«أدركتُ أن وعيي، ولاوعينا الجمعي، مسكونان بفكرة الحرب، لازمني الخجل من أي شيء نفعله لا علاقة له بها، ناهيك أنني أُم»، حين سمعتُ هدى عمران تتحدث هكذا عن روايتها «كازينو الملائكة»؛ تأثرتُ، كيف يمكن إسقاط هذا الاقتباس، كيف يمكن ألا أُسقط هذا الاقتباس على واقعنا، وقد غالبني الحرج طوال هذه الأعوام الثلاثة كلما نظرتُ في أعين زملائي في غزة، ولو عبر شاشة افتراضية؟
نُوقشت الرواية في «دار العين»، واشتبك معها وائل عبد الفتاح ومجدي نصار، وكما قالت لنا عمران، في حوار لاحق للمناقشة التي رُحنا وشُفناها: «ماذا لو تحوّلت الحرب إلى القاهرة؟ وكيف أكتب عن توقيت حرج كهذا دون التعامل معها بشكل انفعالي؟ كيف أكتب عن المدينة من موقع نسوي، بمعنى التخلي عن الطريقة الذكورية في الحكي، الطريقة الخطية، فالقاهرة في الكازينو مسرودة من عين أنثوية في لحظة إبادة، هل سيكون ذلك مختلفًا عن كل السرديات التي كانت من منظور رجل عن السلطة والمعرفة؟» فتختار «أن تكون القاهرة مرآة للحظة عالمية وما حولها من انعكاسات، مسرح تدور فيه الأحداث بعيني شخص دخيل أتى بعد الثورة فعند لحظة بعينها منحت المدينة حقًا لبعض من القادمين من الخارج للحديث عنها، تحدثت عن الأفكار المهمة التي تحكم تفكيرنا كالأمومة والمجد والفردانية».
أردتُ التقاط باطن هذا العمل، كنتُ كصيادة تلقي بصنارتها وتأمل أن كل ما يتطلبه ذلك بعض التأني. أقام في الكازينو أربع شخصيات، زين التي تحوم حول جرح أُم نبذتها وأب منسحب وشقيقة تركت لديها شعورًا دائمًا بالبتر. الزوج، خالد الذي يعجن من مهنته كمعماري فلسفة شائكة أخلاقيًا، وليلى التي انتحلت أدوارًا إلى حد التماهي معها، والملاك التي تقف وراء وكالة الهندسة الشعرية.
تتشابك الرواية مع واقعنا، بل توضح عمران أن «السؤال نفسه شغل حيزًا من قبل 7 أكتوبر»، لأننا «نقبع تحت استعمار ثقافي، أدركتُ أننا تحت رحمة قوة كبيرة هي أمريكا، فكتبتُ رواية منذ فترة ليست بالقصيرة ولم أرها ناجحة لأنني خرجت عن مدينتي لأخرى، السؤال ظل موجودًا ويتراكم، بل هناك أجزاء من النص عبارة عن رؤى وأحلام، لذا عمدت من خلال هذه الشخصيات للتحدث عن لحظة رديئة جدًا في الحقل الثقافي وأشياء أخرى».
نسرح مع عمران في أجواء الكازينو، ثم يعيدنا مجدي نصار إلى لحظة المناقشة: «نحن أمام عالم أركانه مختلفة، شخصياته غير متحققة، ومثلث الحب نفسه غريب. خلقت عمران زمنًا خاصًا عن طريق الآتي، أن العالم البسيط لم يأت بسيطًا بل مغلفًا بهذا الغلاف المتعدد الأصوات، كل منهم يرينا وجهة نظره ويعرضها على الملأ. ثم هناك من يتدخل، راوٍ متنحٍ، يعطي مجالًا لكل صوت أن يظهر ويعبّر عن ذاته، وفي لحظة ما هذا الراوي أيضًا يقوم بدور المحلل. كيف ضُفّر كل هذا التاريخ وهذه المعلومات داخل الرواية؟ تنويع البيئات خلق هذا العمل الخاص: ما بين السويد وأمريكا ومصر والإمارات».
بينما يتوقف وائل عبد الفتاح عند وقع النص على قارئه، يقول: «قلّة هي الأعمال التي تجعلك تفكر في ماهية الرواية. هناك روايات تطمئنك، وأخرى تطرح أفكارًا تستفزك، لتعلم أن الطرق المهجورة أصبح لها روادها». فـ«كازينو الملائكة» 300 صفحة من الهدم والحكي، لكن حين «تعيد القراءة فتعيد ترتيب العالم، أو إعادة النظر في المألوف وما تعتقد أنك تعرفه جيدًا. فماذا يحدث حين لا تكون اللغة مجرد أداة، بل قوة تهز الحياة وتكشف ما تخفيه تحت سطحها؟». اعتبر عبد الفتاح أن العمل يقترب من مسرح القسوة، الذي عرفناه من الشاعر أنطونين أرتو فنحن أمام «رواية انتقامية بشكل كبير، وليست فقط متأثرة بفكرة الأمومة المبتورة. رواية كل ما فيها قابل للتأنسن». ِ
نطالع «كازينو الملائكة»، حيث زين كفتاة صامتة يجري من فمها الكلام بعد سن العاشرة أمام جديها. ثم كشابة ضئيلة في بحثها المحموم عن رابطة لا تنحل، أسمتها الكاتبة «الأخت البديلة»، دفعها شيء غامض، طوال عمرها إلى البحث الدائم عن هذه البنت، كانت تنزل إلى الشوارع حالمة بعثورها على هذه الإنسانة، التي تريد لها أن تكون الأخت والأم أو الخليلة والحبيبة. فكرتُ في امتداد هذه الرغبة والرابطة في النهاية لتمس الزوج الذي تحولت علاقتها به إلى أخوة بعد زهدها التام في الجنس.
تتعلق زين به منذ الجامعة لأنها ترى فيه مسحة طفولية تمكنها من ممارسة أمومتها. لا تتقبل رحيله وكأن التسليم بذلك يعني نكأ الجراح ومواجهة تبعات الهجر، يشوب الحب شيء من الهوس، تلقي بخطاباتها آملة في وصال مكتمل. تكون زين أقرب لطُعم سمك يطفو دون عائلة، أو رحم يحتمي به أو يسع أطفال. ويغدو من جديد البحث عن أخت بمثابة تعويض عن كل هذا الشتات، ويكون في اختياراتها لمصادقة العجائز والأمهات اللواتي يثرثرن عن أحفادهن ما يقوي تلك النزعة.
يوصف خالد بـ«الزوج» وليس «زوجي»، فيظل زوجًا فحسب عند المرأتين اللتين تزوجهما، ما أوحي أكثر بأنه دور يؤديه في تلك البقعة الجغرافية من العمل الأدبي، مُبعدًا الحميمية عن تلك العلاقة، وإن لم تفرغ منها. نفهم ذلك أكثر في صوته الذي لم يكن عاليًا أو كاملًا عندما أشارت إليه زين أو ليلى. بل صوت متلاعب يخفي حيوات وخطايا لم تملك المرأتين اللتين جمعتهما به رابطة كالزواج عنه فكرة، وصورة لامعة عرف نفسه بها، ومن خلالها، وغذتها فلسفته حول العمارة التي لم تدخر الملاك وسعًا لإقناعه بها.
يعود صوت عمران في حوارنا معها، تقول: «فلسفة العمارة الشاعرية -التي يعتنقها خالد واقترحتها الملاك وروّجت لها وكالتها- ليس سوى غلاف رقيق لأطفال رُضع وأمهات ثكلى. يريد استبدال القاهرة بالكازينو وهي فكرة متوحشة، توحش ينظر إليه الشخص ويضفي له شاعرية، يضعه في قالب العمارة. تلك صورة من صور الإمبريالية الكبرى التي تحكم العالم فكرة الاستيلاء على الموت والذاكرة وتسكينه بأطفال فارقوا الحياة».
ربما كانت إحدى انعكاسات اللحظات الثقافية الرديئة التي أشارت إليها عمران هي تلك اللحظة عند تتويج ليلى داخل الكتاب بجائزة عريقة، رغم كونها اقتاتت على كُتّاب الظل، احتالت للانتقام من زين، المرأة التي مدت لها يدها لتنقذها وقيّدتها بطوق، حتى مشاركتها لتجربة ألمت بها كالإجهاض تسقط شيئًا من أصالتها لأن طريقها نحو المجد كان ملتويًا، وكانت طريقتها في الاحتماء من التشرد هي التمسك بتلك اليد التي امتدت إليها، بأي ثمن، ليلى هي الوحيدة من بين تلك الشخصيات التي لم تملك فكرة كبرى، كل أفعالها تكاد تكون رد فعل.
تحول عمران بطلتها زين بكل ما تحمله من ضعف إلى إصرار على مقاومة فلسفة تلك العمارة التي تسير على خُطى الحرب، عمارة من أنسجة البشر الحية، تقتات على الطفولة والبراءة المقتولة في مهدها، ترمسن الموت وتعد بالأبدية.
تعود عمران لتقول لنا: «الشعر بالنسبة لي ليس نحتًا في اللغة، هو توقف واستغراق زمني جوّه الحدث والسرد بشكل ما»، وتضيف أنها استخدمت فكرة الملاك كمجاز في كل فصل يسهم في توصيل رؤيتها. تتكاثر الأسئلة التي تطرحها الرواية، ومناقشتها، فهل حضور الملاك المكثف يرمز لدول متحضرة تدّعي السياسة البراقة ظاهريًا، اللاإنسانية في باطنها، هل كانت الطريقة التي اختارت زين أن تنهي حياتها بها طواعية هي وسيلتها لتقبل المحتوم وحتى لا يُستباح جسدها؟ كما نتذكر السؤال الذي قالته عمران في المناقشة، وانبثقت منه زين وليلى وخالد والملاك: كيف تُكتب رواية معاصرة، وهناك حرب قريبة منا، ماذا لو تخيلنا أن آثارها وصلت إلى القاهرة، فما طرحته عمران تذكير بمعنى أن تكون إنسانًا وسط واقع مروع كواقعنا.
The post عن تخيل الحرب هنا أو في «كازينو الملائكة» first appeared on Mada Masr.