«يا وزير يا وزير إحنا أحق بالتطوير»، هكذا هتف المئات من أهالي الوراق، أمس، خلال مسيرة جابوا بها الجزيرة، عقب مؤتمر حاشد لبحث خطواتهم المقبلة للمطالبة بحقوقهم في البقاء بالجزيرة، بما يتناسب مع خطط الدولة لتطويرها، وسط ترقب في ظل تعثر تحويل التعهدات الحكومية للأهالي إلى قرارات ملموسة.
وتجمع مواطنو الجزيرة عقب صلاة الجمعة، واتفقوا على تنظيم المسيرة في محاولة لاحتواء الدعوات إلى التصعيد وعرقلة أعمال البناء الجارية، حسبما قال لـ«مدى مصر» أحد أعضاء حركة «باقون في جزيرة الوراق»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، موضحًا: «إحنا مقررين كل تحركاتنا تبقى سلمية عشان ماننحرفش لطريق العنف».

من اجتماع أهالي الوراق أمس، 23 أكتوبر، والذي دعت له حركة «باقون في الوراق»، الصورة حصل عليها «مدى مصر» من أحد أهالي الجزيرة.
وعُقِد المؤتمر الذي نظمته «باقون في جزيرة الوراق» بعد نحو أسبوعين من إعلان الحركة تلقيها رسالة موافقة من مسؤولي الدولة على المطالب التي تقدّموا بها في أكثر من مناسبة على مدار أشهر، وعلى رأسها توفير سكن بديل للأهالي داخل الجزيرة، وفق مبدأ «بيت مكان بيت»، وهي الموافقة التي لا يزالون ينتظرون صدور قرار رسمي بها.
المصدر السابق، الذي يشارك في المفاوضات مع المسؤولين الأمنيين الذين يديرون الملف، أكد تمسك الأهالي بصدور قرار يضمن بقاء الكتلة السكنية داخل الجزيرة، قائلًا: «لسه مافيش حاجة حصلت، هو ده اللي مقلق الناس»، كما أشار إلى استمرار الحركة في مسار التفاوض.
اجتماع الأهالي يأتي بعد فترة توقف عن الفعاليات لإتاحة الوقت أمام المسؤولين للاستجابة لأكبر قدر ممكن من مطالبهم، التي تقدموا بها في مناسبات عدة على مدار أشهر، بحسب عضو الحركة ذاته، الذي لفت إلى تحقق بعض المطالب المتعلقة بتوفير الخدمات الصحية والصرف الصحي خلال الشهر الجاري، فيما يجري العمل على توفير ماكينة صراف آلي تابعة للبريد المصري.
وأشار المصدر إلى أن الاستجابة لبعض المطالب الخدمية لم تحسم السؤال الأساسي الذي يشغل الأهالي: هل سيتمكنون من البقاء في منازلهم وأراضيهم؟ أم ستستمر خطة التطوير بما تحمله من تغييرات في أوضاعهم السكنية والقانونية، خاصة في ظل تسارع خطواتها التنفيذية مؤخرًا، تزامنًا مع نقص التواصل من الجهات التي تدير الملف، بحسب ما أشارت له مداخلات الأهالي خلال الاجتماع الأخير، التي اطلع «مدى مصر» على بعضها.
غياب الفعاليات الجماعية خلال الأسبوعين الماضيين لم يمنع التحركات الفردية أمام مقر جهاز تنمية الوراق، كاحتجاج أحد سكان الجزيرة، السبت الماضي، بمشاركة عدد من المتضامنين، على اكتشافه محاولة سلبه حقه في منزله، عبر ادعاء شخص آخر ملكيته.
كان مسؤولون وممثلون عن الأهالي، أقروا، في اجتماع عُقد مطلع أكتوبر، بوجود نزاعات في ملفات الملكية والتعويضات، مرتبطة باكتشاف ملاك منازل أن آخرين ادعوا ملكيتها ووقعوا على استمارات رفع مقاساتها، بما يمنحهم الحق في الحصول على التعويض بدلًا من الملاك الأصليين، وهي النزاعات التي تم الاتفاق على حصرها وحلها، حسبما أشار بيان لـ«باقون في الوراق» في 4 أكتوبر الجاري.

أحد سكان الجزيرة يحتج أمام جهاز تنمية جزيرة الوراق، بعدما فوجئ بأن شخصًا آخر سبق أن سجل البيت باسمه، المصدر، حساب الساكن على الفيسبوك.
بحسب رواية ساكن الجزيرة الذي احتج أمام جهاز تنميتها، والتي نشرها عبر صفحته على فيسبوك، وأكدها لـ«مدى مصر»، فحين توجه إلى الجهاز لرفع مقاسات منزله، لمعرفة قيمة التعويضات المستحقة، فوجئ بأن شخصًا آخر سبق أن سجّل البيت باسمه الأول فقط، دون استكمال البيانات، مضيفًا: «وبعدين يقولك لأ، دور بقى على اللي سرقك».
وبينما ينتظر الأهالي تطورات تُقربهم من حسم مصيرهم، كانت الأسابيع الماضية تشهد توترات ميدانية بينهم، اعتبر المصدر من «باقون في الوراق» أنها في مصلحة الحكومة.
ومنذ نهاية الشهر الماضي، شهدت الجزيرة اشتباكات بين عدد من عائلاتها، بسبب خلاف على مهام حراسة لبعض المناطق التي تقيم عليها الدولة مشاريعها في الجزيرة. في إحدى تلك المرات أوضح المصدر من الجزيرة لـ«مدى مصر»، أن الاشتباك كان بين عائلتين كبيرتين تولت إحداهما حراسة الطريق المار أمام منازلها، وسعت الأخرى إلى إقامة نقطة حراسة على امتداد الطريق نفسه، ما اندلع على إثره اشتباك مسلح أسفر عن إصابات، تبعه انعقاد جلسة صلح، تتكرر عادةً عقب هذا النوع من الاشتباكات.
كان محامٍ من سكان الجزيرة حذر في منشور، نهاية سبتمبر الماضي، من «تصاعد مفزع لظاهرة إطلاق النيران والشجارات شبه اليومية بين العائلات»، واصفًا ذلك بـ«ناقوس خطر يسلب الجزيرة أمنها من أجل حفنة مال زائفة».
المصدر من «باقون» لفت إلى أن الخلافات على الغُفرات ليست جديدة، وأنها كثيرًا ما تُحسم بالعنف، مضيفًا أن بقية سكان الجزيرة لا يستفيدون منها، بل يتحملون تبعاتها، وأن استمرار هذه الأجواء قد يدفع بعض السكان، إلى التفكير في الرحيل، وهو ما اعتبره في مصلحة الحكومة، إذ قد يسهم في زيادة الضغط على السكان للتخلي عن منازلهم.
سبق أن أشار عدد من أهالي الجزيرة في حديثهم لـ«مدى مصر»، إلى أن علاقات المصالح التي أنشأتها الدولة مع بعض الأهالي أسهمت في خلق انقسامات داخل الجزيرة، مع اكتساب بعضهم نفوذًا مكّنهم من اتخاذ مواقف تخدم مصالحهم، على حساب آخرين من رافضي إخلاء منازلهم لصالح مشروع التطوير الحكومي، قبل أن يدفع تشكّل حركة «باقون» الانقسامات بين الأهالي إلى العلن، خصوصًا مع اعتراض بعضهم على مسارها التفاوضي.
استمرار مسار التفاوض لم يمنع قوات الأمن من تشديد تضييقها على مداخل الجزيرة خلال الشهر الجاري، ما زاد استياء السكان، الذين تكررت شكواهم من إجراءات التفتيش المُعطِلة عند كمين معدية القللي، بما تشمله من محاصرة النساء والأطفال بالعساكر، فضلًا عن تجدد الاشتباكات بين الأهالي وقوات الأمن في سياق الخلافات بشأن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء ومحاولة الأهالي إدخالها بالمخالفة لقرار الحكومة.
وفي حين مثّل إنهاء القضايا المرتبطة باشتباكات مع قوات الأمن، أحد مطالب الأهالي في مسارهم التفاوضي، أشار أحد سكانها إلى حالة استياء تصاعدت منذ القبض على واحد من أبنائها، ويدعى عصام رجب، أثناء مروره من كمين في محافظة البحر الأحمر، في 18 سبتمبر الماضي، على خلفية حكم غيابي بالسجن عشر سنوات صادر من محكمة جنايات الجيزة أدانه بـ«الاعتداء على ضابط» خلال اشتباكات سابقة.
المصدر السابق، الذي طلب عدم ذكر اسمه، وهو أحد أفراد أسرة رجب، قال لـ«مدى مصر» إنه مع إعادة محاكمته حضوريًا، الخميس الماضي، خُفف الحكم إلى السجن خمس سنوات، ما تبعه محاولة من مسؤولين أمنيين لتهدئة الأهالي، قائلين إن الأمر لم يعد في أيديهم، وأن الفصل فيه يخص القضاء حاليًا، مشيرًا إلى أن محامي رجب سيستأنف على الحكم.
ومنذ بدأت الدولة في خطواتها للسيطرة على الجزيرة في 2017، لم تتوقف المواجهات بين الأهالي وقوات الأمن، رغم فتح الحكومة مسارًا تفاوضيًا معهم لإخلاء منازلهم مقابل سكن بديل أو تعويضات عن منازلهم، وذلك قبل أن تعلن عن مخططها التطويري الذي يشمل أبراجًا سكنية وخدمات ومناطق مفتوحة وممشى سياحي على النيل، بجانب إنشاء مركز خدمات، ومدرسة للتعليم الأساسي والثانوي، ومركز شباب، ومركز تجاري، وحضانة، ووحدة طب أسرة، وتنفيذ أو استكمال شبكات الكهرباء والاتصالات.
The post «إحنا أحق بالتطوير».. أهالي «الوراق» يعودون لحراكهم السلمي للبقاء في الجزيرة first appeared on Mada Masr.