدعاء سفير السودان لديها في اليوم ذاته، محذّرة مما وصفته بـ«تطور خطير» في منطقة تعد مثار قلق بين الجارتين بالفعل. وبعد أيام، دخلت الخرطوم على الخط، حين أصدرت وزارة الخارجية، اليوم، بيانًا تنفي فيه تورط الجيش في الهجمة.
أضرمت الغارة على سوق النعام الخاضع لسيطرة الدعم السريع في «أبيي» النيران في مستودعات الوقود، وظلّت الحرائق تلتهم المكان حتى تجاوزت الحصيلة 150 قتيلًا ونزح الآلاف، وخرج الأهالي إلى الشوارع احتجاجًا، حسبما قال ناشط ومصدر في إدارة أبيي.
تكررت التحذيرات هذا الأسبوع من حرب المسيّرات وكلفتها الإنسانية في مجلس الأمن وجنيف وأروقة الوسطاء بالنبرة نفسها التي سُمعت طوال أشهر، ولا تنتهي إلى أكثر من ضغط يتراكم على أطراف الحرب لوقف القتال.
غير أن الخرطوم لن تقبل بأي هدنة قبل إنهاء سيطرة «الدعم السريع» على الأراضي، ولن ترضى برؤيتها على طاولة أي عملية سياسية تحسم مستقبل البلاد. لهذا، وبدلًا من الالتزام بتسوية أوسع، تسعى الآن إلى إثبات قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في الملف الإنساني، رهانًا منها على أن أي حراك في إيصال المساعدات وحماية المدنيين سيخفف وطأة الانتقادات الدولية، حسبما قال مسؤولون سابقون وحاليون ومصادر مقربة من مجلس السيادة الانتقالي لـ«مدى مصر».
ومن هنا كتبت الخرطوم إلى العواصم الغربية خلال الأسبوع، وجلست إلى الأمم المتحدة لبحث إيصال المساعدات تحت رقابة دولية، في خطوات تتيح لها أن تبدو منفتحة على الانخراط دون أن تقبل شروطًا ترفضها، بحسب مسؤولين سابقين. بيد أن أي خطة، كما أضافوا، لا بد أن تُبقي المساعدات تحت سلطة مؤسسات الدولة.
على الضفة الأخرى، تحاول الإدارة الموازية لـ«الدعم السريع» التشبث بالاعتراف الذي تحاول الخرطوم سلبه منها، غير أن خلافاتها الداخلية قد تفسد عليها ذلك. فمجلس وزراء «تأسيس» يحاول انتزاع الإشراف على المساعدات الطبية من وزير الصحة الذي احتج لشهور على تدخل «الدعم السريع» وشخصيات نافذة تسعى لاحتكار الإمدادات الطبية. وبمغادرة الوزير إلى نيروبي احتجاجًا الأسبوع الماضي، تتحسس حكومة أنهكتها الانشقاقات خطاها، خشية خروج آخر يُمعن في تشويه صورتها كإدارة فعّالة أمام منظمات الإغاثة.
في النيل الأزرق، ما زالت كفة السيطرة تتأرجح، فقد سعت «الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، هذا الأسبوع، إلى السيطرة على قاعدتين للجيش في محلية الكرمك، من الشبكة التي تحمي عاصمة الولاية الدمازين، وإن تضاربت الروايات حول مآل المعركة. أما الجيش، فقد تقدّم في محلية قيسان المجاورة واستعاد سيطرته على منطقتين قال ضابط عسكري سابق إنهما قد تسهمان في كبح تقدم «الدعم السريع» الجديد في محلية ود الماحي
الجيش يقصف سوق «النعام» في أبيي المُتنازع عليها.. وجوبا تحتج

وكيلة وزارة خارجية جنوب السودان، أجنيس أدلينو، والسفير السوداني لدى جوبا، عصام كرار، يتحدثان عن قصف سوق «النعام» في أبيي، 19 أكتوبر. المصدر: الوزارة على «فيسبوك»
أثار قصف بطائرة مسيّرة نفّذه الجيش السوداني، الاثنين الماضي، استهدف سوق «النعام» شمالي أبيي، المنطقة المتنازع عليها المحاذية لجنوب السودان ولغرب كردفان الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع» من الشمال، توترًا دبلوماسيًا جديدًا بين الخرطوم وجوبا.
وارتفعت حصيلة قتلى القصف إلى أكثر من 150 شخصًا، بعدما تسببت حرائق اندلعت في مستودعات الوقود التي طالها الهجوم في إعاقة عمليات انتشال الجثامين في البداية، بحسب مصدر في مكتب يوحنا أكول نقور، وزير الإعلام المكلف في إدارة أبيي، تحدث إلى «مدى مصر»، أضاف أن الهجوم أدى أيضًا إلى نزوح نحو ثمانية آلاف شخص.
وفي ردّها على الهجوم، استدعت وزارة خارجية جنوب السودان، في اليوم نفسه، السفير السوداني لدى جوبا، عصام كرار، لإبلاغه احتجاجها على القصف، بحسب مصدر في الوزارة تحدث إلى «مدى مصر»، أوضح أن وكيلة وزارة الخارجية، أجنيس أدلينو، أبلغت السفير أن استهداف السوق يمثل تطورًا خطيرًا يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع تكرار الهجوم وضمان حماية المدنيين.
لم يصدر عن الجيش السوداني نفسه أي رد فوري. وبعد أيام من الهجوم، وفي الساعات الأولى من اليوم، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا أعربت فيه عن أسفها لسقوط ضحايا، ونفت نفيًا قاطعًا أن يكون للجيش أي صلة به، واصفةً الغارة بأنها «تشبه الجرائم التي ما زالت المليشيا الارهابية تستمر في ارتكابها». غير أن مصدرًا رفيعًا في هيئة أركان الجيش قال إن الجيش استهدف شاحنات وقود قادمة من جنوب السودان كانت متجهة إلى «الدعم السريع». ونفى المصدر استهداف مدنيين، مدعيًا أن القتلى كانوا من عناصر «الدعم السريع»، وأن الضربات استهدفت شاحنات تابعة للقوات في «نقاط خارج السوق، وليس كل السوق».
وفي اليوم الثاني للقصف، شهدت أبيي احتجاجات شارك فيها سكان وناشطون من منظمات المجتمع المدني، تنديدًا بالهجوم ومطالبةً بحماية المدنيين، بحسب مصدر في منظمات المجتمع المدني بالمنطقة تحدث إلى «مدى مصر».
كما دعا بولابيك دينق كوال، الزعيم التقليدي للدينكا نقوك، إحدى المجموعتين القبليتين الرئيسيتين في المنطقة إلى جانب المسيرية، الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» وحكومة جنوب السودان إلى التحرك لحماية السكان، بحسب المصدر.
من جانبه، أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الهجوم في بيان صدر مساء الثلاثاء، محذرًا من احتمال ارتفاع حصيلة القتلى، في ظل استمرار قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي في التحقق من أعداد الضحايا ووجود عدد كبير من المفقودين.
وقال جوتيريش: «أدعو حكومتي جنوب السودان والسودان إلى اتخاذ جميع التدابير الممكنة للمساعدة في منع وقوع مزيد من الهجمات والحفاظ على وضع نزع السلاح في أبيي».
ويمثل سوق النعام شريانًا اقتصاديًا مهمًا لسكان المنطقة، إذ جعلته التجارة العابرة للحدود مصدرًا رئيسيًا للدخل لكل من الدينكا نقوك والمسيرية، بحسب مصدر من المسيرية تحدث سابقًا إلى «مدى مصر». ويخضع السوق لسيطرة «الدعم السريع»، شأنه شأن بقية ولاية غرب كردفان، واستخدمته القوات لتأمين إمدادات الوقود، كما اتخذته نقطة لتجميع المقاتلين وحشدهم، ومن بينهم مقاتلون من جنوب السودان جرى تجنيدهم للقتال إلى جانبها، بحسب المصدر.
ويقع السوق في منطقة لم يُحسم وضعها السياسي منذ عقود، فقد نص اتفاق السلام الشامل لعام 2005 على ترتيبات خاصة لأبيي، ودعا إلى إجراء استفتاء لتحديد ما إذا كانت المنطقة ستتبع السودان أم جنوب السودان، لكن الاستفتاء لم يُجرَ حتى الآن، كما لم يؤد استقلال جنوب السودان عام 2011 إلى تسوية النزاع على السيادة. ولا تزال قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي تتولى المهام الأمنية في المنطقة.
هذا الوضع المعلّق جعل أبيي عرضة للتوترات بين البلدين، لا سيما في ظل حركة السكان والبضائع والجماعات المسلحة عبر حدود لا يزال وضعها محل خلاف سياسي.
وتجدد الخلاف مع استعداد جنوب السودان لإجراء أول انتخابات عامة في ديسمبر المقبل، بعدما أثار قرار جوبا الصادر في يونيو الماضي، إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية غضب الخرطوم، ودفع إلى تحركات دبلوماسية إقليمية لاحتواء التوترات والحيلولة دون تأثير النزاع على العملية الانتخابية.
وفي موازاة ذلك، شرعت الحكومة السودانية في إعادة ترتيب آليات تعاملها مع ملف أبيي، ففي مطلع أكتوبر الجاري، عيّن البرهان اللواء المتقاعد الخير أبو مريدات رئيسًا للجانب السوداني في اللجنة الإشرافية المشتركة على أبيي، خلفًا للفريق شرطة حامد منان.
وقال أبو مريدات لـ«مدى مصر» إن اللجنة ستعود إلى الاتفاقيات الموقعة بين البلدين وتسعى إلى «معالجة الخلافات بالوسائل السلمية»، لكنه أكد مجددًا موقف الخرطوم القائل بتبعية أبيي للسودان.
وفي 15 أكتوبر، ترأس وزير الخارجية السوداني، محيي الدين سالم، الاجتماع الأول للفريق الوطني للتفاوض بشأن أبيي، الذي شُكّل بموجب قرار أصدره البرهان في أواخر سبتمبر.
وقال سالم، في تصريحات بثها راديو السودان، إن الفريق يسعى إلى استئناف المفاوضات مع جنوب السودان بشأن إدارة المنطقة وترتيباتها الأمنية ووضعها النهائي، استنادًا إلى بروتوكول أبيي لعام 2005 واتفاق الترتيبات المؤقتة لإدارة منطقة أبيي وأمنها لعام 2011.
مسيّرات «الدعم السريع» تقتل العشرات في سوق للتعدين الأهلي بجنوب كردفان

جانب من الدمار الذي خلفه هجوم «الدعم السريع» على سوق منجم «باجون» للتعدين الأهلي في محلية قدير بولاية جنوب كردفان، 16 أكتوبر. المصدر: الشركة السودانية للموارد المعدنية على «فيسبوك»
قُتل ما لا يقل عن 45 شخصًا وأُصيب العشرات، في 16 أكتوبر الجاري، إثر قصف بطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع استهدف سوق منجم «باجون» للتعدين الأهلي في محلية قدير الخاضعة لسيطرة الجيش، شرقي ولاية جنوب كردفان، بحسب مصدر طبي في المنطقة تحدث إلى «مدى مصر». ويأتي الهجوم بعد أقل من أسبوع على استهداف المنجم للمرة الأولى، في 10 أكتوبر الجاري، حين شنّت المسيرات هجومًا لم يسفر عن سقوط قتلى، بحسب معدّنين اثنين في المنطقة تحدثا إلى «مدى مصر».
واستهدف الهجوم الأخير سوقًا يعتمد عليه المعدّنون والتجار وغيرهم من العاملين في أنشطة إنتاج الذهب لتأمين مصادر دخلهم، كما ألحق أضرارًا بمنشآت المعالجة والمحلات التجارية المحيطة بها، ما يهدد بفقدان مئات الأشخاص مصادر رزقهم في منطقة تعاني من محدودية البدائل الاقتصادية وضعف خدمات الإغاثة، بحسب المعدّنين.
واتهم المعدّنان «الدعم السريع» بتنفيذ الهجوم، وهو الاتهام الذي وجهته إليها أيضًا الشركة السودانية للموارد المعدنية، التي تشتري الذهب من المعدّنين الأهليين في باجون.
وفي بيان أصدرته السبت الماضي، قالت الشركة إن التقييمات الأولية كشفت عن أضرار لحقت بأربعة مجمعات رئيسية تضم طواحين لاستخلاص الذهب ومعالجته، دون الإشارة إلى سقوط ضحايا، مرجحةً أن يكون عدد العاملين الموجودين في الموقع أقل من المعتاد، لتزامن الهجوم مع يوم الجمعة.
لكن السوق كان مزدحمًا وقت القصف، بحسب مصدر مقرب من المعدّنين وأسر القتلى، أوضح أن المسيّرات استهدفت السوق الرئيسي وطواحين المعالجة المائية في ضربات متتابعة، ما تسبب في اندلاع حرائق امتدت إلى محلات تجارية ومناطق تخزين مجاورة. وأضاف أن بين الموجودين في الموقع معدّنين وعمالًا وأصحاب متاجر وأشخاصًا يعملون في الخدمات المرتبطة بالتعدين.
وبدأت حصيلة القتلى تتضح مع انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، بحسب المصدر الطبي، الذي يشارك في لجان حصر الضحايا المحلية بمحلية قدير. وقال إن صعوبة الوصول إلى الموقع وانقطاع شبكات الاتصالات أعاقا عمليات إجلاء المصابين وتبادل المعلومات بين فرق الإنقاذ.
ولا تزال الحصيلة النهائية للضحايا غير معروفة، إذ لم تُعدّ بعد قائمة نهائية بأسمائهم حتى الآن، كما لم يتوافر إحصاء مفصل بحسب العمر أو الجنس، بحسب المصدر الطبي.
واضطلع الأهالي ومجموعات الإغاثة المحلية بدور رئيسي في نقل المصابين إلى المرافق الصحية، مستخدمين وسائل بدائية، بحسب المصدر، الذي أوضح أن الجرحى نُقلوا إلى مرافق صحية في محليات قدير والليري وتلودي، حيث تزيد محدودية الإمدادات الطبية والطاقة الاستيعابية من صعوبة علاجهم، فيما يواجه المصابون الذين يحتاجون إلى جراحات عاجلة أو النقل إلى مستشفيات أكثر تجهيزًا مخاطر أكبر.
بالتوازي، تواجه أسر الضحايا صعوبة في معرفة مصير ذويها، إذ يعمل متطوعون محليون على دفن القتلى والتعرف على هوياتهم، لكن انتماء عدد من العاملين في المنجم إلى ولايات سودانية أخرى يعقّد هذه المهمة، بحسب المصدر، الذي أضاف أن اضطراب شبكات الاتصالات يزيد من صعوبة التواصل مع الأسر والتحقق من بلاغات الوفاة والإصابة وفقدان الاتصال بالعاملين.
وتستقطب مواقع التعدين الأهلي عاملين من مختلف أنحاء السودان، وتدعم شبكة أوسع تضم التجار والناقلين ومورّدي المعدات وأصحاب الأنشطة التجارية التي توفر الغذاء والاحتياجات الأساسية، ومن ثم فإن الأضرار التي لحقت بمنشآت باجون تهدد مصادر دخل آخرين يعتمدون على حركة الإنتاج والتجارة المرتبطة بالتعدين، حسب المصدر.
مسؤول في حكومة جنوب كردفان مطّلع على التطورات الميدانية قال لـ«مدى مصر» إن الهجوم وقع في منطقة تتداخل فيها مواقع التعدين والطرق التجارية ومناطق السيطرة العسكرية المتنازع عليها، ما يربط إنتاج الذهب الأهلي بالشبكات الاقتصادية واللوجستية المرتبطة بالحرب، مضيفًا أن «الدعم السريع»، في رأيه، تنظر إلى مناطق التعدين باعتبارها ذات أهمية استراتيجية، لارتباطها بعائدات الذهب والتجارة المحلية.
وقد يتوقف الإنتاج في باجون لحين تقييم الأضرار التي لحقت بمنشآت المعالجة وإصلاحها، إذ يعتمد استئناف العمل على حجم الأضرار التي أصابت المعدات وشبكات إمداد الطاقة وغيرها من البنية التشغيلية، بحسب مصدر مطّلع على أعمال الشركة السودانية للموارد المعدنية تحدث إلى «مدى مصر».
وتواصل الشركة التنسيق مع فرقها الفنية ومكاتبها الإقليمية لتقييم الأضرار وتحديد انعكاساتها على الإنتاج وتسليم الذهب في الولاية، بحسب مسؤول في إدارة البيئة والسلامة بالشركة.
أيام من غارات مسيّرات الجيش على نيالا
تعرضت مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، لقصف مكثف بطائرات مسيّرة تابعة للجيش على مدار الأسبوع، في واحدة من أكبر الحملات الجوية على مقر الإدارة الموازية التي تقودها «الدعم السريع» منذ شهور.
بدأت الغارات، الجمعة الماضي، بضربات وصفها مصدر عسكري بـ«الأعنف منذ شهور»، وطالت عدة مواقع، منها سوق المواشي شمالي المدينة، وأوضح المصدر أنها استهدفت عربات مصفحة تتبع لـ«الدعم السريع»، وحي السينما، حيث استُهدف معسكر للتدريب أنشأته «الدعم السريع» داخل جامعة نيالا.
وقال تحالف تأسيس، في بيان، إن قصف السوق المزدحم أسفر عن مقتل 30 مدنيًا على الأقل وإصابة 43، زاعمًا أن الطائرة المسيّرة انطلقت من القاعدة العسكرية المصرية الواقعة شرق العوينات.
في المقابل، أعلن الجيش أن قواته الجوية نفذت ضربات «مركزة» استهدفت مراكز قيادة «الدعم السريع» وتمركزات من وصفهم بمرتزقتها في نيالا، ما أسفر عن مقتل العشرات منهم وتدمير مراكز القيادة.
واستؤنفت الغارات، الأحد الماضي، واستمرت حتى الأربعاء، مستهدفةً مخازن ذخائر ومقرات لقادة ميدانيين تابعين لـ«الدعم السريع»، حسبما نقل مصدر عسكري وأحد سكان المدينة لـ«مدى مصر»، مضيفين أن الغارات أسفرت أيضًا عن سقوط قتلى ومصابين مدنيين.
مسيّرات «الدعم السريع» تضرب الخرطوم.. ومنطقة المطار في مقدمة الأهداف
بعد أيام فقط من بدء مسيّرات الجيش قصف نيالا، العاصمة الفعلية لـ«الدعم السريع»، تعرضت الخرطوم لموجات من هجمات الطائرات المسيّرة التابعة للأخيرة، تركزت في منطقة مطار الخرطوم الدولي في وسط العاصمة، وامتدت إلى مناطق أخرى في جنوبها وشرقها.
وأكد ثلاثة شهود عيان لـ«مدى مصر» سماع دوي انفجارات شرقي الخرطوم، بدأ أولها حوالي الساعة السادسة والنصف من صباح الاثنين الماضي، واستمر القصف على خمس موجات طوال النهار والمساء، بالتزامن مع سماع أصوات المضادات الأرضية التي أطلقها الجيش.
وسقطت مسيّرتان في حيي بري وامتداد ناصر شرقي المطار، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال من أسرة واحدة، وأُصيبت والدتهم بجروح خطيرة، فيما دُمّرت أجزاء من المنزل، حسبما أكد مسؤول لـ«مدى مصر».
وعبرت المسيّرات أجواء شرقي ولاية الجزيرة وشمالها، وشوهد بعضها يعبر أجواء محلية شرق النيل باتجاه شرق العاصمة، وفق ما قاله مصدر عسكري لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أن أجهزة الرصد رجّحت انطلاقها من منصات في مدينة الرنك بجنوب السودان، ومدينتي بحر دار في إقليم أمهرة وأصوصا في إقليم بني شنقول-قمز داخل الأراضي الإثيوبية.
وفي الأربعاء، أسقطت الدفاعات الأرضية ثلاث مسيّرات، إحداها في منطقة الباقير جنوبي الخرطوم، واثنتان في شرق النيل، حسبما أضاف المصدر العسكري.
كانت منطقة مطار الخرطوم الدولي من أبرز أهداف الهجمات، بعدما شكل المطار مركزًا رئيسيًا لقوات الدعم السريع خلال الحرب، وشهد بعضًا من أشرس معارك العاصمة، قبل أن يعود إلى الخدمة في فبراير الماضي بعد توقفه منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وفي مايو الماضي، بعد أسبوع واحد فقط من استئناف الرحلات الدولية، تعرض المطار لضربات بطائرات مسيّرة، نسبتها الخرطوم علنًا إلى إثيوبيا، ما فجّر خلافًا دبلوماسيًا لا يزال يتصاعد منذ ذلك الحين.
وبينما ألحقت هجمات مايو أضرارًا بمرافق المطار ومدرجه، قال مهندس يعمل بالمطار لـ«مدى مصر» إن هجمات هذا الأسبوع لم تُلحق أي أضرار.
وقال المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة، أمجد فريد، الاثنين الماضي، إن المطار يواصل عمله بصورة طبيعية رغم ما وصفه بـ«هجمات إرهابية انطلقت من بعض دول الجوار».
مسيّرة لـ«الدعم السريع» تقصف محطة كهرباء تندلتي وتقطع التيار عن مدن في شمال كردفان
أطلقت مسيّرة استراتيجية تتبع لـ«الدعم السريع» صاروخين على محطة الكهرباء التحويلية في مدينة تندلتي بولاية النيل الأبيض، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء الماضي، ما تسبب في اندلاع حريق وخروج المحطة من الخدمة، حسبما قال مصدر عسكري لـ«مدى مصر».
وتغذي المحطة المستهدفة الخط الرئيسي الناقل للكهرباء إلى ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى انقطاع التيار عن ثلاث مدن هي أم روابة والرهد والأبيض، عاصمة الولاية، فضلًا عن عدد من القرى والبلدات، وفق ما أوضح ناشط محلي في أم روابة لـ«مدى مصر».
وعادت الكهرباء إلى شمال كردفان مساء الأربعاء الماضي، بعد إصلاح شركة توزيع الكهرباء بالولاية الخط الناقل، بحسب مسؤول في الشركة، بينما لا تزال تندلتي نفسها في ظلام تام، وقد تستمر أعمال صيانة المحول وإعادة الكهرباء إلى المدينة حتى منتصف الأسبوع المقبل، حسب المسؤول.
وبدأ انقطاع التيار ينعكس على بقية الخدمات، إذ ظهرت أزمات في توفير الخبز والمياه في تندلتي، حسبما قال الناشط، متوقعًا تفاقم الأوضاع إذا طال أمد المشكلة.
عشرات القتلى في قصف مسيّرة تابعة للجيش على بلدة بغرب كردفان
قُتل 84 شخصًا وأُصيب آخرون في غارات جوية بطائرات مسيّرة تابعة للجيش على بلدة الدبب بولاية غرب كردفان، الأحد الماضي، حسبما أكد مصدر طبي في المنطقة لـ«مدى مصر»، وسط تضارب في الروايات بشأن ما إذا كان المستهدفون مدنيين في طريقهم للتنقل أم مقاتلين من «الدعم السريع» جري نقلهم نحو جبهات القتال.
ثلاثة موظفين سابقين في حكومة غرب كردفان موالين لـ«الدعم السريع» ويقيمون في المجلد، قالوا لـ«مدى مصر» إن مسيرات الجيش استهدفت شاحنات تقل مواطنين، بينما قال ناشط محلي من أبناء المنطقة إن المسيّرات استهدفت مستنفري «الدعم السريع» الذين كانوا في طريقهم إلى نيالا، ومنها إلى محاور القتال.
وأوضح الناشط أن هؤلاء الشباب حُشدوا تحت إشراف قائد «الدعم السريع»، آدم قارح، وتم تجميعهم في مبانٍ كان يستغلها جهاز الأمن التابع لـ«الدعم السريع» في وقت سابق، قبل ترحيلهم على متن شاحنتين برفقة عدد من العربات القتالية.
وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة توثق اللحظات التي سبقت استهداف الشاحنتين، إلى جانب أسماء القتلى.
من جانبه، وصف تحالف تأسيس التجمع بأنه مدني، وقال في بيان إن المستهدفين كانوا قد اجتمعوا بعد أداء واجب العزاء، وكانوا يستعدون للتنقل بشاحنة. وبحسب التحالف، قصفت المسيّرة الشاحنة أولًا ثم عادت لاستهداف المتجمعين لإسعاف المصابين، ما أدى إلى سقوط 80 قتيلًا وعدد كبير من الجرحى، بينهم نساء وأطفال.
وأضاف «تأسيس» أن المسيّرة نفسها قصفت مدينة المجلد بصاروخ سقط بالقرب من مدرسة للطالبات، ما أسفر عن إصابتين على الأقل.
وقالت مجموعة محامو الطوارئ الحقوقية إن طائرات مسيّرة تابعة للجيش قصفت سوق المجلد، السبت الماضي، وجددت قصفها لمنطقة الدبب، ما أسفر عن مقتل العشرات، بينهم مدنيون وأطفال.
وتأتي هذه الضربات في وقت يكثف فيه الجيش استعداداته لشن عمليات برية واسعة من شمال كردفان نحو شمالي غرب كردفان، بينما تصاعدت الغارات الجوية على مواقع «الدعم السريع» في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة.
وشن سلاح الجو، على مدار الأسبوع الماضي، غارات مكثفة على مناطق الخوي وأبو عضام والنايم وأم مراحيك والأضية وبابنوسة في غرب كردفان، بهدف تدمير قدرات «الدعم السريع» وقطع خطوط إمدادها، حسبما قال مصدر عسكري في الفرقة الخامسة مشاة بمدينة الأبيض لـ«مدى مصر».
«الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان هجماتهما على محور الكرمك.. والجيش يستعيد منطقتين في قيسان
دخلت محلية الكرمك بولاية النيل الأزرق أسبوعها الثاني من هجمات «الدعم السريع» والحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا، اللتين تسعيان إلى التقدم من مواقعهما باتجاه القواعد العسكرية التي تحمي عاصمة الولاية، الدمازين.
وفي وقت لاحق من الأسبوع، شن الجيش هجومًا مباغتًا في محلية قيسان المجاورة، استعاد خلاله السيطرة على منطقتين استراتيجيتين تعززان موقفه في المحور الشرقي، وقد تهددان خطوط إمداد «الدعم السريع» نحو المناطق التي سيطرت عليها حديثًا في محلية ود الماحي، بحسب ضابط عسكري سابق.
وبدأت أحدث جولات القتال على محور الكرمك، الاثنين الماضي، في منطقة البركة، وهي موقع عسكري استراتيجي يقع على بعد 12 كيلومترًا شمال غربي مدينة الكرمك الخاضعة لسيطرة «الدعم السريع». وانطلقت القوات التابعة لـ«الدعم السريع» والحركة الشعبية من المدينة بعشرات المركبات القتالية والدراجات النارية، حسبما قال مصدر عسكري لـ«مدى مصر».
واقتحمت القوة المهاجمة البركة في بداية الاقتتال، قبل أن يعيد الجيش تنظيم صفوفه ويسترد مواقعه، لتشهد المنطقة معارك عنيفة استمرت طوال اليوم وامتدت إلى الثلاثاء، وفقًا للمصدر.
وقدّم الطرفان لاحقًا روايتين متضاربتين بشأن نتيجة المعارك، إذ أعلنت قيادة الفرقة الرابعة مشاة بالدمازين، الاثنين الماضي، أنها صدت الهجوم، بينما أعلنت «الدعم السريع»، الثلاثاء الماضي، بسط سيطرتها على الموقع.
لكن الوضع الميداني لم يُحسم بعد، فلا يزال الطرفان موجودين داخل البركة وفي تخومها، حسبما أفاد مصدر عسكري ثانٍ، متوقعًا اندلاع معارك فاصلة خلال الأيام القليلة المقبلة.
وتبعد البركة نحو 155 كيلومترًا عن الدمازين، وتعد مفتاحًا للسيطرة على جنوب النيل الأزرق، وكان الجيش لجأ إليها بأعداد كبيرة بعد خسارته الكرمك لصالح «الدعم السريع» للمرة الثانية في منتصف أغسطس الماضي.
وامتد القتال، الثلاثاء الماضي، إلى موقع محوري آخر، حين هاجمت «الدعم السريع» والحركة الشعبية منطقة سالي التي يتخذها الجيش مركزًا متقدمًا لإدارة العمليات في جنوب الإقليم.
وبدأ المهاجمون بقصف مدفعي كثيف وتنفيذ ضربات بالمسيّرات، قبل أن تتقدم القوات البرية من منطقة سركم الواقعة جنوب شرقي سالي، حسبما قال المصدر العسكري الأول. وحاولت القوات الاقتراب من اتجاهين لتطويق الموقع، إذ تقدمت «الدعم السريع» من الجنوب الشرقي وقوات توكا من الجنوب، لكن مقاتلي توكا أخفقوا في التقدم بالسرعة المطلوبة لإتمام المناورة، وفق المصدر.
وكانت طائرات الاستطلاع التابعة للجيش ترصد القوات المتقدمة، ما أتاح له استغلال تأخرها واستدراجها إلى كمين أوقع أكثر من 50 مقاتلًا، بحسب المصدر، مضيفًا أن الجيش مشط المنطقة المحيطة وعزز نقاط التأمين حول سالي.
ورأى الضابط السابق في الجيش أن الهجومين على البركة وسالي يندرجان ضمن مساعي «الدعم السريع» الأوسع لتشديد الضغط على الدمازين، مشيرًا إلى أن الجيش يدرك الأهمية الاستراتيجية للموقعين، ومن المرجح أن يستخدم كل الوسائل المتاحة لتأمينهما والدفاع عنهما.
وعلى جبهة قيسان، شن الجيش، فجر أمس، هجومًا مباغتًا على منطقتي بكوري وأكليلي، وتقدمت قواته من الشمال والشرق وبسطت سيطرتها الكاملة على المنطقتين بحلول العاشرة صباحًا، مستولية على خمس عربات قتالية ومدمرة عربات أخرى، فيما فرّ من تبقى من عناصر «الدعم السريع» جنوبًا باتجاه مدينة قيسان، وفق مصدر عسكري ثالث لـ«مدى مصر».
وأعلن الجيش لاحقًا إسقاط مسيّرة استراتيجية قرب بكوري بعد رصدها لحظة دخولها الأجواء السودانية قادمة من إثيوبيا.
وتضم بكوري، التي تبعد نحو 70 كيلومترًا عن الدمازين، قاعدة اللواء 13 مشاة التابع للفرقة الرابعة، التي سقطت بيد «الدعم السريع» في أغسطس الماضي. ومن شأن استردادها أن يمهد الطريق لمزيد من التقدم العسكري في شرقي النيل الأزرق، بما في ذلك نحو «خرطوم بليل» ومدينة قيسان، حسبما قال الضابط السابق لـ«مدى مصر».
كما ستمنح هذه المكاسب الجيش قدرة أكبر على المناورة في المحور الشرقي، وقد تقطع خطوط إمداد «الدعم السريع» نحو مينزا النمر وجبل النمر في محلية ود الماحي، حيث حققت «الدعم السريع» أولى تقدماتها مطلع الشهر الجاري، وفق الضابط.
مقترح لإخضاع المساعدات لإشراف مجلس وزراء «تأسيس» يدفع وزير الصحة إلى نيروبي

علاء الدين نقد، وزير الصحة في حكومة «تأسيس» التي تقودها «الدعم السريع»، يتفقد سير امتحانات الشهادة الثانوية بنيالا، 15 يونيو. المصدر: وزارة الصحة في حكومة «تأسيس»
تتصاعد منذ أشهر خلافات داخل حكومة «تأسيس» الموازية، التي تقودها «الدعم السريع» في غرب السودان، بشأن الجهة التي تملك سلطة إدارة الموارد الصحية واستيراد الأدوية، قبل أن تبلغ ذروتها الأسبوع الماضي، مع مغادرة وزير الصحة علاء الدين نقد، إلى نيروبي احتجاجًا على ما يجري.
وجاء التصعيد الأخير على خلفية مقترح تقدم به وزير شؤون مجلس الوزراء لإخضاع المساعدات الطبية الدولية لإشراف المجلس، وحظي بدعم رئيس الحكومة، محمد حسن التعايشي، الأسبوع الماضي. ويحاول التعايشي المضي في المقترح دون دفع عضو آخر في القيادة السياسية إلى مغادرة الحكومة، التي باتت شديدة الحساسية إزاء تداعيات الانشقاقات، بحسب مسؤولين في تحالف «تأسيس» تحدثوا إلى «مدى مصر».
وتتفاقم الخلافات على الصلاحيات في وقت تتدهور فيه الخدمات الصحية في المناطق التي تسيطر عليها «الدعم السريع» في غرب السودان، وسط نقص حاد في الخدمات الطبية بالمدن والقرى ومخيمات النزوح التي تؤوي مئات الآلاف. وأدت تخفيضات التمويل خلال الأشهر الماضية إلى توقف الدعم الدولي عن عدد من المراكز الصحية، فيما تكافح المرافق التي لا تزال تعمل للاستمرار بإمكانات محدودة، بالتزامن مع توجيه موارد طبية ومرافق يفترض أن تخدم المدنيين لتلبية احتياجات مقاتلي «الدعم السريع».
بدأت اعتراضات نقد قبل نحو ستة أشهر، حين اشتكى من تزايد تدخلات الدائرة الطبية التابعة لقوات الدعم السريع، إلى جانب شخصيات نافذة في حكومة «تأسيس» مرتبطة بالقوات، في شؤون الوزارة، بحسب مسؤول في وزارة الصحة تحدث إلى «مدى مصر».
وقال المسؤول إن جوهر اعتراضات نقد كان ما اعتبره محاولة من «الدعم السريع» لاحتكار الوصول إلى الأدوية والمرافق الصحية لخدمة أفرادها، بما يحد من قدرة الوزارة على إدارة القطاع الصحي.
وهدد نقد حينها بالاستقالة، قبل أن تتدخل قيادات في «تأسيس» لاحتواء المواجهة ويتراجع عن استقالته، بحسب مسؤول في مجلس الوزراء تحدث إلى «مدى مصر».
لكن احتجاجه كان له تبعات لاحقة، إذ قال المسؤول في مجلس الوزراء إن نقد واجه لاحقًا قيودًا مشددة على تحركاته واتصالاته، في مسعى لمنعه من التواصل مع وسائل الإعلام أو مغادرة الحكومة. ومع تزايد الانشقاقات بما يهدد صورة الإدارة الناشئة، خشيت قياداتها من أن تؤدي أي مغادرة جديدة إلى مزيد من الإضرار بمكانتها لدى المنظمات الإنسانية الدولية، التي يمثل اعترافها الإجرائي بها شريكًا قادرًا على العمل عاملًا حاسمًا لاستمرار أنشطتها.
وقبل نحو شهرين، اتخذ الخلاف منحى جديدًا مع طرح وزير شؤون مجلس الوزراء موسى خدام مقترحًا لإخضاع المساعدات الدولية الموجهة إلى القطاع الصحي لإشراف المجلس، بحسب المسؤول في مجلس الوزراء.
وبموجب المقترح، ستمر المنح المالية والمساعدات العينية عبر آليات مجلس الوزراء قبل توزيعها على الإدارات والجهات التنفيذية، بدلًا من الترتيبات المباشرة القائمة بين المنظمات الدولية ووزارة الصحة، حسبما أوضح المسؤول.
لكن الخلاف بشأن إدارة المساعدات يخفي وراءه نزاعًا أقدم على استيراد الأدوية المخصصة للمدنيين، بحسب مسؤول في وزارة الصحة. فقد كانت «الدعم السريع» تتولى تقليديًا استيراد الأدوية من شركات هندية، وتصل شحناتها إلى نيالا عبر جنوب السودان وأوغندا، لكن مع شروع «تأسيس» في بناء هياكل حكومتها، أُسند الإشراف على الأدوية المخصصة للاستخدام المدني إلى وزارة الصحة. وقال المسؤول لـ«مدى مصر» إن شخصيات نافذة في «الدعم السريع» تسعى الآن إلى استعادة هذه الصلاحية، وما تأتي به من امتيازات التوريد والأرباح.
وحذر المسؤول من أن المقترح الجديد قد يرجح كفة المطالبين بإعادة استيراد الأدوية المدنية إلى سيطرة «الدعم السريع»، فمنح مجلس الوزراء صلاحيات أوسع في الإشراف على الموارد الصحية من شأنه، بحسب تقديره، إضعاف موقف الوزارة وفتح المجال أمام شخصيات نافذة متحالفة مع «الدعم السريع» للضغط على الحكومة من أجل إعادة هذا الملف إلى القوات.
وظل مقترح خدام معلقًا لأشهر، إلى أن ناقشته الحكومة الأسبوع الماضي، وأعلن التعايشي تأييده له، بحسب المسؤول.
واعترض نقد على الخطوة، معتبرًا أنها تنتقص من الصلاحيات الفنية والتنفيذية لوزارته، وتضع القرارات المتعلقة بالموارد الصحية في يد مجلس الوزراء بدلًا من الجهة المسؤولة عن تحديد احتياجات القطاع، وفقًا لمسؤول في وزارة الصحة.
وكان ذلك القشة الأخيرة التي دفعت نقد إلى مغادرة نيالا، بحسب مصدر مقرب منه وآخر مقرب من أسرته.
انقطع التواصل مع الوزير بصورة مفاجئة، ما أثار مخاوف أسرته من احتجازه، بحسب المصدرين، قبل أن يتواصل معها لاحقًا ويبلغها بوصوله إلى نيروبي، حيث لن يكون عرضة للاحتجاز أو فرض قيود على تحركاته، على حد قولهما. وأضاف المصدران أن نقد واصل اتصالاته السياسية مع مسؤولين في «تأسيس» وأفراد في وزارته بعد مغادرته نيالا.
ومع مغادرة نقد نيالا دون قطع صلاته بالحكومة، بدأ التعايشي التحرك، إذ أصدر توجيهات بإعداد آليات وضوابط لنقل بعض صلاحيات الإشراف من وزارة الصحة، بحسب مسؤول في «تأسيس»، أوضح أن الحكومة حريصة على إبقاء نقد في منصبه ومنع الخلاف من التحول إلى أزمة أوسع داخلها، وتعمل حاليًا على التوصل إلى صيغة تحدد بوضوح مسؤوليات مجلس الوزراء ووزارة الصحة.
بالنسبة للتعايشي، يتمثل الهدف المُعلن في توحيد قنوات إدارة المساعدات وتعزيز الرقابة عليها، وتقديم «تأسيس» إلى الشركاء الدوليين والمنظمات الإنسانية باعتبارها حكومة قادرة على إدارة الملفات التنفيذية والخدمية، غير أن نقل صلاحيات الإشراف إلى مجلس الوزراء قد يحد من قدرة الوزارة على تحديد احتياجاتها الفنية وتوجيه الموارد وفقًا لأولويات القطاع الصحي، بحسب المسؤول في التحالف.
وتكتسب هذه الخلافات أهمية خاصة في دارفور، حيث تعتمد المرافق الصحية بدرجة كبيرة على الإمدادات الخارجية والمساعدات الإنسانية، ما يجعل وجود إجراءات واضحة لتلقي الموارد وتوزيعها وضمان جودة الأدوية أمرًا ضروريًا لاستمرار الخدمات، حسبما أضاف المسؤول.
وحتى الآن، لم يتوصل الطرفان إلى صيغة نهائية للتسوية، بحسب مسؤولي «تأسيس» ومجلس الوزراء، كما لم يصدر أي قرار تنفيذي ملزم في هذا الشأن.
الخرطوم تراهن على خطوات إنسانية برعاية أممية لاحتواء الضغوط بشأن الهدنة
تكثّف الحكومة السودانية التي يقودها الجيش تحركاتها لطرح رؤيتها لإنهاء الحرب على العواصم الغربية، في وقت تتزايد فيه الضغوط عليها للرد على مقترحات الهدنة التي تطرحها «الرباعية» المعنية بالسودان، بقيادة الولايات المتحدة.
وفي محاولة لتخفيف الضغوط الرامية إلى دفعها نحو تسوية أوسع، تسعى الحكومة إلى إظهار قدرتها على إحراز تقدم ملموس في الملفات الإنسانية، في ظل اتساع رقعة الحرب وتدهور أوضاع المدنيين، على أمل أن يسهم إحراز تقدم في إيصال المساعدات وحماية المدنيين في الحد من الانتقادات الدولية، بحسب مسؤولين سودانيين حاليين وسابقين ومصادر مقربة من رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ومجلس السيادة الانتقالي تحدثوا إلى «مدى مصر».
وخلال الأسبوع الماضي، بعث البرهان برسالتين إلى المستشار الألماني، فريدريش ميرتز، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في خطوة قال مسؤولون سابقون إنها تستهدف إظهار استعداد الخرطوم للتعامل مع مبادرات السلام، مع التمسك بشروطها المتعلقة بترتيبات أمنية تنهي وجود «الدعم السريع».
ومن شأن هذه الاستراتيجية أن تتيح للحكومة إظهار انخراطها في أحد مسارات التسوية، دون الانخراط في ترتيبات عسكرية وسياسية ترفضها، بحسب المصادر.
وتعوّل الخرطوم على الأمم المتحدة للمساعدة في تحويل هذا التمييز إلى مسار تفاوضي قابل للتنفيذ، وعلى العواصم الغربية لتوفير التمويل اللازم لتنفيذ ما يجري الاتفاق عليه.
ألمانيا تأتي في مقدمة الدول التي تسعى الخرطوم إلى استمالة دعمها، إذ حمل حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، رسالة البرهان لميرتز إلى برلين، حيث التقى وزيرة الدولة بوزارة الخارجية الألمانية، سيراب جولر، في 16 أكتوبر الجاري.
وجاء اختيار مناوي في ضوء الأهمية المحورية لدارفور في الحرب، وموقعه بوصفه أحد أبرز حلفاء الجيش، بحسب مصدر في السفارة السودانية بألمانيا. فالإقليم يمثل المجال الرئيسي لنفوذ «الدعم السريع»، ويضم إدارتها الموازية، كما شهد بعضًا من أسوأ الكوارث الإنسانية التي خلفتها الحرب. ويقود مناوي حركة تحرير السودان، إحدى أبرز الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، والتي عارضت بشدة، إلى جانب المؤسسة العسكرية، أي هدنة لا تنتهي بإخراج «الدعم السريع» وهياكلها من دارفور.
وتريد الحكومة من برلين المساعدة في حشد الدعم الأوروبي وإحياء التعهدات التي قُطعت خلال المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته ألمانيا في أبريل الماضي، لا سيما التعهدات التي تسهم في تمويل التدابير الإنسانية وتنفيذها عبر الأمم المتحدة، بحسب المصدر.
هذا التحرك يستند إلى مباحثات أجراها البرهان مع بيكا هافيستو، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، خلال زيارته الخرطوم في سبتمبر الماضي، حين تناول الجانبان ما بات يُعرف داخل دوائر الحكومة بـ«إجراءات بناء الثقة» التي تشمل خفض التصعيد، وحماية المدنيين والأعيان المدنية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون قيود، وإطلاق سراح المحتجزين وتبادلهم، بحسب مسؤول في وزارة الخارجية.
وتعمل السلطات السودانية حاليًا على تطوير مقترحات لتحويل تلك المباحثات إلى خطوات عملية، وفق جداول زمنية محددة وآليات للتحقق من الالتزام بها، بحسب مصدر مقرب من البرهان تحدث إلى «مدى مصر»، أضاف أن هذه الإجراءات تمثل المجال الذي ترى القيادة السودانية أن إحراز تقدم فيه لا يزال ممكنًا في المرحلة الراهنة.
وتريد الحكومة أن تتولى الأمم المتحدة متابعة التنفيذ مباشرة، والمساعدة في معالجة العقبات التي قد تظهر خلاله، بحسب المصدر، ويشمل ذلك تحديد التزامات واضحة لكل إجراء، والجهات الدولية المسؤولة عن تنفيذه، بما يسمح بقياس التقدم المحرز دون الالتزام باتفاق شامل بشأن هدنة عسكرية.
ويهدف الانفتاح على برلين إلى المساعدة في تحويل هذا الإطار إلى ترتيبات قابلة للتطبيق، بحسب مصدر السفارة السودانية بألمانيا.
كانت برلين انخرطت بدورها في اتصالات مع الخرطوم، إذ التقى السفير الألماني لدى السودان، فيليب فاندل، وزير الخارجية، محيي الدين سالم، في الخرطوم، 12 أكتوبر الجاري، لبحث العلاقات الثنائية وإعادة الإعمار ومساهمة ألمانيا في معالجة تداعيات الحرب.
وفي لقاء نظمته السفارة السودانية في برلين، 17 أكتوبر الجاري، بمشاركة ممثلين عن مراكز بحثية ووسائل إعلام ومنظمات إنسانية، عرض مناوي الموقف الرسمي للحكومة، مؤكدًا انفتاح الخرطوم على المبادرات التي تحترم سيادة السودان، لكنه حذّر من أن أي هدنة لا تعالج انتشار «الدعم السريع» وتسليحها لن تحقق سلامًا مستدامًا.
وقبل يوم واحد من زيارة مناوي إلى برلين، بعث البرهان برسالة إلى ترامب «يؤكد فيها التزام السودان بجهود السلام الأمريكية»، بحسب ما كتبه رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة على منصة «إكس». وقال البرهان إن حكومته مستعدة «للعمل بحسن نية مع جميع الأطراف من أجل سلام عادل ومستدام، يصون سيادتنا ووحدتنا وسلامة أراضينا وكرامة شعبنا».
يأتي هذا التعهد في ظل استمرار الخلافات بين البرهان وكبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، بشأن مقترحات الهدنة التي تطرحها «الرباعية» بقيادة بولس. ففي حين تصر الخرطوم على انسحاب «الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها ونزع سلاحها قبل الدخول في أي هدنة، يواصل بولس دعوة طرفي الحرب إلى قبول الهدنة دون شروط مسبقة.
كما احتدم الخلاف بين الجانبين بشأن المساعي الأمريكية داخل مجلس الأمن الدولي لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل بقية السودان، وإدراج مؤسسات الدولة ضمن نطاقه، وهي الخطوة التي تعارضها الخرطوم بشدة، معتبرة أنها تساوي بين القوات المسلحة و«مليشيا متمردة».
ويعيد اللجوء المباشر لترامب إلى الأذهان محاولات سابقة من البرهان لاستدعاء تدخل الرئيس الأمريكي خارج المسار التفاوضي الذي يقوده بولس، إذ طلب البرهان، عقب سقوط الفاشر أواخر العام الماضي، من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حث ترامب على التدخل المباشر.
وتستخدم الخرطوم رسائلها إلى برلين وواشنطن، إلى جانب اتصالاتها مع الأمم المتحدة، لإظهار استعدادها للتعامل مع جهود السلام، في مواجهة الانتقادات الدولية لاستمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، بحسب مسؤول سابق في وزارة الخارجية وآخر سابق في جهاز المخابرات العامة السوداني. وفي الوقت نفسه تتمسك الحكومة بمطالبها المتعلقة بوحدة مؤسسات الدولة ومستقبل «الدعم السريع»، بما يشمل انسحابها من المناطق التي تسيطر عليها وصولًا إلى تفكيكها، بحسب المسؤولين.
وتأتي التحركات السودانية في وقت لا تزال فيه الدبلوماسية الدولية بشأن الحرب تراوح مكانها، وسط تعدد مبادرات الوساطة والمسارات السياسية ومقترحات الهدنة والجهود الإنسانية، دون أن يفضي أي منها إلى اختراق يُذكر.
وعكست الجلسة المفتوحة التي عقدها مجلس الأمن بشأن السودان في 16 أكتوبر المخاوف ذاتها، وفي مقدمتها اتساع دور الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية، واستمرار الدعم الخارجي لطرفي الحرب، وتفاقم الأزمة الإنسانية. وفي حين ظل أعضاء المجلس منقسمين بشأن توسيع العقوبات، أبدوا دعمًا أوسع للوساطة بقيادة إفريقية وتعزيز التنسيق عبر الآلية الخماسية الدولية.
وتضم الآلية الخماسية الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»، وقد أمضت أشهر في محاولة التعامل مع المبادرات السياسية المتنافسة دون الانحياز إلى أي منها. لكن مساعيها خلال الأسابيع الأخيرة لتقريب المواقف بين الحوار السوداني-السوداني الذي ترعاه الخرطوم والتحالفات المناهضة للحرب التي تسعى إلى إطلاق مسار سياسي خاص بها، لم تثبت حتى الآن قابليتها للتحقق.
وجاءت أحدث محاولات تنسيق الجهود الدولية خلال الاجتماع التشاوري السادس لتعزيز التنسيق بين مبادرات وجهود السلام في السودان، الذي عُقد في جنيف الأربعاء الماضي، بمشاركة الوسطاء المعنيين لتنسيق مقارباتهم، فيما كان متوقعًا أن تعقد المجموعة الرباعية والآلية الخماسية اجتماعًا مع هافيستو على هامش اللقاء.
وفي السياق نفسه، من المقرر أن يُعقد اليوم الاجتماع التشاوري السنوي المشترك بين مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي.
مصدر في مفوضية الاتحاد الإفريقي قال لـ«مدى مصر» إن الاتحاد يرى ضرورة إتاحة المجال أمام تنفيذ التدابير الإنسانية العاجلة بصورة مستقلة نسبيًا عن الخلافات المتعلقة بالترتيبات الأمنية والعملية السياسية، مع الإبقاء على ترابط هذه المسارات ضمن إطار تفاوضي أوسع.
وأضاف المصدر أن تعدد منصات الوساطة لا يزال عقبة رئيسية أمام إحراز تقدم، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف السودانية وشركائها الدوليين بشأن شروط الهدنة ومستقبل الحكم الانتقالي.
سجل هنا لتصلك نشرة «عين على السودان» على البريد الإلكتروني.
The post الخرطوم تراهن على إغاثة بغطاء أممي لدرء ضغوط الهدنة.. و«تأسيس» يتحسس خطاه بعد مغادرة وزير صحته غاضبًا.. غارة «أبيي» تضغط العلاقة مع جوبا.. والمسيّرات تطال عاصمتي «الدعم السريع» والجيش.. «الدعم السريع» تضغط في الكرمك ومكاسب للجيش في قيسان first appeared on Mada Masr.