إذا تصورنا أن المعنى الحق الغامر للشيء يفيض منه شعاع قاصدًا العين، وأن العين تُلقي إليه بدورها سهمَ النظر، كانت لحظة الالتقاء بينهما هي لحظة استحالة صورة الشيء لغةً، يصح أن تُتخذ مصدرًا لمعرفة يُعرف بها الشيء على ما هو عليه.*
غير أن هذه اللحظة لا تبقى على حالها حين ينتقل النظر من كونه فعلًا يلتمس وساطة الوسيط في العمل الفني وينتج من خلالها المعرفة، إلى نظر استهلاكي يليق بمتطلبات السوق العالمي وبتوجهات القائمين على مؤسسة تستولي خطابيًا، وبشدة، على المشهد الفني، وتنقله مستندة إلى كل ما حصلت عليه من تسهيلات ومزايا.
قرأت الفنانة والباحثة ملك حلمي هذا التحول البصري في معرضها وكتابها «Software Upgrade» (جاليري جيبسوم، القاهرة، 2023)، حين رأت أن ما بين احتجاجات 2013 وموكب المومياوات الملكية عام 2021 «انقطاع سيميائي» خرجنا فيه من زمنية عالمية مشتركة من العمل على الصورة. وفي هذا الانقطاع اختفت الصورة بوصفها لغة، وعادت في أشكال أخرى تُبث ولا تُقرأ. وعلى هذا الانقطاع، بنت أرت ديجيبت تحولها؛ فقد انطلقت الدورة الأولى من «الأبد هو الآن» في العام نفسه الذي عبرت فيه المومياوات شوارع القاهرة في عرض صُمّم للشاشات. فصورتها صورة ما بعد الانقطاع، تُبث ولا تحمل لغة، وتتماهى مع «القوة الناعمة»، المصطلح الذي تتداوله المؤسسة بأريحية تامة، قوة تُقاس بشهية المستثمرين وتدفق الأموال من الخليج، لا بما ينتجه الفن من معنى.
تنقل أرت ديجيبت مشهدها الفني لفضائين، على نحو مادي ومعنوي: الأول يوظف سفح الأهرامات مسرحًا للعرض، والثاني يعود إلى وسط البلد بالقاهرة بادعاء تقديم الفن المعاصر للشعب المصري كحدث جديد وإتاحة الفرصة لفنانيه، ولكن في وسط بلد جديد، «مُجنتَر» بالكامل، ومدهون بالأبيض ليغطي ترهل المدينة، ظنًا أن هذا يظهر وجهها الخديوي الراقي. وهي عودة تمثل إحلالًا تامًا لكل ما كان قائمًا من قبل من حركات فنية مختلفة ومتشابكة مثل «كايرو دوكيومينتا» سنة 2010، الذي كان بيناليًا موازيًا لبينالي القاهرة الرسمي، ومثل التشابك بين مجموعات من الفنون المعاصرة والتصميم الجرافيكي والموسيقى الإلكترونية في منصات عدة تقاطعت فيها الممارسات والعروض في السنوات الأخيرة. ثم طُردت المساحات والمجموعات أو قاومت وناورت على بقائها على مراحل متتالية.
ولا تكتمل عملية أرت ديجيبت إلا بوعدٍ يشبه ما وصفه جون بيرجر** في «طرق الرؤية» حين قرأ الصورة الإعلانية: صورة تستعير سلطة الفن والتاريخ لتمنح السلعة قيمة ليست فيها، وتعد المتفرج بتحوّل لا يقع في الحاضر أبدًا، بل يُرجأ دائمًا إلى مستقبل قادم. والوعد هنا مزدوج: أعمال سطحية تكتسب قيمتها لمجرد وقوفها بحجم كبير أمام الأهرامات، ووعد بنقل المشهد المصري إلى «العالمية»، كأن هذا المشهد لم يكن يومًا جزءًا من العالم. وهو ادعاء يمحو تاريخًا كاملًا من الحداثة الفنية المصرية، من محمود مختار الذي استدعى الصورة المصرية القديمة في «نهضة مصر» لغةً للتحرر من الاستعمار لا خلفيةً للسياحة، إلى جماعة «الفن والحرية» التي أصدرت عام 1938 بيانها «يحيا الفن المنحط» تضامنًا مع فناني أوروبا في وجه الفاشية والنازية، فوقفت مع العالم لا تحت نظره، إلى «جماعة الفن المعاصر» التي بحثت منذ 1946 عن روح مصر في الحياة الشعبية وفي واقع الفقر والقهر حتى بمدارس مثل الواقعية الاشتراكية الناصرية، وصولًا إلى جيل التسعينيات الذي عرض في العالم وفي بينالياته دون وسيط يمن عليه بالعالمية. كانت هذه الحركات تنتج المعنى ثم تخرج به إلى العالم؛ أما منهجية المؤسسة فمعكوسة تمامًا: تبدأ من السوق وتنتهي إليه. ومن هنا تتكشف سذاجة شعار «الأبد هو الآن»؛ فهو يُسقط الأبد في لحظة الكاميرا، ويُغلق الزمن على حاضر بلا ماضٍ يُسأل ولا مستقبل يُصنع، فيصير الوعد المؤجَّل عند بيرجر وعدًا مستهلَكًا سلفًا: كل ما سيأتي قد أتى، في صورة.
تتعامل مؤسسة أرت ديجيبت مع الصورة على ثلاثة مستويات. الأول هو الصورة الأبدية: الخلفية المادية لهوية قومية تاريخية، ثابتة وصامتة (صحيح، أين أبناء كيميت مما يحدث الآن؟). والثاني هو الصورة المطلقة: افتراض أن العمل الفني لا يكتسب وجوده إلا بحتمية حضورهم كمؤسسة، في تلك المساحة، وفي ذلك الزمن، وتحت تلك الإدارة. والثالث هو الصورة المعدمة: العمل الفني نفسه، وقد جُرّد من كل لغة سوى لغة الحجم.
بهذا الترتيب لا يصل العمل الفني إلى العين المُستقبلة بوصفه معنى، بل بوصفه حجمًا يصلح لكادر صورة إنستجرام. تتولى الصورة الأبدية تأمين الخلفية، وتتولى الصورة المطلقة تأمين الشرعية، فلا يتبقى للعمل إلا أن يكون ذريعة لالتقاط صورة لإنفلونسر. هنا يُمسخ العمل الفني؛ لا يُسأل عما يقوله، بل عن قدرته على الوقوف أمام الهرم في إطار واحد، فيتحول إلى «توكن» بصري، علامة صرف تُستبدل بها صورة رقمية تنقل بزرار مشاركة على الشاشات. ولحظة الالتقاء التي كان يُفترض أن يتحول فيها الشيء إلى لغة ومعرفة، تُختزل في لحظة الضغط على زر الكاميرا. ومن هنا تعمل المنظومة كآلة تسويق رقمي مفتوحة لمن يدفع: السياحة ممكنة، والآثار ممكنة، والمطعم المطل على الهضبة أيضًا، والحفلات وعروض الأزياء لا مشكلة فيها، كما حدث مع عرض ديور على الهضبة. فالخلفية واحدة، والسلعة قابلة للتبديل، والعمل «الفني» ليس إلا بندًا في القائمة.
وتنقسم الهوية البصرية للمؤسسة بين صورتين. الأولى هي نفسها الصورة الأبدية في شكلها السياحي المُصدَّر: هرم (كما في شعار المؤسسة مع اسمها الفرنسي) وصحراء وضوء غروب وسيل أعمال فنية لا حصر لها على شكل أهرامات أمام الهرم نفسه، وهي صورة لا تحتاج أن تسأل عن ماهية الفن أو صاحبه الذي يقف أمامها، مصريًا كان أو غير مصري، بل حتى لو كان صاحبه داعمًا لكيان الاحتلال ومؤيد لحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني؛ فالخلفية تمنح شرعيتها لكل ما يوضع أمامها. والثانية هي صورة «نموذج النجاح» النيوليبرالي التي تصدّرها مؤسسة ورئيس مجلس إدارة أرت ديجيبت نادين عبد الغفار عن نفسها: منشورات متتالية عن بناء المؤسسة، وعن ساعات العمل الطويلة، وعن الجوائز والمنتديات الدولية، حتى تصبح هي ومؤسستها نموذجًا للعمل الثقافي.
وهنا يحضر الهرم الآخر، الذي رسمه الفنان والكاتب أحمد شوقي حسن، المشتغل على تاريخ الفن المعاصر في مصر، في روايته «انهيار مصنع الفن المعاصر» (2022). فالمشهد الفني عنده بنية «تكوَّنت من قاعدة اقتصادية متناهية الصِّغَر، تحمل على عاتقها قمَّةً مخروطية شديدة الاتساع»، قوامها «شبكة ضخمة لآلاف من الفنانين والعمال الثقافيين»، يعملون «تحت ضغط الإنتاجية المفرطة». يتراجع الفنانون المصريون إلى الهامش، يُستدعون إلى المعارض الجانبية في وسط البلد والتي بدورها تخدم ذراع «الجنترة» ألا وهي شركة الإسماعيلية، بينما تذهب الموارد والاحتفاءات إلى الأسماء الأجنبية، وتنشغل المؤسسة بحفلات الافتتاح وعشاوات المطاعم المطلة على تاريخ مصر «الأبدي» وطبعًا التقاط المزيد من الصور الراقية، حيث تُدعى الأسماء «الكبيرة» بمقياسها هي ومقياس المستثمرين، لا بمقياس الفن.
إنه هرم مقلوب: الكثرة في الأعلى والمال الشحيح في الأسفل، لذلك لا يحمل عنوانه وعدًا بالأبد (أو الاستدامة) بل نبوءة بالانهيار. ويعود شوقي إلى الشكل نفسه في صورة أكثر يومية وأشد قسوة، صورة مخروط الشاورما الدائر على سيخه: «يبدو أن هذا الحجم المخروطي الضخم سَبَّب عطلًا في محرِّك السيخ»، فيدير الطاهي السيخ بيده حتى يستعيد المحرك الكهربائي دورانه وتبدأ الكتلة في النضج. هكذا يدور المصنع: كتلة متضخمة على محور هش، لا تتحرك حين يتعطل المحرك إلا بأيدي من يعملون فيها. وإذا وضعنا هذا الهرم المقلوب أمام هرم الجيزة اتضح ما تفعله أرت ديجيبت تحديدًا؛ فهي لا توسّع القاعدة الاقتصادية الضئيلة التي يقف عليها المشهد، ولا تحمل شيئًا من ثقل قمته، بل تستعير قاعدة الهرم الحجري، أثبت شكل عرفته العمارة، لتقيم عليها عرضها، فتحل الصورة الأبدية محل القاعدة الغائبة. وتقدم المؤسسة نفسها محركًا للمشهد، تضخ فيه رأس المال بعناوين مثل «العالمية» و«القوة الناعمة»، بينما يبقى الفنانون المصريون في القمة المخروطية المزدحمة، يديرون السيخ بأيديهم كلما تعطل المحرك، وكما هم خارج الكادر دائمًا. وما يرفعه الشعار من أبدية ليس إلا المصنع نفسه وقد أُعيد تغليفه: دورة سنوية تلو أخرى، تحتفي بالحجم، وتؤجل الانهيار إلى ما بعد الصورة التالية.
ويبقى التخوف من أن تُختزل الأهرامات نفسها من وجود تاريخي حيّ مرتبط بكل مصري إلى مجرد صورة أبدية، تمنح شرعية وصلاحية العبث بالرموز المصرية لكل من هب ودب ودون مراجعة، كما في تمثال فويرمان المثير للغضب الذي ألبس حتحور فستان سهرة أسود أمام الهضبة وكأنه تأكيد على هوية حاضرين فعاليات أرت ديجيبت الـVIP. فيصير العمل الفني صورة معدمة بلا معنى أمام صورة أبدية تشهد عليه، واجهة جاذبة لرأس المال، تُعرض لمن يدفع «الآن» وتُصمَّم على مقاس من يموّل.
* البرزخ عند ابن عربي: الحدّ الذي يفصل الشيء عن حقيقته ويصله بها، فتكون الصورة حاضرةً في الوعي غائبةً في المادة، كالصورة في المرآة تُرى ولا تُلمس (الفتوحات المكية). وفيه تُحفظ صور المحسوسات في غيبتها، كما يكتب الأمير عبد القادر الجزائري: كمن رأى مدينة ثم فارقها، فإذا ذكرها رآها على آخر ما رآها عليه.
** جون بيرجر (1926، 2017): ناقد فني وروائي ورسام بريطاني، قدّم «طرق الرؤية» سلسلةً تلفزيونية على «بي بي سي» ثم كتابًا عام 1972، وفاز في العام نفسه بجائزة بوكر عن روايته «جي». وكان من أوائل المثقفين الذين أيدوا المقاطعة الثقافية لإسرائيل، إذ نشر عام 2006 رسالة في صحيفة الجارديان دعا فيها الفنانين والكتّاب إلى عدم العرض أو الأداء في إسرائيل، ووصف موقفه بأنه طريقة لعدم البقاء صامتًا. وجمع كتاباته عن فلسطين والمقاومة في كتابه «تمسّك بكل ما هو عزيز» (2007).
المصادر
- Chittick, William. The Sufi Path of Knowledge: Ibn al-Arabi’s Metaphysics of Imagination. SUNY Press, 1989
- الأمير عبد القادر الجزائري: المواقف في التصوف والوعظ والإرشاد، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2011، ص 529
- Berger, John. Ways of Seeing. BBC and Penguin Books, 1972, chapter 7
- Mahmoud Mokhtar, Egypt’s Awakening (Nahdet Misr), granite, 1920 to 1928, Giza Square, Cairo
- Art and Liberty Group, “Long Live Degenerate Art” (Vive l’art dégénéré), Cairo, 22 December 1938. In: Lenssen, Anneka, Sarah Rogers and Nada Shabout (eds.), Modern Art in the Arab World: Primary Documents. Museum of Modern Art, New York, 2018
https://mo.ma/47rEjRG - The Metropolitan Museum of Art, Heilbrunn Timeline of Art History: Egyptian Modern Art (Neo-Pharaonism, Art and Freedom, Contemporary :Art Group, 1990s generation)
https://bit.ly/4yxdcjd - Carole A. Feuerman, Egyptian Woman in the Form of the Goddess Hathor, Forever Is Now 3.0, Giza, 2023
- Helmy, Malak (ed.). Software Upgrade. Gypsum Books, Cairo; accompanying the exhibition Software Upgrade, curated by Malak Helmy, Gypsum Gallery, Cairo, September 2023. https://mhmhmh.info/
- أحمد شوقي حسن، «انهيار مصنع الفن المعاصر»، رواية، مركز المحروسة للنشر، القاهرة، 2022.
