احتاج الأمر إلى أربعة أيام من التأكيدات الرئاسية المتتالية حتى بدأت مختلف الأطراف تستوعب أن الموضوع مختلف هذه المرة.
هذا طبيعي. لم يسبق في تاريخ مصر الحديث أن قرر رأس السلطة تسليمها طواعية. الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه وعد مرارًا في فترته الرئاسية الأولى بأنه لن يُقدم على تعديل الدستور وإطالة أمد حكمه. لكن هذا تغير مع بداية فترته الثانية؛ فعدّل الدستور وامتد حكمه فترتين جديدتين تستمران حتى 2030.
لهذا، حين بدأ الرئيس إعلانه بأنه لن يقوم بتمديد حكمه، بدا الارتباك واضحًا على مختلف الأطراف، من بينها مؤسسات الدولة نفسها. خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة الأربعاء الماضي، والتي أكد فيها السيسي للمرة الأولى عدم وجود نية لتعديل الدستور، تردد الحضور لثوانٍ قبل التصفيق على غير العادة، وهي ملاحظة لم تفت على الكثيرين.
في اليوم التالي، كرر السيسي إعلانه بصيغة أكثر وضوحًا، لكن البيان الذي نشره المتحدث الرسمي باسم رئيس الجمهورية تم تعديله من الاستمرار «حتى 2030» إلى «حتى آخر يوم في حكمه». الفارق بين الصياغتين كبير. الأخيرة تحافظ على قدر من الضبابية، على ما يبدو ظن البعض أنهم في حاجة إليها حتى تتضح الأمور.
أشار السيسي إلى هذا الارتباك حين تحدث، السبت الماضي، عن رغبات نقلها بعض الإعلاميين المقربين من الحكم في تأجيل الإعلان عن قراره من أجل «الدولة». لكن، وفقًا للسيسي في الخطاب نفسه خلال حفل تخريج الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية، والذي أُذيع مباشرة عبر القنوات التلفزيونية، فإن ما تحتاجه «الدولة» فعلًا هو إعلان مبكر يفتح الباب أمام رحلة مستمرة لإعداد «بديل».
هكذا، دون مواربة، أعلن السيسي قراره الرحيل عن الحكم في 2030، لكنه طرح في الوقت ذاته ملامح خارطة طريق لهذا الانتقال في السلطة، والدور الذي ينتظر أن يلعبه هو نفسه خلال هذه الفترة وربما حتى بعد انتقال السلطة إلى رئيس جديد.
تتفق ثلاثة مصادر مطلعة على أن الرئيس يدير تفاصيل مشهد الخروج من السلطة مع «دائرة ضيقة جدًا بعيدة عن الأجهزة».
يقول مصدر سياسي مقرب من أحد الأجهزة السيادية إن الضبابية التي تسبب فيها أول إعلانين للرئيس دفعت بعض المنتمين إلى كيانات أو مؤسسات تابعة للدولة إلى التطوع بإطلاق مبادرات لإظهار رفضهم لخروج الرئيس من السلطة كإجراء احترازي «خشية إظهار التماهي مع مسألة رحيله»، في ظل غياب التوجيهات الأمنية، إلا أن هذه المحاولات توقفت تمامًا بعد الإعلان الأخير.
غياب التوجيهات كان بسبب أن إعلان الرئيس جاء مفاجئًا لقيادات الأجهزة السيادية المختلفة، والتي استمعت إلى تفاصيل خارطة الطريق التي أعلنها السيسي للمرة الأولى، بحسب المصدر.
وفقًا للمصدر، دفعت هذه المفاجأة مختلف الأجهزة لعقد اجتماعات طارئة مساء اليوم ذاته لمناقشة إعلان الرئيس.
يشير المصدر الثاني، وهو سياسي آخر على مقربة من أحد الأجهزة السيادية، إلى حالة الارتباك والقلق لدى الأجهزة الأمنية، والتي ستواجه واقعًا جديدًا دون أي تصورات بشأن التعامل مع ذلك، نظرًا لغياب أي تنسيق بين مؤسسة الرئاسة والأجهزة قبل الإعلان.
أحد مصادر قلق الأجهزة الأمنية، بحسب المصدر الأول، هو التخوف من استقبال المجتمع لهذه التصريحات على النحو الذي قد يشيّ بانفتاح ومساحات أكبر للمعارضة، قد تُضطر الأجهزة إما للتعامل مع ذلك، أو تلقي تعليمات عُليا بحلّحلة الوضع. بحسب تعبير مصدر ثالث، وهو مسؤول حكومي رفيع، فإن «قادة الأجهزة غير قادرين على فهمه ومعرفة ماذا يريد».
لكن بغض النظر عن هذا الارتباك، تواجه جميع الأطراف الآن واقعًا جديدًا لم تتضح من ملامحه سوى التفاصيل القليلة التي أعلنها السيسي لتصوره لإدارة هذه المرحلة الانتقالية وضمان انتقال السلطة.
الرئيس أشار في خطاب السبت الماضي إلى المادة 200 من الدستور، والتي تحدد مهام القوات المسلحة. بعد تعديل 2019، أصبح «صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها» ضمن مهامها. بحسب الرئيس، هذه هي المادة الدستورية التي تستند إليها خارطة الطريق التي طرح السيسي ملامحها الأولية.
حرص الرئيس على قراءة جزءٍ من نص المادة لكنه لم يقرأها كاملة. اكتفى بالإشارة إلى أن الجملة الأخيرة من المادة «بتتكلم عن إن لازم يكون فيه قوانين بتنظم الكلام اللي بذكره». لكن الجملة الأخيرة من المادة لا تنص على هذا، وإنما تنص فقط على أن «يكون للقوات المسلحة مجلس أعلى، على النحو الذى ينظمه القانون» دون ذكر لقانون ينظم دورها في «صون الدستور والديمقراطية».
لكن بشكل ما، هذه هي الجملة التي يعتمد عليها الرئيس لتبرير نقطة الانطلاق في خطته: قانون جديد تُشرف على صياغته لجنة جديدة.
هذه اللجنة تتشكل كما حدد الرئيس برئاسة رئيس مجلس النواب وعضوية وزيري التعليم العالي والعدل، وعدد من المفكرين والسياسيين للقيام بمهمة محددة: مناقشة هذا القانون وصياغة مقترحه.
يعتبر عصام الإسلامبولي، المحامي بالمحكمة الدستورية، أن المقترح الذي عرض السيسي ملامحه، السبت الماضي، والذي ألمح إلى شروط من نوعية الحصول على درجة الدكتوراه أو الماجستير، أو حضور برنامج لمدة 30 شهرًا في الأكاديمية العسكرية، قد تمثل «قيودًا جديدًا» على شروط الترشح للرئاسة تتعارض مع ما ورد من أحكام في الدستور.
بالنسبة له، فإن هذا يمثل «توسعًا» في تفسير المادة رقم 200 من الدستور، والتي تضيف إلى مهام القوات المسلحة مهمة صون الديمقراطية. «حماية الديمقراطية لا تتأتى من خلال القوانين المتعلقة بالانتخابات الرئاسية»، يقول.
حدد التوجيه الرئاسي للجنة المقترحة ما يجب تطويره: خضوع مرشحي الرئاسة المنتظرين لفترة دراسة وتدريب لمدة 30 شهر في الأكاديمية العسكرية.
إذًا، وطبقًا للرئيس؛ فهذا الدور الذي يُنتظر من الأكاديمية العسكرية لعبه هو الآلية التي تحدد طبيعة دور القوات المسلحة في «صون الدستور والديمقراطية» خلال الأعوام القليلة القادمة.
يشير أحد المصدرين السياسيين إلى انزعاج بعض الدوائر المقربة من الحكم من الدور المتصاعد للأكاديمية العسكرية، والذي استبدل على مدار السنوات الماضية دور الأكاديمية الوطنية للتدريب، والتي تأسست في 2017 بهدف تطوير الكوادر الشبابية، وتتبع رئاسة الجمهورية.
خلال الأعوام الماضية، أصبح المرور عبر تدريبات الأكاديمية العسكرية شرطًا لأي تعيينات تقوم بها الدولة، من الأئمة والمدرسين وحتى القضاة.
لكن على الرغم من هذا التوسع، إلا أن تولي مسؤولية تأهيل مرشحين لرئاسة الجمهورية تمثل مستوى آخر. يقول المصدر السياسي الأول إن الانطباع السائد بشأن تولي الأكاديمية العسكرية مسؤولية برنامج تأهيل للمرشحين لا تعدو سوى «أمر شكلي» لأن المستقر أن أي رئيس قادم لمصر لابد أن يحظى بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما يجعل من مسألة اجتياز تدريب الأكاديمية أمر هامشيًا، سواء كان هذا المرشح من خلفية عسكرية أو حتى مدنيًا.
لكن لم يتضح ما إذا كان هذا الدور سينتهي بعد الانتهاء من انتقال السلطة من السيسي إلى رئيس جديد. هل ينتهي عمل اللجنة مع اختيار المرشحين أم أن هناك دور رقابي ما لاحقًا؟ هل يكون هناك ما يشبه المجلس الأعلى لاحقًا يمتلك أي سلطة رقابية على الرئيس القادم؟
خلال حديثها، أشارت مختلف المصادر إلى النموذج «التركي» في محاولة لتخيل طبيعة الترتيبات اللاحقة لإتمام عملية انتقال السلطة، والكيفية التي يمكن ترجمة بها النص الدستوري الذي يجعل من القوات المسلحة حامية للدستور والديمقراطية.
منذ عشرينيات القرن الماضي، نصّبت القوات المسلحة التركية نفسها واصيًا مسؤولًا عن حماية الجمهورية العلمانية هناك. وتدخلت القوات المسلحة هناك بالفعل عدة مرات، كان من بينها الإطاحة بنجم الدين أربكان، رئيس الوزراء إسلامي الهوى والذي أُجبر على الاستقالة بدعوى انتهاكه لقيم الدولة العلمانية. وفي 2016، حاولت بعض فصائل القوات المسلحة هناك الإطاحة بالرئيس الحالي رجب أردوغان، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل.
لكن وجود ترتيب من هذا النوع للقوات المسلحة المصرية يحتاج إلى ما هو أبعد من تعديل قانوني، إذ يستلزم تغييرًا في طبيعة وشكل الحكم في مصر، والانتقال من نموذج رئاسي مباشر إلى نموذج يخضع فيه الرئيس لسلطة ما أعلى منه، وهو ما يتطلب على الأرجح تعديلًا دستوريًا.
في كل الأحوال، تتفق المصادر على أن المقترحات الحالية تمثل تحولًا ضخمًا في طبيعة الحكم في مصر، يختلف عن كافة الصيغ التي شهدها حكم مصر من قبل. لكن هذا، طبقًا لهم، يفتح الأبواب لاحتمالات مختلفة. بداية، «دخل وعي الناس إن في حياة بعد السيسي»، كما يشير عمرو عبدالرحمن، الباحث السياسي.
بالنسبة لأكرم إسماعيل، المنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية «هيكون في مساحة اختيار ومساحة لتنافس بين أجنحة النظام مضطرين للحسم يستدعوا الناس». هذا الاستدعاء قد يسمح ببعض «الخلخلة» قد «تتفتح لينا مساحة».
The post أسئلة أكثر من الإجابات حول مستقبل الحكم first appeared on Mada Masr.