ما ذنب الأدب؟ لماذا نتوقع منه التجاوب سريعًا مع أحداث يختلف البشر حولها. مؤلمة، كارثية، الإبادة أو الاعتقال والتدوير؟ الأدب ليس بيانًا نوقعه تضامنًا، وإنما يلتقط ما سقط من اهتمام الساسة والوعاظ والتجار والظالمين (والمظلومين)، لا يتسرع في إصدار الأحكام، ينمو ببطء ويلتف حولك، يتسرب في لاوعيك/ وعيك، فيورطك في الحكاية.
في هذا النص الشذري، المكتوب بروحين، نستعيد مقتطفات أدبية، ونشتبك معها رغم الارتباك (لعل أدب الآخرين يرسى بينا على مينا). لا نخلص إلى إجابات نهائية، نقلّب كتب الأدب بحثًا عن معنى ما نعيشه، عن إلهام ومدد، عما ينعش الذهن ويجعلنا نتقبل أن نكون على الهامش. فنحن نعرف مع من نتعاطف ومن نزدري، لكننا في النهاية، لسنا إلا قراء أدب، وإن كتبناه، لا نكابر، نقرأ ما فاتنا ونتعلم، ومهما خاب أملنا من تجارب قراءة أو تقليب سابقة، فإن سطرًا واحدًا يلهمنا يستحق إمعان النظر في عشرات الصفحات.
حين نتأمل شذرات آن كارسون، المُتوجة الأحدث بنوبل، نجد كتابة لا تُشبه الأدب الذي نعرفه، لا حكاية بالمعنى المألوف، بل شعر ونثر يشبهان طروحات الأكاديميين، لكنها كتابة بديعة وعميقة، تُحس وتؤثر، أليس هذا هو الأدب؟
من أغلاط المجاز الحقيقية يمكن أن نتعلم درسًا.
ليس الأمر فقط أن الأشياء مختلفة عما تبدو،
ولهذا نخطئها،
بل أن فعل الخطأ هذا ذو قيمة.
تشبثوا به، يقول أرسطو،
ثمة الكثير الذي يمكن رؤيته واستشعاره ها هنا.
تُعلِم المجازات العقل أن يستمتع بالخطأ
وأن يتعلم من التجاور بين الصواب والخطأ.
ثمة حكمة صينية تقول: الفرشاة ليس بوسعها أن تكتب حرفين بضربة واحدة. غير أن ذلك هو تحديدًا ما تفعله غلطة جيدة.
آن كارسون، ترجمة: وائل عشري، شذرات أكثر هنا
توقظ قراءة الأدب فيك الرغبة في الذوبان في شيء أكبر من فرديتك، ينبع منها، من دون أن تفقد استقلاليتك، لا سمح الله! تجعلك تتعاطف، وتبحث في أعمال السابقين والمعاصرين عن إجابات لأسئلة مثل: كيف يعمل التعاطف؟
في «جغرافيا بديلة» تقول إيمان مرسال:
«أنا أمر من هنا
لا لأشارك هؤلاء الغرباء حسرتهم
ولا لأضع الماء في النيل الذي يبدو مثل ثعبان نائم
(…..)
أنا لا أعرف لماذا أمر من هنا حقيقة»
ليحدث التعاطف نحتاج إلى اتساع القلب للكون، بأفكاره وبشره ومشاعرهم وهمومهم وأحلامهم، مثل صلاح جاهين الذي كتب في إحدى قصائده عن المجتمع أنه الأيام «دي مسكين، عنده برد، مزكوم، وحالته بالقَوا»، ثم يرسم المجتمع بجلالة قدره «في الأجزخانه شُفتُه بيجيب الدوا». تسحرك قدرته على أنسنة المجتمع، فهو يسيء إلى صحته ولا يعرف مصلحته. يعكس جاهين الأدوار ويصنع المسخرة، فيدرك القارئ سخافة من يتحدثون باسمه ويلجمون الإبداع بحجة حمايته، فيخاطب الشاعر المجتمع ناصحًا: «شوف صحتك، وما تفتكرش إنك جدع، الجو برد مش تمام، بلاش أمور الشيْطنه، بلاش دلع» فنتعاطف مع الإبداع ومبدعيه لأن صلاح قَلَب الترابيزة على المجتمع، وعرف كيف يصيغ اشتباكًا معقدًا، كله محبة بره وجوه.
نرى التعاطف في صورة أخرى، في رسالة كتبها علاء عبد الفتاح لوالدته من محبسه، يتمنى فيها أن تموت قبله، خوفًا من أن تموت هي بعده كمدًا على حاله. وراء هذه الأمنية، هناك سؤال مربك عن معنى السجن، وعن تضامن يمتد من داخل أسواره إلى خارجها، وسؤال آخر عن الصورة المركبة للفداء، التي تستدعي لمحة من فيلم عاطف الطيب «الهروب»: حين يسلّم منتصر (أحمد زكي) نفسه طواعية للبوليس، بعدما يعجز عن تحمّل احتجاز أمه للضغط عليه كي يسلّم نفسه. يطلب منتصر من العسكري، قبل أن يسمح لأمه بالدخول، أن يخبرها بوجوده، خشية أن تهلكها النظرة المباغتة حين تراه، كأنه يحاول منعها من الانسحاق تحت ثقل مأساته، مع أن المحاولة نفسها عبثية. كأن علاء ومنتصر، كل واحد منهما يحمي أمه من قسوة مصيره، وهو عاجز عن حماية نفسه أصلًا.
بس أنا برضه قوي وهستحمل عشان خاطرك إنتي
ومش مثبتني غير عهد على نفسي إن أنا اللّي هدفنك واتلقى فيكي العزاء مش العكس،
ده دلوقتي التزامي الوحيد في الحياة…
14 سبتمبر 2021، الخطاب كاملًا هنا
روحي فداك، عرفت أم لم تعرف، وهذه أعقد درجات التعاطف. لكنه، مثل كل شيء، يمكن غشه أو صناعته، كما يحدث في حرز أحمد ناجي المكمكم، حيث يُطلب من مجندي حراسة السجن ارتداء ملابس مدنية، لتصويرهم أمام كاميرات التلفزيون والصحفيين باعتبارهم المساجين الذين أُفرج عنهم. هناك مهمة غير منطوقة: إثارة التعاطف مع أشخاص يقدَمون بوصفهم مساجين أُفرج عنهم، بينما هم في الحقيقة السجانون أنفسهم، كما يعي رواي الحرز، مع موجات التضامن معه خارج أسوار السجن، ضرورة التعامل مع الكتابة بجدية أكبر.
ما يمكن صناعته يمكن توجيهه أيضًا. ليس من جانب السلطة فحسب، بل حين يتمّ تنظيم المتعاطفين فيوظف تعاطفهم كتضامن الذي يُعتبر في أعتى أوصافه راديكالية إحد صور فداء الآخر بنفسك، درجة من تخيل ذاتك محل غيرك، أُكلت يوم أكل الثور الأبيض، فأنت مستقبلًا أو مجازًا، قد تصبح محل هذا الصحفي/ الكاتب المحبوس المظلوم، فمعتصمو نقابة الصحفيين، يقولون إن تضامنهم مع «متصدقش» هو تضامن مع أنفسهم لأن هذا يمكن أن يحدث لأي منهم.
لكن ماذا عن التضامن الخفي؟ الحالة الذهنية التي تهرب فيها منّا المشاعر التي كنا نعرف كيف نسميها، وتغوص في مياه أعمق، تحت سطح الحياة اليومية ووحل المعيشة، هل هو امتداد للتضامن السياسي؟ أم أنه يعمل بطريقة أخرى؟
ربما يتجلى هذا التضامن «في ندوب اللغة وتصدعات اللسان»، أو في سؤال هيثم الورداني، عبر «بنات آوى والحروف المفقودة»: كيف يمكن أن تعيش في لحظات الخطر؟
وهو ما ينقب فيه محمد عمر جنادي في مقاله «بعث الكتابة من رماد الكلام»:
«كأن أواصر العلاقة بين الإنسان والحيوان تشتد في مثل تلك اللحظات. [في الدولة العباسية أو الآن]. لكن الحيوان لا يظهر ليمنحنا الحل السحري للمأزق الذي يطبق علينا، بل يظهر ليذكرنا أن مأزقنا لا حل له إلا في قراءة ما نسي واستُبعد».
حين تعجز اللغة المألوفة عن تنظيم التجربة، مثلما تقول آن كارسون «مبكرًا ذات صباح كانت الكلمات مفقودة. قبل ذلك، الكلمات لم تكن. الحقائق كانت، الوجوه كانت. في قصة جيدة، يخبرنا أرسطو، كل ما يحدث يدفعه شيء آخر.» أو لا يعود ممكنًا جمعها إلا في قصيدة كما فعل غسان سلهب، وترجمتها زينة الحلبي: «قصيدة صغيرة لا من أجل شيء، من أجل الأمس والأيام المقبلة».
يعود سلهب ببطء من كل حرب أو مكان حاورنا فيه الموت، أو قُطعت أمامنا شجرة أو هدم بلدوزر جدارًا عتيقًا، أو شهدنا اختفاء أحدهم، أو أخفينا ما أخفيناه.
«وحدها الروابط، وحدها اليرقة، وحدها النواة، وحدها الأجنحة، وحدها أحشاؤنا، وحدها أمعاؤنا، وحدها ورودنا، وحدها الشاشة، وحده الصوت، وحده الغيم، وحده غيابك».
من دون أن تسرد فعلًا ملموسًا، تمارس القصيدة مُضارعها المستمر عبر التسمية والجمع والتجاور والتراكم، حد الالتحام: أبجدية من قطع صغيرة من طين وعجين لبنان، الأغنية، والنبض، والبارود، والمسيرة، والدنس، وزخة مطر.
وبينما تمطر هناك في قصيدة سلهب للأيام المقبلة، نعود إلى الماضي المستمر، حيث الشعر المكتوب داخل السجون، فيُقال إن لطفي الخولي سمع من أحمد فؤاد نجم كلمات «مصر يا أمّه يا بهية»، حين كانا حبيسي المعتقل الناصري، وحين عمل الخولي مع شاهين على سيناريو فيلم «العصفور»، حضرت القصيدة في الفيلم بقوة، بل زيادة عن اللزوم، كأنها قنبلة أو عامل محفز يسعى لتغيير الواقع المُر، وتفجيره، رفضًا للهوان.
الفيلم نفسه صرخة بأن الهزيمة ليست النهاية، يرفض الشعب صراعات السلطة الضيقة بين ناصر وعامر، والفساد الداخلي والإلهاء، لا شيء يهم إلا صرخة «هـ نحارب».
تأتي هذه الصرخة ردًا على تنحي ناصر، لكنها لم تصل في وقتها، بل استغرق صُنّاع «العصفور» خمس سنوات لاستيعاب الحدث إذ أُنتج الفيلم في 72، ثم منع من العرض حتى أغسطس 74، بعد ثمانية أشهر من العبور، كأن السلطة كانت متوجسة من طاقة «العصفور» ورموزه الغامضة، وحضور كلام نجم وصوت إمام عيسى الزائد، تراها كتميمة غامضة لا تفهمها، لكنها تعرف أنها تخاطبها، بل تهاجمها، ثم أُطلق «العصفور» و(كان السادات لسه في أوله).
مثل حكاية «العصفور»، لم يكتب غالب هلسا عن الهزيمة إلا في آخر أيامه، رغم معاصرته لها في القاهرة، فـ«الروائيون» عن مثقفين منخرطين في تنظيم يساري سري يُطلق سراحهم من المعتقل الناصري، فيعكفون على ترميم أنفسهم، منهم من يعمل مع الدولة، مصدقًا أو مخادعًا نفسه بوجود جناح اشتراكي مخلص فيها، أو من ينكب على كتابة الرواية، مثل ناجي وعلاء اللذين كتبا «حرز مكمكم» ومشروع منتظر عن كتاب الموتى.
لكن أجمل ما في الرواية كيف شبك غالب هذه المجموعة المُشتتة الغارقة في ذواتها مع الحدث الكبير، فهو ينظم حفلة منزلية في الليلة السابقة على الخامس من يونيو. جميع الشخصيات يتوقعون هزيمة إسرائيل، مصدقين الدعاية المصرية عدا شخص واحد، يرى أن الوضع غير مبشر، بل يوحي بكارثة مقبلة. فيعارضه الجميع ويهاجمونه بضراوة، وفي اليوم التالي تضيع الشخصيات أكثر وتنغلق على ذواتها وتنسحب من الشأن العام تمامًا. هكذا عبّر غالب عن أزمة جيله، الجيل الذهبي الستينات، وطموحهم الكبير في بناء مجتمع على أسس ثقافية وتقدمية، بينما ما يحدث هو تلاعب كامل بالمثقفين المؤيدين والمؤمنين بالحلم الثوري العروبي الذي يشجع التحرر في كل مكان. كأن غالب في روايته الأخيرة يتضامن مع شقاء وإحباط جيله، فهم روائيون لكنهم فشلوا في التعبير عما يحدث حولهم لأنهم لا يرونه، فالسلطة تعتقلهم وتعذبهم وتفرج عنهم (رغمًا عنها مرة بضغط تيتو وأخرى على يد سارتر)، تلاعبهم وتلهيهم، تستأنسهم، تدجنهم، وفوق ذلك السلطة نفسها لا تنشغل بمهمتها الرئيسية التصدي للعدو، فنُهزم جميعًا. بالتأكيد طعم الهزيمة لا يُنسى، عرفنا ذلك بأنفسنا، فرغم جولات المكسب، والأيام العظيمة البلهاء، حتى وصلنا إلى حاضرنا الحالي الخطير، حين تصبح أسلاك الشعور أكثر تعقيدًا. إبادة محسوسة جدًا، بعيدة لكنها تمس ذواتنا. يتشابك التعاطف بالخطر، السلك الأحمر بالأصفر، الخوف بالغضب والذنب والتضامن في فورة واحدة من المشاعر، كل ذلك يدفعنا إلى إعادة فحص ما تعنيه الروابط التي تجمعنا بالآخرين. فنقلّب أعمال كتبها أسلاف اشتبكوا مع أحداث كبرى، أكبر منا زمنيًا حرفيًا، كنّا نظنها مجرد ماضٍ أو تاريخ موغل في القدم، لكننا نكتشف أنها حيّة، بل آثارها علينا محسوسة، غائرة في وجداننا وفي ما نراه يحدث حولنا، فالماضي مستمر، بل إننا نعيش حاضرًا يحيا فيه الماضي بكل جراحه وكوارثه التي لم تُشف، حضور أكثر مما ندرك، مع صيغة معاصرة تتجلى في تكنولوجيا تبيد البشر دون دراما القنبلة النووية بل بالذكاء الاصطناعي، وتكرار الفواجع والصدمات، فنعجز عن الكلام، الكتابة، القراءة.
هكذا نستمد مددًا ووعيًا من أدب غالب هلسا وغيره، أو نتذوق ونتأمل حساسية غسان كنفاني حين يعود إلى حيفا، أو نتعاطف وتوجعنا نهاية الرجال المحبوسين في الخزان الجاف في شمس الصحراء العربية، لا نتأفف من الرمز بل نتعاطف، ندرك، نبكي لأنه أجمل وأصدق، تلمسنا هذه الكتابات لأننا نريد أن نجد في الأدب سلوانًا أو عينا تجعلنا نرى ما خفي عنا، «فأنا إن كان موتي سيحدث؛ فعليك أن تعيش أنت لتحكي حكايتي»، كما قال رفعت العرعير بتصرف، فكيف يمكن أن نحكي دون أن نتعاطف، دون أن نرى، بل من يمكنه أن يفعل ذلك، حين نسمع شبّ جديد نشعر أنه لم يستغرق وقتا كصُنّاع «العصفور» وصاحب «الروائيون» حتى يستوعب، بل تمكن من التقاط حالة التعاطف والتضامن مع غزة حول العالم التي دُمرت كل مستشفياتها خلال الإبادة، طارحًا ملحمة ممتعة وجميلة ومؤثرة ومؤلمة مثل «فين الدوا»، حيث تمتزج أهوال الحرب الكبرى مع الهزائم اليومية الصغيرة، فحين تطلب منه جندية من جيش الاحتلال أن يغني لها أغنية لا يفعل حتى تفهم أنه لا يساوم، فكلامه كما الشعر المكثف، يمكننا تفكيك حكم وفلسفات منه، وذلك دون أن تمل أو تفقد المتعة، ترى المأساة كاملة، معجونة باليومي، وتدرك عجزك الكامل، ولا تملك إلا أن توسع قلبك، أن تتعاطف أكثر، تبحث عن سطور ملهمة، أو مجرد سطر واحد ملهم، سواء كُتب على السوشيال ميديا من غزة (كوصية)، أو غناه شبّ جديد أو دبور أو رياضيات (وليس سانت ليفانت أو إيلينا)، أو لم يأت بعد، أو ما كتبه نجيب محفوظ في «ثلاثة أيام في اليمن»، حيث يُقال إن سبب شحن الأدباء إلى جبهة القتال «لننفعل بالأحداث» فيكون الرد: «أليس من الأسلم أن ننفعل في القاهرة؟».
The post عطفًا عليّ وعليك first appeared on Mada Masr.

