964
يبدو أن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يضيف، مع كل إطلالة، مفردة جديدة إلى قاموس سياسي خاص به: فقبل أيام وقف أمام البرلمان ليخبر النواب بأنه “عقد نيّة ويه الله”، وأنه قدّم حياته “مهراً للعراق”، وأنه إن خالف عهده فليحشره الله مع أبي لهب؛ ثم مرّ بوادي السلام في النجف ليخاطب الموتى، ويعدهم بالوفاء بما كانوا يريدونه للأحياء. وفي مناسبة أخرى خاطب الألمان، أبناء هيغل وكانط، بأن «الليل يطلك بالنهار»، وكأن الزيدي، أينما حلّ، يحمل معه شيئاً من الديوان والحسجة والمثل الشعبي، ويعيد بواسطتها ترجمة العالم بلغته الخاصة، حتى اتسعت دائرة المخاطَبين، على نحو غير مألوف، من الألمان إلى سكان وادي السلام.
ليس استخدام اللغة الدينية أو الشعبية هو المشكلة في ذاته، فالسياسي ليس أستاذاً جامعياً بالضرورة، وليس مطلوباً منه أن يحمل معه مرجعا في الاقتصاد السياسي كلما خاطب الناس، بل قد تكون القدرة على التحدث بلغتهم والابتعاد عن اللغة الخشبية للسلطة ميزة سياسية. لكن الأمر يصبح أكثر إثارة للاهتمام عندما لا تعود هذه اللغة مجرد أسلوب في التواصل، وإنما تتحول شيئاً فشيئاً إلى طريقة في تصور السلطة نفسها، وهي الظاهرة التي أسميتها في مقال سابق “زيدنة السياسة”: النيّة والعهد، والغيرة، والكلمة والشهامة والقرب الشخصي و”ابن الديوان”، والثقة بأن صدق الإرادة وقوة العبارة العاميّة يمكن أن يختصرا تعقيد المؤسسات.
فالزيدي يقول، مثلاً، إن كلامه “سند” – ليس المقصود، بطبيعة الحال، الوزير مصطفى سند – وإنما السند بمعنى العهد الذي لا يحتاج إلى وثيقة، ثم يقول إن كلمته كالطلقة، إذا خرجت لا تعود. والاستعارة مفهومة في سياقها العراقي، لكنها تصبح أكثر إثارة للتندر حين تصدر عن رئيس حكومة كان قد وضع الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي موعداً لحصر السلاح بيد الدولة. انقضى الموعد، وعادت الطلقة إلى نقطة خروجها، وبقي “السند” معلقاً، فيما تبقى قسم مهم من السلاح خارج احتكار الدولة.
ولا يمكن إنكار أن انقضاء الموعد من دون تحقيق ما أُعلن عنه، مثّل في ميزان القوى السياسي، تراجعاً للزيدي وانتصاراً للفصائل المسلحة، خصوصاً أن رئيس الحكومة هو من رفع سقف التحدي وحدد له موعداً واضحاً. لكن ذلك لا يعني أن الرجل فقد المعركة كلها، ولا أن الفصائل خرجت منها أكثر شرعية، فمشكلة السلاح أقدم من الزيدي وأكبر من حكومته، والفصائل والميليشيات والعديد من الأحزاب الطائفية التي راكمت طوال سنوات سلطات موازية داخل الدولة وحولها هي في صلب هذه الأزمة. ما يكشفه هذا التراجع، في المقابل، هو المسافة بين عالم الخطاب الشخصي، حيث يمكن للكلمة أن تكون عهداً و”سنداً” وطلقة لا تعود، وعالم الدولة، حيث لا تتحول قوة العبارة، بمجرد إطلاقها، إلى قدرة على التنفيذ. فالدولة لديها، أو يفترض أن تكون لديها، «سندات» من نوع آخر: القانون والمؤسسات والأجهزة الرقابية والأمنية، وقبل ذلك كله ميزان القوة والقدرة الفعلية على تحويل القرار إلى واقع.
وهذا ربما هو المدخل الأوضح لفهم الزيدي سياسياً، فالرجل يميل إلى الكلام المباشر، وإلى منح الكلمة الشخصية والالتزام الأخلاقي مكانة كبيرة في ممارسة السلطة، لكن رئاسة الحكومة ليست ديواناً عشائريا، ولا يمكن اختزال تعقيدها في قوة النيّة أو صدق العهد. هنا تظهر حدود التجربة التي جاء منها الزيدي، فهو لم يصل إلى رئاسة الحكومة بعد مسار طويل في إدارة مؤسسات الدولة الكبرى، أو تجربة ممتدة في الاقتصاد أو الأمن أو الإدارة العامة، وإنما جاء، في جانب أساسي من خبرته، من التجارة وسوق العملة والصيرفة. وهذه خبرة لها قيمتها بالتأكيد، لكنها لا تصبح، بمجرد الانتقال إلى القصر الحكومي، خبرة في الدولة.
فالسوق يعلّم صاحبه أشياء كثيرة ومهمة: كيف يتحرك الدولار، وكيف يتصرف التجار، وأين تنتقل السيولة، وكيف يبحث رأس المال عن الربح والأمان، ومن هم الفاعلون الذين ينبغي التعامل معهم. أما الدولة فتضيف إلى ذلك أسئلة من طبيعة أخرى تماماً: من يربح من القرار ومن يخسر؟ ماذا يحدث للأجور والفقر والإنتاج والاستثمار؟ ما الأثر الاجتماعي لتغيير سعر العملة؟ وما الذي يحدث عندما يتحول قرار مالي يبدو ناجحاً في دفتر الحسابات إلى عبء ثقيل في حياة ملايين الناس؟
ولهذا فإن المشكلة ليست في أن يأتي رئيس الحكومة من السوق، وإنما في أن تنتقل معه طريقة السوق في رؤية الأشياء، إلى إدارة الدولة، أو أن تصبح الخبرة الشخصية، مهما كانت، أوسع من الخبرات والمؤسسات التي يفترض أن تحيط بصانع القرار. وهنا يصبح السؤال عن المستشارين والخبراء ومؤسسات الدولة سؤالاً سياسياً، لا تفصيلاً إدارياً: من يقول لرئيس الحكومة إن العبارة التي تصلح في الديوان قد لا تصلح في الدبلوماسية؟
ومن يناقشه عندما تتحول النية إلى سياسة نقدية، أو الوعد الشخصي إلى موعد سيادي، أو القرار المالي إلى إعادة توزيع واسعة للخسائر داخل المجتمع؟
وحين طرح الزيدي أخيراً فكرة توزيع مليون قطعة أرض على المواطنين، مرت في الذاكرة، بحكم الموضوع لا بحكم التشابه بين الرجلين، تجربة عبد الكريم قاسم الذي ارتبط اسمه في المخيال العراقي بتوزيع الأراضي والفئات الفقيرة. وليس ثمة ما يبرر الذهاب بالمقارنة أبعد من ذلك، فالعراق الذي كان عدد سكانه آنذاك أقل من سبعة ملايين نسمة أصبح يقترب اليوم من خمسين مليوناً، والدولة والمجتمع والاقتصاد تغيرت جميعاً على نحو يجعل المقارنة نفسها محدودة الفائدة.
أما عراق اليوم فهي دولة ريعية اقتصادها يقوم بالكامل على النفط، ويرتبط بالدولار والأسواق العالمية، ولديها جهاز بيروقراطي ضخم، فيما تتداخل في إدارتها الأحزاب والفصائل المسلحة ومكاتبها الاقتصادية وشركاتها والمصالح وشبكات الزبائنية والفساد. وهذه دولة لا يمكن أن تُدار بمنطق “وصلتني شكواك وسأحلها”، ولا بمنطق “عاقد نيّة ويه الله”، مهما كان وقع العبارة طيباً على السامعين.
وهنا أصل إلى ما أسميه الديماغوجية السياسية وسياسة القرب والتودد، بدلاً من «الشعبوية» التي أُفرط في استخدامها، حتى باتت تفسر كل شيء ونقيضه، وخصوصاً في مجتمع كالعراق. والديماغوجية لا تعني بالضرورة أن صاحبها يكذب، فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك. إنها تبدأ عندما تتحول النية إلى حجة سياسية، والصورة البسيطة إلى تفسير لواقع بالغ التركيب، والقرب الشخصي من الناس إلى بديل عن الوساطة المؤسساتية، وحين يصبح حضور المسؤول بين الناس دليلاً بحد ذاته على قدرة الدولة على حل مشكلاتهم.
من سوق العملة إلى اقتصاد الأحياء
يظهر الفرق بصورة أكثر وضوحاً عندما ننتقل من الكلام إلى سعر الصرف، فقرار الانتقال بسعر الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً لا يمكن النظر إليه بوصفه عملية حسابية فحسب. صحيح أن الحصول على دولار واحد أصبح يتطلب دنانير أكثر بنحو 15.2 في المئة، فيما انخفضت قيمة الدينار بالقياس إلى الدولار بنحو 13.2 في المئة، وصحيح أن ذلك لا يعني أن كل موظف خسر فوراً 15 في المئة من قدرته الشرائية، لأن الخسارة الفعلية تتوقف على مقدار انتقال انخفاض العملة إلى الأسعار، ووزن السلع المستوردة، وسلوك السوق، والسياسات التعويضية التي قد تتخذها الحكومة، لكن كل هذه الدقة التقنية لا تغير الحقيقة الاجتماعية الأساسية: الراتب بقي اسمياً كما هو، بينما انخفضت قيمته الفعلية.
فمن كان يتقاضى مليون دينار سيظل يرى الرقم نفسه في حسابه، لم تقتطع الحكومة منه مئة ألف أو مئة وخمسين ألف دينار، ولم ترسل إليه إشعاراً تخبره بأن راتبه قد خُفّض. لكن المليون دينار الذي كان يعادل، وفق السعر السابق، نحو 758 دولاراً، أصبح يعادل قرابة 658 دولاراً. الرقم نفسه، والراتب نفسه، والموظف نفسه، الذي تغير هو ما يستطيع هذا الراتب شراءه.
وهنا تكمن، إذا جاز التعبير، مخادعة هذه الأداة المالية وقسوتها على حياة الناس. يستطيع الموظف أن ينظر إلى كشف حسابه ويتأكد من أن أحداً لم يمد يده إلى راتبه، ثم يذهب إلى السوق ليكتشف أن السوق فعلت ذلك بالنيابة عن الجميع، عند بائع الغذاء، وفي الصيدلية، وعند دفع الإيجار، وفي كل سلعة أو خدمة يدخل الدولار، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد سعرها.
ومن الممكن اجتماعياً وصف ذلك بأنه شكل من العنف الاقتصادي الصامت: لا شرطة فيه ولا ميليشيات ولا قناصة ولا غازات مسيلة للدموع، وإنما انتقال للخسارة عبر العملة والأسعار نحو الفئات التي تعيش بالدينار ومن دخل ثابت، فيما يمتلك أصحاب الثروات والعقارات والمدخرات بالعملة الصعبة ورؤوس الأموال وسائل أوسع لحماية أنفسهم. فالفقير لا يحتفظ عادة بحساب بالدولار، ولا يملك عقارات ترتفع قيمتها مع التضخم، ولا شركات متنفذة تابعة لأحزاب وميليشيات تستطيع المضاربة بالعملة عشية اعلان قرار تغيير سعر الصرف كما حصل قبل أيام، ما لديه هو راتب أو أجر أو إعانة، ولذلك يكون الوصول إلى دخله الحقيقي أسهل من الوصول إلى مصالح كثيرين غيره.
وتصبح المسألة أشد حساسية في بلد يعيش فيه، وفق الأرقام الرسمية المتداولة، نحو 17.5 في المئة من السكان تحت خط الفقر، فضلاً عن كتلة اجتماعية واسعة تقع فوق هذا الخط بقليل، وقد يكفي ارتفاع متراكم في أسعار الغذاء والنقل والإيجار والدواء لدفع جزء منها إلى ما دونه. ولا يمكن علمياً أن نقول إن نسبة الفقر ستنتقل آلياً من 17.5 إلى 20 أو 22 في المئة، فهذا يحتاج إلى قياس فعلي لأثر سعر الصرف في الأسعار والدخول والتحويلات الاجتماعية، لكن الاتجاه لا يحتاج إلى كثير من الخيال: عندما تتراجع المداخيل الحقيقية من دون تعويض موجه، تكون الفئات الأكثر هشاشة أول من يدفع الثمن.
يحرص الزيدي في المقابل على التذكير بأنه لا يتقاضى راتباً من الدولة، ليسوق من خلال ذلك رسالة أخلاقية عن الزهد في المال العام، لكن المعنى الاجتماعي للراتب يختلف جذرياً بين رجل أعمال يستطيع الاستغناء عنه وموظف لا يستطيع الاستغناء حتى عن جزء صغير منه. والأهم أن الدولة الحديثة لا تقيس نزاهة المسؤول بمقدار زهده الشخصي، وإنما بقدرتها على الفصل بين المال الخاص والسلطة العامة، وإدارة تضارب المصالح، وإخضاع المسؤول لأشقائه ولشركائه وشبكات أعماله للقواعد نفسها التي يخضع لها الآخرون.
وهنا تصبح المفارقة السياسية أكثر أهمية من المفارقة الشخصية: رئيس حكومة يستطيع الاستغناء عن راتبه يرأس دولة تعالج جزءاً من أزمتها المالية من خلال إجراء يمس القيمة الحقيقية لرواتب ملايين العراقيين الذين لا يستطيعون الاستغناء عنها.
ومن هذه النقطة يبرز السؤال الذي يتجاوز الحساب إلى السياسة والأخلاق: لماذا يبدأ إصلاح الدولة العراقية، مرة أخرى، من المكان الذي تكون مقاومته أضعف؟ فالفقير لا يمتلك كتلة برلمانية تفاوض باسمه، ولا حزباً يهدد بسحب وزرائه، ولا فصيلاً مسلحاً يحرس مصالحه، ولا شركة تستطيع تعويض خسارتها بعقد عام. وهو، لهذا كله، الطرف الأسهل في معادلة التقشف. وتزداد المفارقة حين تستمر الحكومة، في الوقت نفسه، في استحداث مواقع ومناصب ومخصصات تفرضها أحياناً ضرورات التسويات السياسية أكثر مما تفرضها الحاجة الإدارية، وتواصل الحديث عن تعيينات جديدة في جهاز حكومي يعاني أصلاً تضخماً هائلاً لنصل إلى المعادلة العبثية: نضعف القيمة الحقيقية لراتب الموظف لتخفيف العبء عن الخزينة، ثم نوسع الجهاز الإداري الذي تشكل الرواتب أحد أكبر أعبائه، ثم نعود بعد مدة للبحث عن موارد جديدة، وفي الغالب نعرف مسبقاً في أي جيب سنبحث عنها!
دولة تصل إلى الراتب ولا تصل إلى السلاح
هنا يعود وعد الثلاثين من أيلول إلى الواجهة (او الطلقة حسب مفردات الزيدي)، لا بوصفه موضوعاً مختلفاً، وإنما لأنه يكشف الوجه الآخر للمشكلة نفسها. فالزيدي وعد بأن يكون السلاح حصراً بيد الدولة، ووضع لذلك موعداً محدداً، واستخدم في التعبير عن التزامه لغة قوية من العهد والتضحية بالنفس والكلمة التي لا تعود. ما نراها ان الموعد قد قضى، ولم تزول المشكلة. وليس في هذا ما يبرئ الفصائل المسلحة أو يمنحها انتصاراً سياسياً، فهي، والقوى الطائفية التي راكمت سلطات موازية، من الأسباب الرئيسية التي جعلت الدولة عاجزة عن استكمال احتكارها لاشرعي للقوة. لكن هذا هو بالضبط سبب ضرورة الحذر من الوعود الكبيرة: فالموعد الذي يطلقه رئيس الحكومة لا يغيّر وحده ميزان القوى، والطلقة المجازية لا تنزع السلاح الحقيقي.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الدولة العراقية دلالة: تستطيع الدولة الوصول إلى القيمة الحقيقية لراتب الموظف بسرعة كبيرة، لكنها تحتاج إلى سنوات من التفاوض والحسابات وموازين القوى لكي تصل إلى السلاح الخارج عن احتكارها. قرارات الدولة أكثر سهولة عندما يكون الطرف الآخر موظفاً أو متقاعداً أو مستهلكاً، وتصبح حركتها أكثر حذراً عندما يكون أمامها حزب نافذ أو مصلحة اقتصادية كبرى أو تنظيم مسلح. والحق يقال، هذه ليست مشكلة صنعها الزيدي، لكنها مشكلة أصبح، بحكم موقعه، مسؤولاً عن مواجهتها. إنها واحدة من المعضلات البنيوية للدولة العراقية بعد 2003: دولة تملك موارد مالية هائلة وقدرة واسعة على التوزيع، لكنها لم تستكمل احتكار القوة، ولم تتحرر إدارتها من المحاصصة والزبائنية والفساد الذي تحول إلى منظومة، ولم يتكون فيها اقتصاد منتج يخفف اعتماد المجتمع عليها واعتمادها هي على النفط. في دولة كهذه، لا تكون المشكلة في نقص الكلمات، وإنما في الفجوة المتسعة بين الكلمات والقدرة على تنفيذها.
ولهذا ربما لا تكون القضية الأساسية في أن الزيدي يحب الأمثال والحسجة، أو أنه يخاطب أبناء هيغل وكانط بمثل شعبي، أو يقف في وادي السلام ليحدث الموتى عن مطالب أبنائهم. هذه كلها، في نهاية الأمر، ملامح أسلوب سياسي يمكن التندر على مفارقاته من دون أن تصبح هي موضوع الحكم على الرجل. المشكلة أكثر اتصالاً بواقع الدولة وأشد صعوبة: ماذا يحدث عندما يصبح قاموس السلطة أبسط من الدولة التي يفترض أن يديرها؟
فالنية قد تكون صادقة، لكنها لا تضع موازنة، والكلمة قد تكون “سنداً”، لكنها لا تبني مؤسسة، والمثل الشعبي قد يختصر تجربة اجتماعية كاملة، لكنه لا يحل أزمة نقدية، والطلقة التي لا تعود قد تكون استعارة جميلة، لكنها لا تحتكر السلاح ولا ترهب الفصائل، ومليون قطعة أرض قد تبدو وعداً كبيراً، لكن الأرض من دون مدينة وخدمات وماء وكهرباء وعمل، قد تصبح مجرد مليون قطعة أخرى من الجغرافيا.
أما الموتى الذين خاطبهم الزيدي في وادي السلام، فلهم في نهاية الأمر امتياز لا يتمتع به الأحياء: لن يقلقوا من سعر الدولار في صباح اليوم التالي، ولن يسألوا عن سعر الدواء والغذاء، ولن ينتظروا راتباً قد يتأخر، ولن يبحثوا عن وظيفة، ولن يحتاجوا إلى قطعة أرض من المليون الموعودة… الأحياء وحدهم سيفعلون ذلك.
لنعود إلى نقطة البداية: ليست المشكلة في أن يخاطب رئيس الحكومة الموتى وهم الأكثر هدوء، ولا في أن “يعقد نيته مع الله”، ولا حتى في أن يرى كلمته سنداً لا يحتاج إلى وثيقة، فهذه كلها تنتمي إلى قاموس الرجل وطريقته في التعبير عن نفسه. لكن الحكم على السياسة يبدأ في مكان آخر، حين ننتقل من قاموس النيات إلى نتائج الأفعال، ومن قوة العبارة إلى قوة المؤسسة، ومن الوعد إلى ما تحقق منه.
فالامتحان الذي ينتظر الزيدي ليس أن يبرهن مرة أخرى على صدق نيته، ولا أن يضيف استعارة جديدة إلى قاموسه السياسي، وإنما أن يثبت أن الدولة التي يرأسها قادرة على الوصول إلى مراكز القوة والمصالح والسلاح بالجدية نفسها التي وصلت بها، وبسرعة لافتة، إلى جيب الموظف البسيط.
وعندها فقط لن يكون السؤال إن كانت كلمة رئيس الوزراء “سنداً”، بل إن كانت الدولة نفسها قد أصبحت سنداً لمن لا سند لهم.
