حين يعرض وزير خارجية إيران ومسؤولو وزارته «الوساطة» في اليمن، فإنهم يعرضون الوساطة في حرب أشعلها انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية بدعم نظامهم، وأطال أمدها بتسليح المليشيا وتمويلها وتدريبها وإمدادها بالصواريخ والطائرات المسيّرة والخبراء. فطهران جعلت من نفسها طرفاً في الحرب على اليمنيين، والأولى بنظامها، بدلاً من عرض الوساطة، أن يرفع يده وسلاحه عن اليمن، وأن يحترم سيادة الدول ويلتزم بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.
هذه التصريحات استفزاز للشعب اليمني، ولأسر مئات الآلاف من ضحايا السلاح الإيراني. وهي تأتي فيما تصعّد المليشيا اعتداءاتها، من استهداف مقر الرئاسة والحكومة في العاصمة المؤقتة عدن ومطارها، وحصار تعز وقصف أحيائها السكنية، واستهداف المدنيين في مأرب وباقي المحافظات، إلى الهجمات على مطارات المملكة العربية السعودية الشقيقة ومنشآتها المدنية، وتهديد الملاحة الدولية.
وتطرح طهران «وساطتها» فيما رفضت المليشيا التابعة لها الاستجابة للجهود الدولية والإقليمية، بما فيها خارطة الطريق التي قدّمها الأشقاء في المملكة العربية السعودية للعودة إلى المسار السياسي، واستغلت فرص التهدئة لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز ترسانتها العسكرية. وليس هذا بمعزل عن محاولات النظام الإيراني استخدام اليمن ورقةً تفاوضية، وتحويل الضغوط الموجّهة إليه إلى اعتداءات تتحمل كلفتها شعوب المنطقة والتجارة والأسواق العالمية.
ونرفض محاولات طهران إضفاء صفة تمثيل اليمن على المليشيا وتسميتها «القوات المسلحة اليمنية»، وتصوير معركة اليمنيين لإنهاء الانقلاب واستعادة دولتهم «نزاعاً» بين اليمن والمملكة. فتعامل طهران مع مليشيا الانقلاب لا يمنحها شرعيةً أو حقاً في تمثيل اليمن، ولا يخوّل النظام الإيراني الوصاية على قراره الوطني. أما الزعم بأن المليشيا تتصرف وفق مصالحها وتقديراتها الخاصة، فلا يعفي طهران من تبعات تسليحها وتمكينها من ارتكاب جرائمها. وأمن اليمن وجواره لن يكون رهناً بتقديرات جماعة إرهابية يسلّحها الحرس الثوري، ولن نقبل أن يُتخذ شعار «رفع الحصار» ذريعةً لتعطيل إنفاذ حظر السلاح.
إننا في اليمن نجدد تضامننا الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة قيادةً وحكومةً وشعباً، وتأييد حقها الأصيل، وفق القانون الدولي، في الدفاع عن أمنها وحماية مواطنيها والمقيمين على أرضها. فأمن البلدين مترابط، والمملكة كانت ولا تزال سنداً لليمن دولةً وشعباً بما قدّمته من دعم اقتصادي وإغاثي وتنموي، بينما واصل النظام الإيراني تسليح المليشيا ودعم اعتداءاتها، بما فاقم معاناة اليمنيين وقوّض فرص استعادة أمنهم واستقرارهم.
وما يتعرض له أشقاؤنا في دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية الهاشمية من اعتداءات إيرانية ليس حدثاً معزولاً، بل امتداد لنهج عدواني دأب عليه نظام طهران منذ عقود، يقوم على استعداء دول المنطقة وشعوبها، وانتهاك سيادتها، والتدخل في شؤونها الداخلية، وتسليح المليشيات وتمويلها لفرض نفوذه بالقوة. وأمن اليمن وأمن أشقائه كلٌّ لا يتجزأ، 8 ومواجهة هذا النهج تقتضي موقفاً حازماً يردع الاعتداءات الإيرانية، ويوقف دعم أذرع النظام المسلحة، ويصون سيادة الدول وحق شعوبها في الأمن والاستقرار والتنمية.
ولمن يتحدث اليوم عن احترام السيادة، نذكّره بما أقدم عليه النظام الإيراني: قبول ممثل للمليشيا في نوفمبر 2019 وتسليمه المقار الدبلوماسية اليمنية في طهران، وتهريب أحد ضباط الحرس الثوري إلى صنعاء في أكتوبر 2020 وتنصيبه «سفيراً» لدى المليشيا، وصولاً إلى تسيير رحلات إلى مطار صنعاء في يوليو 2026 دون موافقة الحكومة الشرعية. سلوك يعكس نهج العصابات ويناقض قواعد التعامل بين الدول، واستمر رغم قطع العلاقات مع طهران في أكتوبر 2015، وهو انتهاك صارخ لسيادة الجمهورية اليمنية وإخلال صريح باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وفي المقابل، فإننا نميّز بين الشعب الإيراني العريق، الذي تجمعه بالشعب اليمني وشعوب المنطقة روابط تاريخية وحضارية، وبين سياسات نظامه الذي يستنزف ثروات بلاده في تمويل أذرعه ومليشياته وتسليحها لزعزعة استقرار المنطقة، على حساب قوت الإيرانيين وحقوقهم، ويمارس بحقهم القمع والترهيب. ونتضامن مع الإيرانيين في تطلعهم إلى الأمن والكرامة والازدهار، ونأمل أن تُسخَّر إمكانات بلادهم لنهضتهم، بما يجعلهم شركاء لمحيطهم في التنمية والتعاون؛ فحقائق التاريخ والجغرافيا تفرض التعايش وحسن الجوار، وتجعل استقرار المنطقة مصلحةً مشتركة ومسؤوليةً جماعية.
إن المطلوب من المجتمع الدولي اليوم الوقوف بحزم في مواجهة التدخلات الإيرانية في اليمن، ودعم الحكومة الشرعية في استعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني، وفق المرجعيات الثلاث المتفق عليها، واتخاذ إجراءات عملية لتصنيف مليشيا الحوثي منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها ومحاسبة مموليها، وإنفاذ حظر تسليحها بموجب قراري مجلس الأمن 2216 و2624. فمن يسلّح طرفاً في الحرب لا يكون وسيطاً فيها، ومن يريد السلام في اليمن فليبدأ بوقف السلاح الذي يُقتل به اليمنيون.
*وزيرة الخارجية اليمنية
