ضمن ثاني أيام مؤتمر استعراض الإنجازات الحكومي، المعروف بـ«منتدى مصر»، قال وزير الصحة إن القيادة السياسية دعمت القطاع الصحي بشكل غير مسبوق، بعدما كان يعاني من عبء مرضي ضخم في 2014، في ظل غياب البيانات، وضعف الموازنات المخصصة له على مدار سنوات، بما لا يلبي طموحات تطوير المنظومة، خاصة مع ارتفاع معدلات الزيادة السكانية.
وخلال جلسة «صحة المواطن»، أشار الوزير إلى اعتماد خطة تطوير، تُحدَّث باستمرار، خلال الـ12 عامًا الماضية، أسفرت عن تحقيق نجاحات في القطاع، لافتًا إلى استفادة 95 مليون مواطن من 16 مبادرة رئاسية في الصحة العامة، بتكلفة 44 مليار جنيه، قبل أن يضيف أن النجاح في القطاع لا يعتمد على حجم الإنفاق، وإنما النتائج التي يلمسها المواطن في النهاية.
بعض النتائج التي يلمسها المواطن تظهر في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي اطلع عليها «مدى مصر»، والتي تشير إلى انخفاض ملحوظ في عدد الأسرة بالمستشفيات الحكومية بين عامي 2013 و2024، من نحو 98 ألفًا و291 سريرًا، إلى 84 ألفًا و225 سريرًا، وذلك في مقابل ارتفاع عدد أسِّرة المستشفيات الخاصة من 26 ألفًا و9 أسرة، إلى 36 ألفًا و14 سريرًا، ما أنتج تراجعًا في إجمالي عدد الأسرة، في المستشفيات الحكومية والخاصة معًا، من 124 ألفًا و300 سرير في 2013، إلى 120 ألفًا و239 سريرًا في 2024.
وكما يستمر التراجع في عدد أسِّرة المستشفيات الحكومية، تستمر الدولة في عدم الالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على الصحة، والتي تحددها المادة 18 من الدستور في التزام الدولة، بدءًا من 2016/2017، بتخصيص ما لا يقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، للإنفاق الحكومي على قطاع الصحة، مع التدرج في زيادتها حتى تتفق مع المعدلات العالمية.
ولم تلتزم الدولة بتلك النسبة منذ إقرار الدستور، والتي لم تتخط 1.7% من الناتج القومي منذ 2014، ليظل الإنفاق الفعلي الموجه إلى الخدمات الصحية والقطاع الصحي أقل من نصف الاستحقاق الدستوري في أغلب السنوات.
وخصصت الحكومة للصحة في الموازنة الجارية، 1.51% من الناتج القومي الإجمالي، ما يوازي نصف الحد الأدنى المذكور في الدستور، وذلك استمرارًا لاعتمادها على مبدأ مختلف لاحتساب المخصصات، وهو ما بدأته قبل سنوات، بالابتعاد عن مفهوم التصنيف الوظيفي في تعريف الإنفاق على الصحة، والذي يقتصر على إنفاق وزارة الصحة فقط كجهة مسؤولة بشكل مباشر عن الصحة، واستبداله بمفهوم «أعم وأشمل» لا يقتصر على الجهات «الموازنية» وإنما يشمل إنفاق بعض الهيئات الاقتصادية والشركات، و«أي جهات أخرى تقدم خدمة صحية من قبيل مستشفيات الشرطة والدفاع والأزهر والتأمين الصحي الشامل والبرامج الخاصة به»، حسبما سبق وأوضح مصدر من وزارة المالية لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أن التعريف نفسه يتسع لإضافة نصيب تلك الجهات من أعباء فوائد الديون التي استفاد القطاع منها.
وبينما استمرت الحكومة في التأكيد على التزامها بالنسب المقررة للإنفاق على الصحة -والتعليم، بناء على التعريف الجديد الذي استندت له، اعترف رئيس الجمهورية، قبل ثلاث سنوات، بعدم الالتزام بتلك النسب، ما أرجعه إلى أن «الأرقام المطلوبة مش موجودة يا جماعة»، في تصريحات أتت بعد أيام من تأكيد حكومي، وقتها، على التزامها بنسب الإنفاق.
الاستعراض الحكومي للإنجازات في منتداها تضمن إشادة بمشروع التأمين الصحي الشامل، الذي اعتبره رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أحمد السبكي، يُمثل إصلاحًا شاملًا للمنظومة الصحية في مصر، توّج «الطفرة الهائلة» في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد مرحلتي إصلاح تاريخيتين في عهد الملك فؤاد الأول، ثم عهد جمال عبد الناصر.
وبينما بدأت الحكومة قبل المنتدى في الترويج للمرحلة الثانية من «التأمين الصحي»، التي بدأ تشغيلها التجريبي في محافظة المنيا، بعد استكمال المرحلة الأولى من المنظومة في بورسعيد، والإسماعيلية، والسويس، وجنوب سيناء، والأقصر، وأسوان، اعتبر السبكي أن المنظومة حققت أهدافها عبر تعزيز العدالة الاجتماعية، والحد من الفقر من خلال تقليل الإنفاق الشخصي للمواطنين على العلاج، فضلًا عن نجاح الهيئة في ميكنة ورقمنة الخدمات للارتقاء بسرعة وجودة الخدمة المقدمة.
هذه التصريحات تستمر بدورها في تجاهل الأزمات التي شهدها تطبيق المنظومة في محافظات المرحلة الأولى الست، والتي كان أبرزها النقص الحاد في العديد من أصناف الأدوية، فضلًا عن تراكم مديونيات الاشتراكات التأمينية لبعض المواطنين، وصولًا إلى حرمان عدد من المرضى من الحصول على أدويتهم نتيجة تلك المديونيات، وهي العقبات التي دفعت بعض المستفيدين إلى محاولة الهروب من المنظومة الجديدة عبر تغيير محل إقامتهم صوريًا، وتحرير عقود إيجار جديدة في محافظات لم تُطبق فيها المنظومة بعد.
بذكر الأدوية وإتاحتها، شهدت جلسة صحة المواطن في «منتدى مصر»، أمس، تأكيدًا من رئيس الهيئة المصرية للشراء الموحد، هشام ستيت، على أهمية توحيد منظومة شراء الأدوية والمستلزمات الطبية لمختلف الجهات الصحية، بما يضمن توفير الاحتياجات وفق مواصفات جودة مناسبة وبأفضل الأسعار، وهي التصريحات التي تتجاهل الأزمة المتفاقمة التي تلت إنشاء الهيئة وتجلت مؤخرًا في النقص الحاد لعدد من الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية داخل مستشفيات التأمين الصحي، إثر خلافات بين الهيئة وشركات الأدوية والمستلزمات الطبية، أدت إلى تراكم ديون ضخمة على الهيئة لصالح تلك الشركات بلغت أكثر من 40 مليار جنيه.
تفاصيل أكثر في تقرير: « ثقوب في منظومة “التأمين الصحي”.. كشف حساب المرحلة الأولى»، اقرأوه من هنا، وتقرير «لماذا تتفاقم أزمة نقص المستلزمات الطبية في المستشفيات؟» اقرأوه من هنا.
The post «صحة المواطن» في «منتدى الحكومة».. أرقام ونتائج لا تتسع لـ«تراجع أسِّرة المستشفيات» first appeared on Mada Masr.