طرح محمد توفيق علاوي، الوزير والمرشح الأسبق لرئاسة الحكومة، مقترحاً عملياً استباقياً لتفادي الصدام بين القوات الأمنية والمتظاهرين خلال حراك تشرين الشعبي المرتقب يوم غد الأحد، (25 تشرين الأول 2026)، يتضمن تشكيل لجنة تنسيقية مشتركة تضم ممثلين عن ساحات الاحتجاج والقيادات الأمنية المختصة قبل انطلاق الحراك، بهدف تنظيم الحركة، وتحديد مسارات التظاهر، وضمان سلامة المشاركين، والتعامل السريع مع أي طارئ، داعياً الأمم المتحدة، والبعثات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، خلال بيان يتضمن رسائل موجهة للشباب وقوات الأمن، إلى متابعة التظاهرات الشعبية في العراق، والتأكيد على احترام الحق في التعبير والتجمع السلمي، وحماية المتظاهرين والصحفيين والناشطين، ودعم التحقيقات المستقلة والشفافة في أي انتهاكات قد تقع.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾.
صدق الله العلي العظيم
يا أبناء شعبنا العراقي الكريم، يا شباب العراق وأمل مستقبله، أتوجّه إليكم اليوم بكلمة تنطلق من المسؤولية الوطنية، ومن الإيمان الراسخ بحق العراقيين في أن يعيشوا بكرامة، وأن تكون لهم دولة عادلة تحترم مواطنيها، وتصون ثرواتهم، وتحمي حقوقهم، وتضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأحزاب والأشخاص والجماعات.
لقد مرّ على شعبنا أكثر من عقدين من المعاناة، والوعود المؤجلة، والأزمات المتكررة. انتظر المواطن خدمات تليق بكرامته، وانتظر الشباب فرصاً حقيقية للعمل وبناء المستقبل، وانتظرت العائلات دولةً يحميها القانون، وتعود فيها ثروات العراق بالخير على أبنائه، لا أن تضيع في دهاليز الفساد وسوء الإدارة والمحاصصة.
لقد التحف الشعب بالصبر، وعضّ على الجراح، وتحمّل الكثير حرصاً على استقرار الوطن، وخشيةً من إراقة الدم العراقي الحرام. لكن هذا الصبر لا يعني الرضا بالذل، ولا يجوز أن يُفسَّر الحرص على الاستقرار على أنه قبول بالفساد، كما لا ينبغي أن يتحول الخوف من الفوضى إلى ذريعة لإسكات المطالبين بالإصلاح.
فالصبر ليس استسلاماً، والهدوء ليس ضعفاً، وحماية الوطن لا تعني السكوت عن الخطأ والفساد.
إن التظاهرات الشعبية المرتقبة يوم الأحد، الخامس والعشرين من تشرين الأول، تعبّر عن معاناة حقيقية، وتحمل مطالب مشروعة، وتوجّه رسالة ينبغي أن يسمعها الجميع:
العراق أكبر من الفساد، وصوت الشعب أقوى من محاولات إسكاتِه.
وانطلاقاً من هذه المسؤولية الوطنية، أوجّه خمس رسائل:
الرسالة الأولى: إلى أبناء الشعب العراقي… صبركم ليس ضعفاً.
يا أبناء العراق الأوفياء، إن رهان الفاسدين على صبر الشعب رهان خاسر، ومن يفسّر صمت المواطنين ضعفاً يخطئ في قراءة تاريخ هذا الشعب، ووعيه، وتضحياته، وقدرته على الدفاع عن حقوقه.
أنتم لا تطالبون بالمستحيل، ولا تطلبون امتيازات خاصة، بل تطالبون بحقوق طبيعية ومشروعة: خدمات تليق بكم، وفرص عمل لأبنائكم، وحياة كريمة، وعدالة اجتماعية، ومحاسبة للفاسدين، واسترداداً للأموال المنهوبة، وإنهاءً للامتيازات والمناصب غير الضرورية، وحمايةً للحريات والحقوق الدستورية.
لقد تحرك المواطنون في مناسبات عديدة خلال السنوات الماضية، وكان لتحركاتهم أثر واضح في دفع الحكومات ومجلس النواب إلى اتخاذ خطوات وإجراء تعديلات على بعض القوانين والممارسات والوقائع السياسية.
لكن، وللأسف، لم ترتقِ كثير من تلك التعديلات إلى مستوى تطلعات الشعب، وبقي جانب كبير من الوعود حبراً على ورق.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس تكرار التجارب السابقة بالأساليب ذاتها، بل دراستها وتقييمها بصدق، وتشخيص الأسباب الحقيقية التي حالت دون تحقيق أهدافها، والاستفادة من الإخفاقات والأخطاء الماضية، حتى يكون الحراك المقبل أكثر وعياً وتنظيماً وقدرة على تحويل المطالب الشعبية إلى إصلاحات حقيقية على مستوى مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، بل والقضائية أيضاً.
إن الهدف ليس مجرد الاحتجاج، بل الوصول إلى دولة أفضل، وحكومة تستجيب لتطلعات المواطنين، وتؤسس لمستقبل أكثر استقراراً وعدلاً وازدهاراً.
وأدعوكم إلى رصّ الصفوف، وتوحيد الصوت الوطني حول المطالب المشتركة، بعيداً عن الطائفية والحزبية والمناطقية، وألا تسمحوا لأي جهة بأن تصادر حراككم، أو تتحدث باسمكم دون تفويض، أو تستغل معاناتكم لتحقيق مصالح سياسية أو فئوية ضيقة.
كما أؤكد ضرورة الحفاظ على سلمية التظاهرات، وصون الممتلكات العامة والخاصة، ورفض العنف والتخريب والاستفزاز، وعدم الانجرار إلى مواجهات لا تخدم الإصلاح ولا مصلحة العراق.
كونوا أقوياء بوحدتكم، ثابتين في مطالبكم، واعين في مواقفكم؛ فالصوت السلمي الواعي والمنظم هو أحد أهم وسائل التعبير عن الإرادة الشعبية والمطالبة بالإصلاح.
الرسالة الثانية: إلى الحكومة والقادة السياسيين… كفى تسويفاً.
إن العراق لم يعد يحتمل مزيداً من الوعود المؤجلة، ولا مزيداً من السياسات التي تُحمّل المواطن تبعات الإخفاق في إدارة الدولة.
الدولة ليست ملكاً لحزب أو جماعة، والمناصب العامة ليست غنائم، والمال العام ليس ملكاً للمتنفذين؛ بل هو أمانة في أعناق المسؤولين وحق لجميع العراقيين.
إن المسؤولية اليوم تقتضي الانتقال من الوعود إلى الأفعال، ومن التصريحات إلى القرارات، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.
وأطالب الحكومة والقادة السياسيين بالاستجابة الجادة للمطالب الشعبية، ومراجعة الضرائب والرسوم والأعباء التي تثقل كاهل المواطنين، ولا سيما ما كان منها غير عادل أو غير مدروس، والعمل على تقليص الإنفاق غير الضروري والامتيازات والمناصب التي لا تخدم حاجة حقيقية للدولة.
كما أدعو إلى وضع خطة وطنية معلنة، بمواعيد محددة وأهداف قابلة للقياس، لمعالجة البطالة، وتطوير الخدمات، وتحسين أوضاع المواطنين، وعدم الاكتفاء ببرامج عامة لا يعرف المواطن متى تبدأ ولا متى تنتهي ولا من يتحمل مسؤولية تنفيذها.
وأطالب بفتح ملفات الفساد الكبرى من دون انتقائية أو استثناء، وتفعيل مبدأ «من أين لك هذا؟»، وملاحقة الأموال المنهوبة والعمل على استردادها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الاعتداء على المال العام وفق القانون.
كما أدعو إلى إعلان نتائج التحقيقات المتعلقة بقتل المتظاهرين والاعتداء عليهم، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم والانتهاكات وفق إجراءات قضائية عادلة وشفافة.
وأؤكد في الوقت نفسه ضرورة حماية حرية التعبير، ورفض كل ممارسة تستهدف تكميم الأفواه أو التضييق على الرأي أو الصحافة أو النشاط المدني السلمي.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها مواطنوها، بل الدولة التي يثقون بقانونها وعدالتها ومؤسساتها.
وسلطة الدولة يجب أن تُفرض على الجميع دون استثناء، فلا دولة مع سلاح منفلت، ولا عدالة مع حصانة سياسية، ولا إصلاح مع ازدواجية المعايير.
الرسالة الثالثة: إلى النواب المستقلين والمعارضين، وكتلة إشراقة كانون خصوصاً… صوت الشعب أمانة في رقابكم.
إن أمام النواب المستقلين والقوى البرلمانية المعارضة فرصة وطنية لإثبات أن البرلمان قادر على أن يكون صوتاً حقيقياً للمواطن، لا مجرد صدى للقوى المتنفذة.
وأخص بالذكر كتلة إشراقة كانون، داعياً إياها، ومعها سائر النواب المستقلين والقوى الإصلاحية، إلى تبنّي المطالب الشعبية المشروعة، والعمل على تحويلها من شعارات ومطالب في الشارع إلى إجراءات ومقترحات وقوانين وقرارات نيابية قابلة للتنفيذ.
كما أدعوهم إلى تفعيل الرقابة البرلمانية على أداء الحكومة، ومساءلة المسؤولين عن تردي الخدمات، وتفاقم البطالة، والقرارات التي تثقل كاهل المواطنين، ومتابعة ملفات الفساد والهدر المالي، والدفاع عن حرية التظاهر والإعلام، والمطالبة بكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات وفق القانون.
إن دور النائب لا ينبغي أن يقتصر على إصدار البيانات أو إعلان التأييد، بل يتطلب عملاً تشريعياً ورقابياً حقيقياً يترجم مطالب المواطنين إلى سياسات وقوانين وإجراءات واضحة داخل مجلس النواب.
كما أقترح أن يلعب النواب المستقلون، وكتلة إشراقة كانون خصوصاً، دور الوسيط الوطني الموثوق بين المتظاهرين والحكومة، وأن يجعلوا من استقلاليتهم موقفاً عملياً، ومن البرلمان جسراً حقيقياً بين الشعب ومؤسسات الدولة.
فالشعب يحتاج إلى من ينقل صوته بأمانة، والحكومة تحتاج إلى من ينقل إليها الحقيقة من دون تجميل أو مجاملة، والعراق يحتاج إلى مؤسسات دستورية قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح.
الرسالة الرابعة: إلى القادة الأمنيين وأبناء القوات المسلحة… أنتم حماة الشعب والدستور.
أبنائي وإخوتي في القوات المسلحة والشرطة وسائر المؤسسات الأمنية، أنتم أبناء هذا الشعب، ومن عائلاته ومدنه ومحافظاته، وقد قدّمتم تضحيات جسيمة في الدفاع عن العراق، وحماية أمنه، ومواجهة الإرهاب والجريمة والفوضى.
إن المتظاهر السلمي الذي يطالب بحقوقه ليس عدواً للدولة، بل مواطن كفل له الدستور حق التعبير والتجمع السلمي، ومن واجب الدولة أن تصون حياته وكرامته وحقوقه.
وأدعو القوات الأمنية إلى حماية المتظاهرين، وتأمين أماكن التظاهر، والتعامل معهم بمهنية ومسؤولية وضبط للنفس، وتجنب أي استخدام غير ضروري أو غير متناسب للقوة، ومنع الاعتداءات وأعمال التخريب أياً كان مصدرها.
وأطالب بالتحقيق في أي تجاوز أو انتهاك قد يقع، ومحاسبة المسؤول عنه وفق القانون.
وفي المقابل، أدعو المتظاهرين إلى احترام القوات الأمنية، والتعاون معها في حماية الأرواح والممتلكات، وعدم السماح للمندسين أو المخربين بتحويل التظاهر السلمي إلى ساحة للفوضى أو العنف.
كما أقترح، قبل انطلاق التظاهرات، تشكيل لجنة تنسيقية مشتركة تضم ممثلين عن اللجنة المشرفة على التظاهرات والجهات الأمنية المختصة، بهدف تنظيم الحركة، وتحديد مسارات التظاهر، وضمان سلامة المشاركين، والتعامل السريع مع أي طارئ.
إن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، بل بالعدل وسيادة القانون، وإن أعظم نجاح للمؤسسات الأمنية يوم التظاهر هو أن تحمي حق المواطنين في التعبير، وتحفظ الأمن والممتلكات، وأن يعود المتظاهر ورجل الأمن إلى بيتهما سالمين.
الرسالة الخامسة: إلى المجتمع الدولي… حقوق العراقيين لا يجوز تجاهلها.
إلى الأمم المتحدة، والبعثات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، أدعوكم إلى متابعة التظاهرات الشعبية في العراق، والتأكيد على احترام الحق في التعبير والتجمع السلمي، وحماية المتظاهرين والصحفيين والناشطين، ودعم التحقيقات المستقلة والشفافة في أي انتهاكات قد تقع، لا سمح الله.
كما أدعو إلى دعم الجهود الرامية إلى تعزيز استقلال القضاء، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، وملاحقة الأموال العراقية المنهوبة واستردادها وفق القانون والاتفاقيات الدولية.
إن احترام سيادة العراق لا يتعارض مع دعم حقوق شعبه، كما أن مساندة مؤسساته الدستورية المستقلة، وتعزيز سيادة القانون، ودعم الإصلاح الحقيقي، عوامل أساسية لاستقرار العراق وحماية مستقبله، وفي الوقت نفسه، نؤكد بوضوح أن العراقيين هم أصحاب القرار في تحديد مستقبل بلدهم، وأن أي دعم دولي ينبغي أن يحترم سيادة العراق ووحدة أراضيه وإرادة شعبه، وألا يتحول إلى تدخل في شؤونه الداخلية أو وسيلة لتقديم المصالح الخارجية على المصلحة الوطنية العراقية.
يا أبناء شعبنا العراقي الكريم، من البصرة إلى الموصل، ومن بغداد إلى الأنبار، ومن النجف وكربلاء إلى ديالى وكركوك وصلاح الدين، ومن إقليم كردستان إلى سائر محافظات وطننا العزيز، يجمعنا العراق، تجمعنا آمالنا في دولة عادلة تحفظ كرامة المواطن، وتصون ثروات الوطن، وتضمن مستقبلاً أفضل لأبنائنا.
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات والوعود؛ بل يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، وإدارة كفوءة ونزيهة، وقضاء مستقل، وبرلمان فاعل، ومؤسسات أمنية تحمي الشعب، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
فلنجعل من يوم الأحد، الخامس والعشرين من تشرين الأول، مناسبةً للتعبير السلمي عن مطالب المواطنين، وللتأكيد على التمسك بالإصلاح، ودولة القانون، والمحاسبة عبر القضاء، وحماية المال العام، وصون مستقبل الأجيال القادمة.
ولنجعل من هذه اللحظة بدايةً لمراجعة وطنية جادة، تضع الكفاءة والنزاهة فوق المحاصصة، والمصلحة العامة فوق المصالح الحزبية، وسيادة القانون فوق نفوذ الأشخاص والجماعات.
يا أبناء العراق، لا تيأسوا من وطنكم، ولا تسمحوا لأحد أن يصادر مستقبلكم، تمسكوا بحقوقكم، واحفظوا سلمية تظاهراتكم، وصونوا دماء العراقيين ووحدة وطنهم، فالعراق أكبر من أحزابه، وأبقى من حكوماته، وأعظم من كل من يحاول احتكار دولته أو ثرواته، والسلطة تكليف وليست تشريفاً، والمناصب مسؤولية وليست امتيازاً، والوطن أمانة في أعناق الجميع.
عاش العراق حراً عزيزاً موحداً،
وعاش شعبه الكريم،
والرحمة لشهدائه،
والكرامة لأبنائه،
والتوفيق لكل جهد وطني مخلص يسعى إلى بناء دولة العدالة والمساواة وسيادة القانون.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
