اعتبرت مصادر في قطاع الحبوب والمخابز أن أسعار الطرح وجودة القمح ومدى انتظام إمداد السوق بالكميات المطلوبة، هي العوامل التي ستحدد مدى نجاح الآلية الجديدة التي لجأت لها وزارة التموين، لاحتواء ارتفاع أسعار الدقيق المستخدم لإنتاج الخبز السياحي والفينو، والمتمثلة في إعادة طرح القمح المستورد في البورصة السلعية، بهدف زيادة المعروض من الدقيق.
وأعلنت الوزارة عن الآلية الجديدة في 4 أكتوبر الجاري، بعد اجتماع مع شعبة المخابز وغرفة صناعة الحبوب، على خلفية نقاشات مستمرة، بعدما طالبت المخابز السياحية والإفرنجية، في أغسطس وسبتمبر الماضيين، بإعادة النظر في أسعار الخبز لتعويض زيادة أسعار تكاليف الإنتاج، والدقيق بشكل خاص، فيما تمسكت الوزارة بأسعار الخبز والأوزان التي حددتها في مارس الماضي.
مصدران في «صناعة الحبوب» قالا لـ«مدى مصر» إنه من المقرر بدء طرح القمح المستورد عبر البورصة السلعية ما بين الأسبوعين الجاري والمقبل، بحد أقصى 500 طن لكل مطحن في الطرح الواحد، على أن تُعقد جلستان أسبوعيًا، وفق ما جرى الاتفاق عليه مع الوزارة في الاجتماع الأخير.
وتستهدف الوزارة بيع الطن بسعر يتراوح بين 16.5 و16.7 ألف جنيه، مع إتاحة الكميات للمطاحن المرخصة، دون ربطها باحتياجات مخابز بعينها، بما يسمح بزيادة إنتاج الدقيق الحر المستخدم في الخبز السياحي والفينو، وفق المصادر.
أحد أعضاء الغرفة اعتبر أن السعر المعلن غير كافٍ بمفرده، لتشجيع المطاحن على الشراء من البورصة، إذ يتراوح سعر طن القمح لدى القطاع الخاص حاليًا بين 16.8 ألفًا و17.2 ألف جنيه، بحسب الجودة، ما يقلص الفارق بين السعرين عند احتساب التكاليف الإضافية للتداول في البورصة.
وأوضح المصدر أن المطاحن لا تزال متشككة في جدوى العودة إلى البورصة السلعية بنظامها الحالي، في ظل ما تتطلبه من رسوم تسجيل، إلى جانب رسوم التداول، وهي تكاليف لا تواجهها بالضرورة عند الشراء المباشر من التجار أو الشركات، لافتًا إلى أن الحكم على مدى تنافسية السعر الحكومي يظل صعبًا قبل معرفة مواصفات وجودة القمح المطروح، إذ تتيح التعاملات المباشرة مع القطاع الخاص للمطحن معاينة الشحنة قبل إتمام الشراء، ثم قبولها أو رفضها والبحث عن مورد آخر إذا لم تتناسب مع احتياجاته.
ويمثل الدقيق ما يتراوح بين 60 و70% من تكلفة إنتاج الخبز السياحي والفينو، وفق تقديرات مصدر في الشعبة العامة للمخابز، ما يجعل زيادة سعره عاملًا مباشرًا في الضغط على هامش ربح المخابز، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التشغيل الأخرى.
ومع ارتفاع أسعار القمح عالميًا، بدأت ضغوط التكلفة تظهر بوضوح في سوق الدقيق المحلية خلال الأشهر الماضية، مع وصول سعر طن القمح المستورد من نحو 12.5 ألف جنيه في يونيو، إلى ما يتراوح بين 16.8 و17.2 ألف جنيه ليرتفع سعر طن الدقيق الحر تبعًا لذلك إلى نحو 21 ألف جنيه، مقابل نحو 17 ألف جنيه في يونيو الماضي.
ولا تتعلق تحفظات المطاحن بالتكلفة وحدها، بل تمتد إلى مدى قدرة الحكومة على الاستمرار في طرح كميات منتظمة من القمح عبر البورصة، سواء من حيث حجم المعروض أو الجدوى الاقتصادية للشراء، حسبما قال مالك أحد المطاحن، مشيرًا إلى أن التعامل مع الموردين الذين اعتادت المطاحن الشراء منهم يظل الخيار الأكثر وضوحًا، إلى أن تتضح قدرة الآلية الحكومية على توفير احتياجات السوق بصورة مستمرة.
ولم تستلم الحكومة أي شحنات من القمح المستورد منذ الأسبوع الأول من يونيو الماضي، بعد فترة من الشراء المكثف، فيما بلغ إجمالي واردات البلاد من القمح خلال الربع الثالث من العام الجاري نحو 1.3 مليون طن، بتراجع أكثر من 60% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بحسب بيانات رسمية اطلع عليها «مدى مصر».
رغم توقف الحكومة عن الاستيراد، الذي سبق أن أرجعه مصدر من وزارة التموين لعدم وجود احتياجات عاجلة، أكد المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، الإثنين الماضي، أن المخزون الاستراتيجي من القمح آمن ويكفي احتياجات المواطنين لعدة أشهر مقبلة، وأن زيادة الإنتاج المحلي أسهمت في تقليل الاحتياج إلى الاستيراد، وذلك دون تحديد حجم المخزون المتاح فعليًا أو عدد الأشهر التي يغطيها.
عضو في شعبة المخابز قال لـ«مدى مصر» إن إعادة طرح القمح عبر البورصة السلعية لن يمثل حلًا مناسبًا لأزمة الفجوة بين تكلفة إنتاج الخبز السياحي والفينو وبين أسعارهما المحددة من «التموين»، مشيرًا إلى أن الحكومة سبق أن لجأت إلى الآلية نفسها قبل نحو ثلاث سنوات دون أن تنجح في زيادة المعروض من الخام أمام المخابز بالقدر الذي يخفف ضغوط التكلفة.
وأضاف أن طرح القمح الحكومي في البورصة السلعية بفارق سعري محدود عن مستويات السوق لن يكون كافيًا لإحداث تغيير ملموس في أسعار الدقيق الحر، أو تخفيف أعباء الإنتاج على المخابز، التي تشمل مختلف مدخلات الإنتاج، خصوصًا في ظل تحرك سعر صرف الدولار، الذي يلامس 53 جنيهًا حاليًا مقارنة بأقل من 49 جنيهًا نهاية أغسطس الماضي.
كانت «التموين» لجأت إلى طرح القمح المستورد عبر البورصة السلعية في أكتوبر 2023، قبل توقفها في 21 يناير 2024، والذي أرجعه وزير التموين وقتها، علي المصيلحي، إلى المضاربات على أسعار القمح بالسوق المحلية.
في ذلك الوقت، وبخلاف إشارتها إلى قِلة الكميات التي طرحتها الوزارة بما حد من تأثيرها على الأسعار في السوق، أوضحت مصادر تحدثت لـ«مدى مصر» أن عددًا من المطاحن المتوقفة عن العمل سجلت كمشترٍ في البورصة، قبل أن تبيع القمح الذي عرضته الحكومة بأسعار أعلى في السوق الحرة.
The post شكوك حول قدرة «الطرح في البورصة» على حل أزمة «أسعار الخبز السياحي» first appeared on Mada Masr.