في نشرة السودان هذا الأسبوع:
شغل الاقتصاد المتعثر في زمن الحرب صدارة المشهد السوداني هذا الأسبوع، بقضيتين تمسّان صميم الحياة اليومية. الأولى أزمة وقود تزداد تفاقمًا منذ أسابيع، وتحولت على إثرها محطات الوقود إلى ما يشبه معسكرات التخييم، فيما قفزت أسعار الجازولين والبنزين بالسوق السوداء قفزات جنونية. وبينما تُظهر الحكومة للعلن صورة الواثق المطمئن، تدور خلف الأبواب المغلقة محاولات لإيصال الوقود إلى الولايات التسع الخاضعة لسيطرة الجيش.
خطط الحكومة تدور حول محورين، حسبما قالت مصادر مطلعة لـ«مدى مصر». أولهما أقرب إلى إدارة الشُح: تشديد الحصص وضبط حركة الوقود نحو مواضع الحاجة. ورغم تجربة جهات حكومية عدة حظها في مركزة السلطة بغرض تسريع اتخاذ القرار، فإن منظومة اتخاذ القرار المتصدعة أنتجت محاولات أكثر مما حققت من نتائج.
أما المحور الثاني فيقتضي معالجة المشكلة من منبعها، وذلك بجلب إمدادات جديدة تعوّض إنتاج قطاع نفطي محلي غير قادر على العمل. ولهذا يجري رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، محادثات مع السعودية. لكن مصدرًا مطلعًا قال لـ«مدى مصر» إن الحكومة لا تستطيع الالتزام بجدول زمني لإنهاء الأزمة قبل إتمام الاتفاقات الخارجية وتوافر الضمانات المالية اللازمة.
وإلى جانب أزمة الوقود، تلوح في الأفق مشكلات أخرى، هذه المرة من صنع الحكومة نفسها. ففي مطلع أكتوبر الجاري، أعلنت وزارة الزراعة أنها ستنفّذ قرارًا لرئيس الوزراء صدر في أبريل الماضي بحظر استيراد الفول، بغرض دعم الإنتاج المحلي وتوفير العملة الأجنبية. وخلال الأسبوعين الماضيين، انهالت على الخطوة انتقادات علنية حادة، تقاسمتها مع الشارع أصوات من داخل الحكومة ومن التجار، بحسب مصادر في الجانبين تحدثت لـ«مدى مصر».
يدور القلق حول ما إذا كان بوسع قطاع زراعي أنهكته الحرب وأزمة الوقود أن يحمل فعلًا عبء إنتاج ما يكفي من سلعة غذائية أساسية يستهلكها الملايين يوميًا. وقالت مصادر حكومية لـ«مدى مصر» إن إعلان القرار شابه خلل في الإجراءات، فيما لا يملك مجلس الوزراء البيانات اللازمة للتيقن من أن الحظر لن تكون له عواقب كارثية. وانضم إلى الأصوات الناقدة مسؤولون على مستوى الولايات وتجار رأوا أن توقيت القرار لم يترك للمزارعين متسعًا لتعديل خطط الزراعة لهذا الموسم بما يعزز المعروض.
وفي حين أبدى مصدر في مكتب إدريس ثقته بأن وزارة الزراعة تملك من البيانات ما يسند سلامة تطبيق قرار الحظر، أفاد مصدر في الوزارة بأن المسؤولين يبحثون بالفعل خططًا بديلة للطوارئ.
وسياسيًا، عادت عجلة المبادرات السياسية إلى الدوران من جديد هذا الأسبوع، دون جديد في وجهتها. إذ تحاول «الخماسية»، التي تضم الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»، التعامل بحذر مع المبادرات المتنافسة كلها دون أن تزكّي أيًّا منها. ويأتِ ذلك وسط اتساع الهوة بين القوى المدنية واللجنة التحضيرية التي تقود الحوار الداخلي برعاية الحكومة، حول من يضع شروط الحوار ومن يحق له المشاركة، فيما يسعى الطرفان إلى استمالة «الخماسية» والاتحاد الإفريقي لتحقيق أفضلية.
وعلى الصعيد العسكري، واصلت قوات الدعم السريع هذا الأسبوع محاولة بسط سيطرة أوسع على محلية ود الماحي في النيل الأزرق، فيما تمكن الجيش من صدّ التقدم بهجوم مضاد، الجمعة الماضي.
وفي الجبهة الغربية، شنّ الجيش غارات جوية على مواقع لـ«الدعم السريع»، سعيًا إلى ترجمة سيطرته على شمال كردفان إلى تقدم في غربها للاستيلاء على مدينة النهود الاستراتيجية. ومن شأن السيطرة على النهود أن تفتح الباب إلى شمال دارفور، وهو، حسبما قالت مصادر عسكرية لـ«مدى مصر»، يعد هدفًا وضعه الجيش نصب عينيه.
ومن داخل دارفور نفسها، حقق الجيش مكاسب استراتيجية هذا الأسبوع، إذ تقدمت القوة المشتركة من حامياتها في شمال الإقليم نحو غرب دارفور، إذ بسطت سيطرتها على منطقة بئر كليكل الغنية بالأراضي الخصبة.
تفاقم أزمة الوقود يدفع البرهان لإدارة ملف النفط مباشرة
تتخبط الحكومة السودانية بحثًا عن مخرج من أزمة وقود تزداد تفاقمًا، في ظل امتداد الطوابير أمام محطات الوقود وتصاعد المخاوف حول تداعياتها على مختلف القطاعات، بدءًا من الأسواق وصولًا إلى الموسم الزراعي الجاري.
في جميع الولايات التسع التي يسيطر عليها الجيش، تحولت محطات الوقود إلى ما يشبه معسكرات تخييم، إذ ينتظر المواطنون يومًا أو اثنين للحصول على لتر واحد من الجازولين أو البنزين، الذي بلغ سعره نحو 47 ألف جنيه سوداني للتر، فيما يقفز سعره إلى 80 ألف جنيه في السوق السوداء. وهي الأزمة التي انعكست على أسعار المواد الغذائية، وتهدد الموسم الزراعي الصيفي، حيث تنتظر آلاف الآلات الزراعية قطرة وقود من أجل موسم الحصاد، فيما يلوح فشل الموسم الشتوي في الأفق.
لم تقرّ الدولة صراحةً بوجود أزمة وقود، بل اكتفت بالتلميح إليها في معرض طمأنة المواطنين بأن كل شيء على ما يرام.
مع ذلك، يكفي سيل الاجتماعات وبيانات الطمأنة للدلالة على الوتيرة المحمومة لما يجري خلف الكواليس. وبالفعل، تحدّث مسؤولون من مستويات حكومية مختلفة لـ«مدى مصر» عن خطة لإدارة الأزمة اتخذت مسارات متباينة خلال الأسابيع الأخيرة، لكنّ الصراعات الداخلية التي عطّلت الحكومة في ملفات سياسية عدة، أجهضت على مختلف المستويات أي زخم محتمل. يأتِ ذلك في طريق هو أصلًا شديد الوعورة للخروج من أزمة أحدثها شلل القطاع النفطي جراء الحرب وشح النقد الأجنبي.
واليوم، يحاول رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، تجاوز أسابيع من التعثر عبر تولي الملف مباشرة، وإسناد إدارة استيراد النفط إلى هيئة حكومية يُعاد إحياؤها تحت إشرافه، بالتوازي مع السعي إلى تأمين شريان إمداد من السعودية. لكن أيًا من المسارين لم يحقق نتائج ملموسة حتى الآن، ما يجعل تحديد موعد لانتهاء الأزمة أمرًا متعذرًا.
وقال مصدر في مجلس السيادة الانتقالي لـ«مدى مصر» إن الحكومة لا تستطيع الالتزام بجدول زمني لإنهاء الأزمة قبل استكمال الاتفاقات الخارجية وتوفير الضمانات المالية اللازمة، مضيفًا أن الأولوية العاجلة تتمثل في تأمين تدفق منتظم للإمدادات إلى العاصمة والولايات، بما يشمل القطاعين الزراعي والخدمي، بدلًا من الاعتماد على شحنات متقطعة لا تعمل إلا على احتواء النقص مؤقتًا.
يعود أصل أزمة الوقود إلى خروج حقول النفط من الخدمة بفعل الحرب، ما زاد اعتماد السودان على الاستيراد، وألقى بمزيد من الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي المستنزفة أصلًا، بحسب مسؤول رفيع في وزارة الطاقة تحدث لـ«مدى مصر».
وأوضح المسؤول أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع البنك المركزي السوداني والجهات المعنية الأخرى على معالجة العقبات اللوجستية، وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية، وتوزيع الكميات المتاحة على الولايات، لكن الاختناقات لا تزال قائمة رغم التدابير المتخذة حتى الآن، وكذلك رغم قرار مجلس السيادة التدخل المباشر في الملف.
في 20 سبتمبر الماضي، كلّف مجلس السيادة عضوه، شمس الدين كباشي، بالإشراف على ملف النفط، في محاولة لاحتواء الأزمة عبر إحكام التنسيق بين المؤسسات المسؤولة عن الاستيراد والتمويل والإمدادات، حسبما قال مصدر المجلس لـ«مدى مصر».
ويمتد تكليف كباشي ليشمل عقود النفط وآليات التمويل وإعادة هيكلة المؤسسات العاملة في القطاع، وفي مقدمتها المؤسسة السودانية للنفط، وهي شركة حكومية حُلّت عام 2019، قبل سقوط الرئيس السابق عمر البشير. وقال المصدر إن الهدف المعلن هو إخضاع المؤسسات السيادية والتنفيذية لمنظومة إشراف أكثر تنسيقًا، بما يتيح متابعة القرارات المتعلقة بالاستيراد والتمويل بصورة مباشرة.
لكن رفع ملف النفط إلى المستوى السيادي لم يعالج المشكلات الأساسية التي تقف وراء الأزمة. فعندما جرى تكليف كباشي، كانت صعوبات التمويل قد تفاقمت بالفعل، وتأخرت العقود الخارجية، فيما واجهت شركات الاستيراد صعوبة في تأمين الكميات المطلوبة بسبب تعثر حصولها على النقد الأجنبي وكذلك الضمانات المصرفية اللازمة، بحسب المصدر.
كان يُفترض أن يعالج هذا التكليف أوجه القصور تلك، وأن يوحّد قرارات وزارة الطاقة والبنك المركزي والجهات المالية المعنية. لكن الاستجابة حتى الآن ظلت إجرائية إلى حد كبير، واقتصرت على إعادة تنظيم آليات الاستيراد والتفاوض مع الموردين، إذ لا يمكن للعقود الجديدة أن توفر الكميات التي يحتاجها السوق قبل استكمال ترتيبات التمويل والشحن، وفقًا للمصدر.
وأمام استمرار الجمود، جدّدت وزارة الطاقة ورئيس الوزراء، كامل إدريس تحركاتهما.
في 9 أكتوبر الجاري، أعلن وزير الطاقة والنفط توفير كميات إضافية من الوقود للقطاعات الإنتاجية والخدمية، خلال اجتماع ترأسه إدريس، أقرّ المسؤولون خلاله أيضًا خطة لمعالجة تحديات الاستيراد وضمان تدفق الإمدادات بصورة منتظمة. وضم الاجتماع وكيل الوزارة، والنائب الأول لمحافظ البنك المركزي، ورئيس هيئة الأمن الاقتصادي.
لكن الإعلان لم يقدم مؤشرات واضحة على ما يمكن أن تحققه الخطة عمليًا، إذ لم تُعلن أرقام للكميات الإضافية أو كيفية توزيعها على الولايات، ولا موعد وصولها إلى الأسواق.
وبينما تحاول الحكومة تخفيف حدة أزمة نقص الوقود، دخلت 24 شركة استيراد على الخط، معترضة على القواعد التي تحدد الجهات القادرة على إدخال الإمدادات إلى البلاد. وحذرت الشركات في مذكرة مشتركة رفعتها إلى البرهان في 6 أكتوبر الجاري، من أن الاختلالات التنافسية في سوق المنتجات البترولية تهدد انتظام الإمدادات واستقرار الأسعار، بحسب مصدر في إحدى شركات استيراد وتوزيع الوقود الموقعة على المذكرة تحدث لـ«مدى مصر».
وأضاف المصدر أن اعتراضات الشركات تتركز على العوائق أمام دخول السوق، واشتراط البنك المركزي إيداع 200 كيلوجرام من الذهب كضمان لكل شحنة، إلى جانب ترتيبات تمويل المشتريات من الخارج. وترى الشركات أن هذه القواعد تمنح مجموعة محدودة من المستوردين أفضلية على حساب الآخرين، الذين يعجزون عن استيفاء الشروط والمنافسة على قدم المساواة.
وقال المصدر إن الشركات تطالب بالسماح لها بتمويل الواردات من مواردها الخاصة ومن مصادر مشروعة أخرى، بدلًا من تقييدها بقنوات محددة للحصول على النقد الأجنبي. وترى أن توسيع خيارات التمويل من شأنه تخفيف الضغط على احتياطيات البنك المركزي وإتاحة المجال أمام مزيد من المستوردين لدخول سوق يعاني أصلًا من صعوبة تأمين كميات كافية من الوقود.
كما تطالب الشركات بنظام شفاف لتوزيع حصص الاستيراد، تُعلن بموجبه الكميات المتاحة وتُوزع وفق معايير موحدة، بما يتيح لها التفاوض على العقود وتأمين التمويل على أسس أكثر وضوحًا، ويمنح الجهات الرقابية في المقابل وسيلة لمتابعة الكميات المتعاقد عليها والشحنات الواردة وحصص التوزيع.
ولمراجعة القواعد المنظمة للاستيراد، تقترح المذكرة تشكيل لجنة تحت إشراف مجلس السيادة الانتقالي تضم البنك المركزي والوزارات والجهات الحكومية المعنية، إلى جانب ممثلين لشركات الاستيراد والتوزيع، بحسب المصدر.
غير أن بدلًا من تهيئة الظروف أمام شركات القطاع الخاص لتوفير الإمدادات، الأمر الذي أخفقت الدولة فيه حتى الآن، كانت الخرطوم توجهت إلى إحكام قبضتها على واردات الوقود. ففي يونيو الماضي، قرر مجلس الوزراء دخول الدولة مباشرة إلى سوق استيراد المنتجات البترولية، وأسند تنفيذ القرار إلى وزارتي المالية والطاقة والبنك المركزي وهيئة الأمن الاقتصادي. واستهدف القرار تأمين احتياجات البلاد، واستقرار السوق، وتخفيف الضغط على سعر الصرف. وقال مسؤول بمجلس الوزراء لـ«مدى مصر» إن الغرض لم يكن إقصاء المستوردين من القطاع الخاص، بل توسيع قدرة الدولة على التدخل عند الحاجة.
لكن دخول الدولة إلى سوق الاستيراد لا يحل تلقائيًا المشكلات التي تعرقل عمل جميع المستوردين، من صعوبة الحصول على النقد الأجنبي والضمانات المصرفية إلى ضمان وصول الشحنات في مواعيدها.
وفي هذا السياق، تتحرك الرئاسة نحو تركيز الإشراف على القطاع من خلال مجلس أعلى مقترح للنفط، برئاسة البرهان نفسه وعضوية إدريس ووزير الطاقة ومحافظ البنك المركزي، بحسب مصدر ثانٍ في مجلس السيادة تحدث لـ«مدى مصر». وقال المصدر إن تشكيل المجلس وصل إلى مراحله النهائية، موضحًا أنه سيتولى تحديد الأولويات الاستراتيجية والإشراف على القرارات المتعلقة بتأمين المنتجات البترولية بالتنسيق مع مجلس الوزراء، فيما ستظل الجهات التنفيذية مسؤولة عن الجوانب الفنية والتشغيلية، وفق الصلاحيات المحددة في القرارات الرسمية.
ومن شأن المجلس المقترح توسيع نطاق الإشراف السيادي على قطاع تتداخل فيه صياغة السياسات الاقتصادية والعقود التجارية والتمويل المصرفي والأمن الاقتصادي. لكنه يثير أيضًا تساؤلات بشأن الجهة التي ستكون لها الكلمة الأخيرة، وكيف ستوزع الاختصاصات بينه وبين مكتب رئيس الوزراء ووزارة الطاقة والنفط، لا سيما في ظل التكليف القائم لكباشي بالإشراف على ملف النفط. ولا يزال توزيع الصلاحيات بين هذه الجهات غير واضح، وكذلك ما إذا كان دور المجلس سيقتصر على تحديد الأولويات الاستراتيجية أم سيمتد إلى الإشراف المباشر على العقود والتمويل.
وفي موازاة ذلك، تسعى الحكومة إلى إعادة المؤسسة السودانية للنفط إلى الواجهة، بعدما حُلّت الشركة الحكومية عام 2019 ونُقلت مهامها إلى الوزارة المسؤولة عن قطاعي النفط والغاز، التي أصبحت تُعرف اليوم بوزارة الطاقة والنفط. وتعمل الوزارة على استكمال الإطارين القانوني والإداري للمؤسسة، وتحديد آلية عملها إلى جانب الوزارة وشركات الاستيراد الخاصة، بحسب مصدر في وزارة الطاقة.
وبموجب الترتيبات المقترحة، ستسهم المؤسسة في توسيع نطاق الاستيراد المباشر، والإشراف على العقود، وتنسيق توزيع الإمدادات، لكن صلاحياتها المُفصّلة وموعد استئناف عملها لم يُحسما بعد.
ولا يزال من المبكر الجزم بما إذا كانت إعادة إحياء المؤسسة ستؤسس لآلية مستدامة لاستيراد الوقود وتوزيعه، أم ستقتصر على كونها مجرد إعادة توزيع المسؤوليات بين المؤسسات الحكومية. غير أن دورها قد يصبح مهمًا إذا نجحت الحكومة في التوصل إلى اتفاق لتوريد الوقود مع «أرامكو» السعودية، إحدى أبرز الجهات التي تراهن عليها لتخفيف حدة النقص.
وبدأت المفاوضات مع عملاق الطاقة السعودي المملوك للدولة عام 2024، قبل أن تتعثر وتُستأنف مجددًا في وقت سابق من العام الجاري. ووصلت المباحثات الآن إلى مراحل متقدمة، مع استهداف التوصل إلى اتفاق قبل نهاية 2026، بحسب مصدر وزارة الطاقة والنفط. وسيتطلب الاتفاق المقترح توفير ضمانات مصرفية من البنك المركزي والجهات المالية المعنية الأخرى.
وأوضح المصدر أن جهة سودانية متخصصة، يُرجح أن تكون المؤسسة السودانية للنفط بالتنسيق مع الوزارة، ستتولى توقيع العقد وإدارة عمليات التسليم، وفق شروط لا تزال قيد التفاوض وتشمل الكميات ومواعيد التوريد والتمويل والسداد.
قد يوفر الاتفاق وسيلة أكثر انتظامًا لتأمين جزء من احتياجات السودان من الوقود، بدلًا من الواردات المتقطعة التي ظلت عرضة لمشكلات التمويل وتأخر الإمدادات. لكن المفاوضات لم تسفر بعد عن توقيع عقد، فضلًا عن عدم الكشف عن الكميات أو التكلفة أو شروط السداد. وحتى في حال التوصل إلى اتفاق، ستظل الحكومة مطالبة بتوفير الضمانات اللازمة والوفاء بالتزاماتها المالية، إلى جانب ترتيب شحن الوقود وتفريغه وتوزيعه في أنحاء البلاد، بحسب المصدر.
لا يقتصر الحضور السعودي مؤخرًا في قطاع النفط السوداني على المفاوضات مع «أرامكو». ففي 10 سبتمبر الماضي، وقّع السودان مذكرة تفاهم مع مجموعة «طويق» السعودية لإعادة تأهيل مصفاة الجيلي النفطية، التي خرجت من الخدمة خلال الأشهر الأولى من الحرب، وإنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان. وتشير هذه المشروعات إلى مساعٍ لإعادة بناء البنية التحتية النفطية التي دمرتها الحرب، لكنها لا تزال في مرحلة مذكرة التفاهم، بانتظار اتفاق نهائي وبدء التنفيذ.
وعادت مباحثات «أرامكو» ومذكرة التفاهم الخاصة بالمصافي إلى الواجهة، أمس، في الرياض، خلال لقاء وزير الطاقة والنفط السوداني مع مساعد وزير الطاقة السعودي على هامش المنتدى الدولي للطاقة ومؤتمر البترول العالمي. وبحسب بيان للوزارة السودانية، بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الاستراتيجي الثنائي في مجالات النفط والغاز والكهرباء، إلى جانب الترتيبات الجارية بين البلدين.
حظر استيراد الفول دون تنسيق بين الوزارات يثير مخاوف بشأن الإمدادات
caption
رغم أزمة الوقود التي تثقل كاهل المزارعين وترفع تكلفة الإنتاج الزراعي، أعلنت الحكومة السودانية في مطلع أكتوبر الجاري المضي قدمًا في حظر استيراد فول التدميس، وهو من السلع الغذائية الأساسية التي يستهلكها ملايين السودانيين يوميًا، بعد تأجيل القرار لفترة طويلة.
أعلنت وزارة الزراعة والري القرار في 2 أكتوبر الجاري، معلنةً وقف إصدار شهادات عدم الممانعة لاستيراد الفول من أي دولة، في خطوة قالت إنها تأتي تنفيذًا لأمر أصدره رئيس الوزراء كامل إدريس، في أبريل الماضي، وقدّمها مكتبه باعتبارها وسيلة لدعم المنتجين المحليين والحفاظ على النقد الأجنبي.
لكن خلال الأسبوعين اللاحقين للإعلان، تصاعدت الانتقادات في أوساط الرأي العام وداخل الحكومة، وكذلك في القطاعات الزراعية والتجارية، وسط تساؤلات بشأن مدى استعداد البلاد لهذه الخطوة، وتحذيرات من انعكاساتها المحتملة على توافر سلعة غذائية أساسية وأسعارها.
ورغم الانتقادات، لا يزال الحظر ساريًا، لكن ثمة مؤشرات على القلق من التداعيات التي قد تترتب على القرار.
حاول وزير الزراعة والموارد المائية، عصمت قرشي، النأي بنفسه عن القرار بعدما أثار انتقادات واسعة. ففي مؤتمر عُقد في 7 أكتوبر الجاري، قال إن القرار يدخل ضمن اختصاص وزارة التجارة، فيما اقتصر دور وزارته على وقف إصدار الشهادات تنفيذًا لحظر سابق.
في المقابل، قال مسؤول رفيع في مكتب إدريس لـ«مدى مصر» إن الحكومة لا تزال واثقة من القرار، مستندةً إلى تقديرات وزارة الزراعة التي تشير إلى توافر مخزونات جيدة وتوقعات بمحصول يكفي لتلبية احتياجات السوق.
لكن الوزارة نفسها تبدو أقل اطمئنانًا. إذ تناقش الجهات المعنية حاليًا تدابير احترازية تحسبًا لاضطرابات محتملة في الإمدادات خلال سريان الحظر، بحسب مسؤول في وزارة الزراعة تحدث لـ«مدى مصر». وتشمل المقترحات مراجعة مشتركة للمخزونات ومعدلات الاستهلاك بمشاركة وزارات الزراعة والمالية والتجارة، إلى جانب مراجعة الشحنات التي تغطيها عقود استيراد أُبرمت قبل صدور الحظر، ووضع ترتيبات انتقالية تحول دون حدوث تراجع مفاجئ في المعروض.
وتدرس الجهات المعنية أيضًا تحديد حصص ثابتة للاستيراد إذا ثبت وجود فجوة في الإمدادات، بما يسمح باستيراد الكميات اللازمة عند الحاجة، مع الإبقاء على التدابير الرامية إلى حماية المزارعين المحليين، بحسب المسؤول.
ولم يوضح المسؤول ما إذا كانت هذه المقترحات قد اعتُمدت رسميًا أو متى يمكن اتخاذ قرار بشأنها، لتظل الحكومة تدرس كيفية التعامل مع اختلالات الإمداد التي يُفترض أن تحول هذه التدابير دون وقوعها، إذا ظهرت بالفعل.
كانت وزارة الزراعة طرحت حظر استيراد الفول لأول مرة في أواخر 2025، بهدف تشجيع زراعته إلى جانب القمح، لكن تنفيذ القرار أُرجئ إلى حين بلوغ الإنتاج المحلي مستويات تكفي لتغطية الاحتياجات، بحسب مصدر في وزارة المالية تحدث لـ«مدى مصر».
غير أن عودة ملايين السودانيين إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش رفعت الطلب على السلع المستوردة لتلبية احتياجاتهم، وهو ما غيّر المعطيات، بحسب المصدر.
وقال المصدر إن إدريس وجّه في منتصف سبتمبر الماضي بتنفيذ الحظر، قبل أن يصدر قرشي قراره في مطلع أكتوبر.
وبالنسبة إلى المصدر، فإن طريقة تطبيق الحظر تمثل في حد ذاتها موضع قلق، وقد أثارت تحفظات جدية داخل وزارة المالية. وأوضح أن اتخاذ إجراء يمس سلعة غذائية أساسية لملايين السودانيين كان ينبغي أن تسبقه مراجعة مشتركة لبيانات الإنتاج والتجارة والتمويل، بما يتيح للحكومة تقدير المخاطر التي تهدد الإمدادات والأسعار قبل وقف الاستيراد. وأضاف أن القرار لم تسبقه أيضًا فترة انتقالية تتيح للمستوردين الوفاء بالتزاماتهم القائمة، أو للجهات المعنية التحقق من قدرة المخزونات المتاحة على تغطية الطلب.
وللتحقق من مدى ملاءمة توقيت الحظر، تحتاج الجهات الاقتصادية إلى بيانات موثوقة عن المخزونات الحالية، والمحصول المتوقع ومعدلات الاستهلاك في ولايات السودان المختلفة، والتي لا تتوافر لديها حتى الآن، بحسب المصدر. ومن دونها، قد لا تكتشف السلطات وجود فجوة في الإمدادات إلا بعد أن تبدأ في دفع الأسعار إلى الارتفاع.
وأضاف المسؤول أن ذلك سيزيد الأعباء على الأسر محدودة الدخل، التي تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف النقل والخدمات الأساسية.
وفي ذات السياق، قدّم مسؤول رفيع في مكتب إدريس صورة أكثر وردية، قائلًا لـ«مدى مصر» إن تقديرات وزارة الزراعة والري تشير إلى توافر مخزونات جيدة، مع توقعات بمحصول يكفي لتلبية احتياجات السوق.
ودافع المسؤول عن الحظر باعتباره جزءًا من مسعى أوسع لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات الزراعية، معتبرًا أن تدفق المنتجات المستوردة بأسعار منخفضة يصعّب على المزارعين المحليين بيع محاصيلهم بأسعار تغطي تكاليف زراعتها، لا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وتكاليف العمالة وغيرها من مستلزمات الإنتاج.
لكن احتياجات السوق لا تقتصر على موسم الحصاد، حتى لو كان المحصول المتوقع كافيًا لتغطية الطلب. فتوافر المحاصيل محليًا على مدار العام يتوقف على مواعيد الحصاد وقدرة التجار على تخزينها ونقلها، فيما تسد الواردات الفجوات حين يتراجع المعروض في أسواق الجملة أو ترتفع الأسعار، حسبما قال مصدر في إحدى شركات الاستيراد والتصدير لـ«مدى مصر».
وحذّر المصدر من أن آثار الحظر قد تظهر تدريجيًا، مع تراجع مخزونات التجار وعدم وصول إمدادات بديلة في الوقت المناسب. وقد تبدأ الأسعار في الارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلي، مع انعكاس التوقعات بشح المعروض على حركة السوق.
وقد يلجأ المستهلكون عندئذ إلى أنواع أخرى من البقوليات والسلع الغذائية، ما يزيد الطلب على البدائل، وحينئذ يمتد بضغط الأسعار إلى ما يتجاوز الفول نفسه، حسب المصدر.
ويفترض قرار الحظر أيضًا أن المزارعين قادرون فعليًا على زيادة الإنتاج. لكنهم يواجهون بالفعل ارتفاعًا في تكاليف الزراعة وصعوبة في الحصول على التمويل، بحسب مسؤول في الجهاز التنفيذي بولاية نهر النيل، إحدى أهم مناطق إنتاج الفول في السودان.
تدفع زيادة تكاليف مستلزمات الإنتاج المزارعين إلى إعادة النظر في المساحات التي يستطيعون زراعتها، خاصة في ظل شح التمويل أو تأخر وصول البذور والأسمدة وغيرها من المدخلات. وقال المسؤول إن معالجة هذه العقبات قبل بدء الموسم الزراعي شرط لزيادة الإنتاج.
لكن هذه الفرصة فاتت بالفعل بالنسبة إلى الموسم الحالي، الذي بدأ في أكتوبر الجاري، ما يترك مجالًا محدودًا لتحقيق أي زيادة سريعة في الإنتاج.
وأضاف المسؤول أن التكاليف لا تتوقف عند الحصاد، إذ تستنزف عمليات التعبئة والتخزين والنقل جزءًا من عائدات المزارعين، فيما تزيد أسعار الوقود ورسوم الخدمات وتكاليف النقل بين الولايات من الأعباء. وقال إن ذلك يوسّع الفجوة بين الأسعار التي يحصل عليها المزارعون وتلك التي يدفعها المستهلكون في المدن. وقد يتيح حظر الاستيراد مجالًا أكبر للمنتجين المحليين، غير أن ذلك يظل مرهونًا بقدرة الحكومة على خفض تكاليف الزراعة والتسويق وضمان وصول المحاصيل إلى الأسواق بصورة منتظمة، أضاف المسؤول.
وتشير تقديرات قدمها مسؤول في وزارة الزراعة إلى أن الواردات تمثل ما بين 15 و18% من إمدادات الفول في السودان، واقتربت النسبة خلال العام الماضي من الحد الأعلى لهذا النطاق.
ورغم أن هذه الحصة قد تبدو محدودة، فإن الواردات تسهم في سد الفجوات حين يتراجع المخزون المحلي قبل حلول موسم الحصاد التالي، بحسب العوض الصافي، تاجر محاصيل في الولاية الشمالية، والذي قال إن حظرها قد يحوّل الطلب نحو الفول المنتج محليًا ويحسّن عائدات المزارعين، لكنه قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع بالقدر نفسه إذا لم تكفِ الإمدادات المحلية لتغطية الطلب، أو ظلت تكاليف الإنتاج والنقل مرتفعة.
«الخماسية» تنخرط مع المبادرات السياسية المتنافسة
في ظل تنافس المبادرات المختلفة على تحديد ملامح المستقبل السياسي للسودان، تسعى الآلية الخماسية المعنية بالوساطة في السودان إلى التواصل مع المعسكرات السودانية المتنافسة، دون أن ترجّح كفة مبادرة على أخرى.
وتجري الآلية -التي تضم الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»- مشاورات مع قوى «ذات مواقف متباينة من السلطة القائمة»، بالتوازي مع انخراطها في الحوار الذي يدعمه البرهان، بحسب مسؤول بالاتحاد الإفريقي تحدث إلى «مدى مصر». وقال المسؤول إن الهدف هو تنسيق المبادرات المختلفة، لا تأييد إحداها أو الاتفاق على صيغة بعينها للعملية السياسية.
والتقت الآلية، الإثنين الماضي، وفدًا من قوى إعلان المبادئ، وهو التحالف المناهض للحرب الذي يسعى إلى ترسيخ نفسه مركزًا جديدًا للثقل السياسي في السودان، بمقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا. وجاء اللقاء عقب مباحثات أجرتها الآلية الشهر الماضي مع اللجنة التحضيرية للحوار الداخلي خلال زيارة إلى الخرطوم.
في المقابل، تواصل اللجنة تحركاتها الإقليمية الخاصة، إذ تلقت الثلاثاء الماضي دعوة من الرئيس البوروندي، إيفاريست ندايشيمي، الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، لزيارة بوروندي، في إطار مساع لإجراء مشاورات بشأن إطلاق الحوار.
لكن تنسيق الجهود بين المبادرات المختلفة لن يحسم، في حد ذاته، الخلاف حول الأسس السياسية التي ينبغي أن تقوم عليها. ففي حين يجري تنظيم حوار البرهان تحت إشراف السلطات التي يقودها الجيش، تدعو قوى إعلان المبادئ إلى أن تتولى القوى المدنية تحديد الإطار السياسي، مع حصر دور الأطراف العسكرية في المسائل الأمنية والإنسانية، بحسب مصدر سياسي شارك في الوفد.
وقال المصدر لـ«مدى مصر» إن التحالف الذي يضم قوى مدنية ومسلحة تقودها حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، ويشمل تحالف «صمود» المعارض بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، عرض مقترحه خلال اجتماع الإثنين. وشارك حمدوك في الاجتماع إلى جانب ممثلين عن حزب المؤتمر الشعبي وشبكات نسوية وشبابية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات مستقلة.
ويربط المقترح بين الإغاثة الإنسانية ووقف إطلاق النار من جهة، والمباحثات السياسية بشأن الحكم وإعادة بناء مؤسسات الدولة من جهة أخرى، فيما شدد الوفد على ضرورة إبعاد الأطراف العسكرية عن العملية السياسية، بحسب المصدر.
كما يطالب الوفد باستبعاد حزب المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي والمجموعات المرتبطة بهما من المرحلة المقبلة. ويستند هذا المطلب إلى رؤية التحالف بأن الأزمة السودانية الراهنة تعود جذورها إلى الصراع على السلطة الذي أعقب سقوط البشير، بحسب المصدر. ويرى التحالف أن السماح بعودة قوى مرتبطة بالنظام السابق إلى العملية السياسية سيستدعي رفض القوى الثورية ويهدد استدامة أي تسوية سياسية.
ويربط التحالف أيضًا بين المفاوضات السياسية وتشديد القيود على إمدادات السلاح. وأيد خلال الاجتماع مقترحًا تقوده الولايات المتحدة لتوسيع نطاق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، بحيث يشمل السودان بأكمله بدلًا من اقتصاره على دارفور، معتبرًا أن استمرار تدفق الأسلحة والتمويل إلى أطراف الحرب سيجعل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أمرًا صعبًا. ودعا الوفد الآلية الخماسية إلى العمل مع الهيئات الدولية المعنية بالعقوبات لبحث سبل الحد من تدفق الأسلحة إلى البلاد، بحسب المصدر.
ويواجه المقترح بالفعل معارضة داخل مجلس الأمن، إذ تعثّر مشروع القرار الأمريكي الرامي إلى توسيع الحظر في ظل مقاومة من روسيا والصين والدول الإفريقية بالمجلس. كما ترفضه السلطات التي يقودها الجيش في السودان رفضًا قاطعًا، معتبرة أن من شأنه مساواة القوات المسلحة التابعة للدولة بـ«ميليشيا متمردة».
وقال مسؤول الاتحاد الإفريقي، تعليقًا على مقترح الوفد، إن الآلية الخماسية تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين المعسكرات السياسية السودانية المتنافسة وإرساء أرضية مشتركة لعملية سياسية منظمة، لكنها لا تملك صلاحية البت في مسائل مثل حظر الأسلحة.
وهذا في حد ذاته تحدٍ أمام الآلية، التي أخفقت على مدى أشهر في دفع الأطراف نحو مسار سياسي برعاية دولية.
وتتمثل المواقف المعلنة للآلية الخماسية في أن تكون العملية السياسية بقيادة وملكية سودانيتين، مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها ورفض قيام هياكل حكم موازية. لكن تطبيق هذه المبادئ يعني عمليًا التعامل مع قوى ترفض الحوار الذي تدعمه السلطات في الخرطوم، بالتوازي مع التنسيق مع السلطات نفسها ومحاولة الدفع بمسار بديل برعاية إقليمية ودولية، بحسب مسؤول الاتحاد الإفريقي.
كانت مشكلة تعدد المبادرات محورًا رئيسيًا في مباحثات الوفد بأديس أبابا. واستنادًا إلى الاجتماع الذي عقدته الآلية الخماسية في سبتمبر الماضي مع «الرباعية» المعنية بالسودان بقيادة الولايات المتحدة، والتي تضم السعودية والإمارات ومصر، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، دعا الوفد إلى إنشاء إطار تنسيقي يضم الآليات الثلاث: الخماسية والرباعية والترويكا، التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج. وقال المصدر السياسي الذي شارك في الوفد إن تعدد المبادرات، في غياب إطار مشترك، أتاح للقوى السياسية والعسكرية التعامل مع مسارات مختلفة دون تصور واضح لكيفية ترابطها.
لكن تحالف «صمود» نفسه يعمل الآن على إطلاق مسار سياسي آخر.
قال مصدر قيادي في المكتب التنفيذي للتحالف لـ«مدى مصر» إن «صمود» يتجه إلى مقاطعة الحوار الداخلي، بما في ذلك عدم المشاركة في لجنته التحضيرية أو أي اجتماعات تنبثق عنها.
وبدلًا من ذلك، ينخرط التحالف في مشاورات مع قوى مدنية وأطراف إقليمية ودولية من أجل «تطوير مسار سياسي آخر يستند إلى اتفاق بين القوى السودانية على أسس العملية الانتقالية، ويرتبط بإجراءات إنسانية وأمنية لوقف الحرب»، بحسب المصدر.
وأضاف أن التحالف يسعى إلى جمع القوى الرافضة للحوار الداخلي حول رؤية سياسية مشتركة، بحيث تتولى القوى المدنية زمام تحديد شروط العملية وإطارها، بدلًا من الانضمام إلى مسار سبق تحديد إطاره السياسي والتنظيمي.
وقال المصدر إن التحالف يرفض تقديم اللجنة لنفسها باعتبارها مجرد هيئة إدارية مسؤولة عن تنظيم الاجتماعات، وهو توصيف طرحته اللجنة في اتصالاتها مع القوى المدنية سعيًا إلى تأمين مشاركة كافية لإطلاق الحوار. وتؤكد اللجنة أنها لا تحدد معايير المشاركة، ولا تضع الأجندة السياسية للحوار أو تملي مخرجاته.
وتخشى القوى المدنية الرافضة للمبادرة أن تؤدي مشاركتها في لجنة شكلتها السلطات القائمة إلى تقييدها بترتيبات يصعب تغييرها لاحقًا، بحيث تنحصر اعتراضاتها في تفاصيل الحوار بدلًا من إتاحة المجال أمامها للطعن في الإطار الذي يقوم عليه من الأساس، بحسب القيادي في المكتب التنفيذي في «صمود»، الذي أشار أيضا إلى أن حصول الحوار الداخلي على دعم خارجي لا يغيّر موقف التحالف، ولا يعالج اعتراضاته على الأسس التي يقوم عليها.
وكانت اللجنة التحضيرية تأمل أن يساعدها اجتماعها مع الآلية الخماسية الشهر الماضي في تأمين مشاركة القوى التي لا تزال متوجسة من المبادرة، بحسب ما قاله مصدر باللجنة لـ«مدى مصر» سابقًا.
وتتجه اللجنة الآن إلى طلب دعم قيادة الاتحاد الإفريقي الحالية. وقال عضو باللجنة لـ«مدى مصر» إنها تستعد لزيارة بوروندي لإجراء مباحثات مع ندايشيمي، الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، بشأن الترتيبات اللازمة لإطلاق الحوار.
وسلّم سفير بوروندي لدى السودان الدعوة إلى اللجنة خلال اجتماع عقده معها في الخرطوم الثلاثاء الماضي، بحسب المصدر. ومن المتوقع أن تتناول المباحثات الخطوات اللازمة لإطلاق الحوار، وأسباب إحجام بعض القوى السياسية عن المشاركة، والدور الذي يمكن للمؤسسات الإفريقية أن تضطلع به لتوسيع المشاركة ودعم العملية.
وتسعى اللجنة إلى الاتفاق على دور أوضح للاتحاد الإفريقي خلال المرحلة المقبلة، لا سيما في توفير «ضمانات سياسية» وتشجيع القوى المتشككة في المبادرة على الانضمام إلى المشاورات التحضيرية. لكنها تؤكد في الوقت نفسه تمسكها بمبدأ أن تتولى القوى السودانية تحديد أجندة العملية السياسية ومخرجاتها، بحسب المصدر.
وتقوم المبادرة، وفقًا للمصدر، على مبدأ أن يدير السودانيون حوارهم السياسي بأنفسهم، مع الاستعانة بالدعم الإقليمي والدولي لتهيئة الظروف اللازمة لانعقاده. لكن مع استمرار الخلاف حول الإطار السياسي للحوار، تراهن اللجنة على دعم الرئاسة البوروندية للمساعدة في معالجة المخاوف التي أبقت بعض القوى خارج العملية، فيما أضاف المصدر أن اللجنة ستواصل مشاوراتها الداخلية بالتوازي مع الاستعداد للزيارة.
وقال مصدر دبلوماسي إفريقي مطلع على تواصل الرئاسة البوروندية بشأن السودان لـ«مدى مصر» إن الدعوة تأتي في إطار جهود لتوسيع التواصل مع الأطراف السودانية المنخرطة في العملية السياسية. وتسعى الرئاسة البوروندية إلى تشجيع المبادرات التي يمكن أن تقرّب المواقف المتباعدة وتساعد في تهيئة الظروف لإنهاء الحرب، بحسب المصدر.
لكن المصدر شدد على أن هذه الاتصالات لا تعني تأييد مبادرة اللجنة التحضيرية. فالاتحاد الإفريقي، شأنه مثل الآلية الخماسية، يسعى إلى التواصل مع الجهود السياسية السودانية دون إظهار تفضيل مبادرة على أخرى، في حين أوضح أن الدعوة لا تمنح اللجنة تفويضًا حصريًا لإدارة العملية السياسية.
وأضاف أن دعم الاتحاد الإفريقي سيظل مرهونًا بقدرة أي مبادرة على توسيع المشاركة وتقديم ضمانات سياسية مقبولة لدى الأطراف المعنية.
ويواجه الاتحاد الإفريقي مهمة الموازنة بين دعم الملكية السودانية للعملية السياسية وتنسيق المبادرات الداخلية مع جهود الآلية الخماسية، دون السماح بتحولها إلى مسارات متنافسة يصعب التوفيق بينها لاحقًا، بحسب المصدر.
«الدعم السريع» يحاول التقدم مجددًا في ود الماحي بالنيل الأزرق.. والجيش يصد الهجوم
بعد أسبوع من سيطرتها على منطقة جبال كدالو في محافظة ود الماحي شرقي إقليم النيل الأزرق، بالقرب من الحدود الإثيوبية، حاولت قوات الدعم السريع التقدم مجددًا، مستهدفة منطقة جديدة في المحافظة، غير أن الجيش، بمساندة من السكان المحليين، تمكن من صد الهجوم.
وعقب ذلك، بدأ الطرفان تعزيز مواقعهما استعدادًا لعمليات عسكرية جديدة، وفقًا لثلاثة مصادر عسكرية.
وقال أحد المصادر لـ«مدى مصر» إن «الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال شنّتا هجومًا على بلدة أم درفا في الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضي، فردّ الجيش بهجوم مضاد، بمساندة قوات المقاومة الشعبية، وتمكن من صد الهجوم وإلحاق خسائر كبيرة بالمهاجمين في الأرواح والعتاد، بحسب المصدر.
وانضم أهالي البلدة إلى القتال، حاملين أسلحة خفيفة وتقليدية للدفاع عن منطقتهم إلى جانب الجيش، بحسب ناشط في الدمازين، عاصمة الإقليم، قال لـ«مدى مصر» إن مشاركتهم كان لها دور مهم في صد الهجوم.
لكن المواجهات لم تقتصر على خطوط القتال، إذ واصلت «الدعم السريع» استهداف المنطقة بالطائرات المسيّرة، بحسب الناشط، بما في ذلك هجوم شنّته، الأحد الماضي، على المستشفى الرئيسي، أسفر عن إصابة اثنين من الكوادر الطبية وألحق أضرارًا بأجزاء من المنشأة، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة.
وقال الجيش، الإثنين الماضي، إنه أسقط مسيّرة استراتيجية بالقرب من ود الماحي، مضيفًا أنه رصد الطائرة أثناء عبورها إلى الأراضي السودانية قادمة من إثيوبيا.
وبدأ الجيش تعزيز مواقعه شرقي النيل الأزرق في اليوم التالي للهجوم على أم درفا، إذ دفع بعشرات الآليات القتالية التي تقل قوات الكتيبة الاحتياطية إلى الجبهات الشرقية للإقليم، السبت الماضي، بحسب المصدر العسكري الذي تحدث لـ«مدى مصر». وأضاف أن التعزيزات المجهزة بأجهزة تشويش ومنظومات دفاع جوي، تهدف إلى تأمين المواقع الخاضعة لسيطرة الجيش ودعم العمليات الرامية إلى استعادة المواقع التي سيطرت عليها «الدعم السريع»، إلى جانب تطهير نقاط رئيسية على امتداد الحدود الإثيوبية.
وبحلول الاثنين، ظهرت مؤشرات على حشد عسكري موازٍ على الجانب الآخر من الحدود، إذ قال مصدران عسكريان لـ«مدى مصر» إن 40 آلية قتالية وعشرات الدراجات النارية تحركت من مدينة أصوصا في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي باتجاه منكوش، القريبة من الحدود السودانية والمقابلة لمحافظة ود الماحي. ورجّح المصدران أن تكون هذه التحركات تمهيدًا لهجمات على أبو قداف وبلقوة في المحافظة، مضيفين أن الجيش رصد التحركات ووضع خططًا للتصدي لها.
وفي محلية الكرمك، حيث دفعت «الدعم السريع» بتعزيزات إضافية الأسبوع الماضي، شنّ 300 من عناصرها، على متن 50 عربة، هجومًا، الجمعة الماضي، على جبل كدم، شرقي مدينة الكرمك الخاضعة لسيطرتها، بحسب أحد المصدرين العسكريين، والذي أضاف أن الجيش تمكن من استدراج المهاجمين إلى كمين وصد الهجوم.
من جانبها، قالت الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين إن قوات الجيش ألحقت خسائر كبيرة بقوات الدعم السريع في الأرواح والمعدات خلال تنفيذ عملية الكمين.
الجيش يكثّف غاراته الجوية في كردفان ويُعدّ قواته للقتال في دارفور
بالتوازي مع سعيه إلى إحكام سيطرته على شمال كردفان والتقدم نحو غرب كردفان، كثّف الجيش غاراته الجوية على مواقع «الدعم السريع» في الولايتين، فيما أعادت الأخيرة نشر مقاتليها حول مدينة النهود الاستراتيجية تحسبًا لمحاولة الجيش التقدم نحوها.
ويستعد الجيش حاليًا لتجهيز فرقه العسكرية لمرحلة جديدة محتملة من القتال في دارفور.
وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر» إن غارات جوية استهدفت، الأربعاء الماضي، أبو حراز في شمال كردفان، وأم صميمة والخوي والضليطة وصريف عنكوش في غرب كردفان، ما أسفر عن مقتل عدد من مقاتلي «الدعم السريع» وتدمير 15 عربة قتالية، مضيفًا أن العمليات الجارية تستهدف التقدم نحو تخوم دارفور.
في المقابل، نقلت «الدعم السريع» أعدادًا كبيرة من مقاتليها إلى النهود في غرب كردفان، ووزّعتهم على الأطراف الجنوبية والغربية للمدينة تحسبًا لهجمات مباغتة من الجيش، بحسب المصدر.
وتشكّل النهود الركن الشمالي الشرقي من المثلث الاستراتيجي في غرب كردفان، إلى جانب بابنوسة وهجليج، ومن يسيطر عليها يمسك بنقطة ارتكاز بين غرب كردفان وشمال دارفور.
وقال ضابط متقاعد إن «الدعم السريع» قد يعطي الأولوية حاليًا لتحصين مواقعه وتعزيز قواته في دارفور، بدلًا من خوض مقاومة في غرب كردفان، لا سيما بعدما فكّك الجيش قوته الصلبة في شمال كردفان.
ويعيد التقدم المرتقب غربًا الفرقة السادسة مشاة إلى مسرح العمليات في دارفور، بعدما صمدت تحت حصار «الدعم السريع» في الفاشر لمدة 18 شهرًا قبل سقوط المدينة وحاميتها في أواخر عام 2025، إذ نُقلت الفرقة من قاعدتها المؤقتة في مروي بالولاية الشمالية إلى الخرطوم، تمهيدًا لإعادة نشرها والقتال في دارفور.
وخلال مراسم وداع للفرقة، الثلاثاء الماضي، قال قائد قاعدة مروي الجوية لجنود الفرقة إنهم سيلتقون مجددُا في الفاشر، فيما أعلن نائب قائد الفرقة عبد الجبار بابكر أن القوات تتجه الآن إلى خطوط المواجهة لاستعادة المدينة.
وقال مصدر عسكري لـ«مدى مصر» إن جنود الفرقة خضعوا لتدريبات مكثفة استعدادًا لنشرهم في الميدان، مضيفًا أن قوات من الفرقة الـ20 مشاة في الضعين، والفرقة الـ15 في زالنجي، والفرقة الـ22 في بابنوسة، أُعيد تموضعها كذلك للالتحاق بخطوط المواجهة.
الجيش يصد هجومًا على مواقعه في الجبال الشرقية بجنوب كردفان
اندلعت اشتباكات في أم دحليب بجبال النوبة الشرقية في جنوب كردفان، الأحد الماضي، إثر هجوم شنّته «الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال على مواقع للجيش في المنطقة، حسبما قال لـ«مدى مصر» مصدر ميداني من المتطوعين المدنيين الذين استجابوا لنداء القتال إلى جانب الجيش.
واستمرت الاشتباكات نحو ست ساعات قبل أن يتمكن الجيش من صد الهجوم، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات من مقاتلي «الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها، وفقًا للمصدر، الذي أضاف أن الجيش تكبّد بدوره خسائر في صفوفه.
وقال المصدر إن «الدعم السريع» وحلفاءها يسعون إلى فتح جبهة جديدة في منطقة الجبال الشرقية، مشيرًا إلى أن الفرقة العاشرة مشاة التابعة للجيش في أم جبيهة دفعت بتعزيزات عسكرية ولوجستية إضافية استعدادًا لذلك.
وفي اليوم نفسه، أسفر قصف مدفعي للحركة الشعبية-شمال على كادوقلي، عاصمة الولاية، عن مقتل أم وأطفالها الثلاثة، بحسب ما أعلنت شبكة أطباء السودان.
الجيش وحلفاؤه يتقدمون في المناطق الحدودية بغرب دارفور
سيطر الجيش وحلفاؤه هذا الأسبوع على مزيد من الأراضي في المناطق الحدودية بغرب دارفور، مستفيدًا من مناطق تمركزه في شمال دارفور.
وقال مصدر ميداني في القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش لـ«مدى مصر» إن قوات الجيش ومقاتلي القوة المشتركة انطلقوا من جرجيرة في شمال دارفور، الأربعاء الماضي، وعبروا إلى غرب دارفور، وصولًا إلى بئر كليكل، حيث خاضوا اشتباكات مع «الدعم السريع» استمرت خمس ساعات.
وأضاف أن القوات تمكنت في نهاية المطاف من السيطرة على المنطقة، وألحقت خسائر في الأرواح بـ«الدعم السريع» واستولت على عدد من الآليات القتالية، فيما نشر مقاتلون من القوة المشتركة مقاطع فيديو توثق سيطرتهم على المنطقة.
وتقع بئر كليكل على بعد نحو 32 كيلومترًا من الحدود التشادية، في الجزء الشرقي من محلية جبل مون، إحدى أكثر المناطق الزراعية خصوبة في غرب دارفور، كما يقصدها الرعاة خلال فترات الجفاف.
ورحّب والي غرب دارفور المعيّن من السلطات بالخرطوم، بحر الدين كرامة، باستعادة المنطقة، في بيان أصدره الأربعاء الماضي.
سجل هنا لتصلك نشرة «عين على السودان» على البريد الإلكتروني.
The post الحكومة تتخبط أمام أزمة الوقود وتنقسم حول حظر استيراد الفول.. و«الخماسية» توازن بين المبادرات السياسية.. و«الدعم السريع» تضغط على النيل الأزرق والجيش عينه على دارفور first appeared on Mada Masr.

