نشرت آن كارسون (1950) أول كتبها وهي في السادسة والثلاثين من عمرها. والكتاب شبه دراسة أكاديميّة تتبع فيها ملامح المرارة والحلاوة في فعل الحب استدلالًا بأشعار الإغريق القدامى وقصائد الأجيال الغربية الحديثة لاحقًا، «إيروس؛ الحلو /المر» صدر في 1986 كإعادة كتابة لأطروحة الدكتوراه التي نالت بها كارسون درجتها العلمية عام 1981 بعنوان «أنا أكره وأنا أحب؛ إذن أنا موجود».
كما صدر لها كتابان مترجمان آخران؛ «سيرة ذاتية للأحمر»، ولنا عنه حديث طويل تالٍ، وكتاب «اقتصاد ما لا يضيع».
وحتى لا نرتكب خطيئة الانشغال بالمعلومات المجردة عنها بدلًا من الكلام أو القراءة الحقيقيّة لأدبها، فقد فاضت المقالات اللحظيّة والمنشورات الفيسبوكيّة القصيرة المطبوخة على عجل -بمساعدة ChatGPT، أو أيّ من وسائل تلخيص المعلومات- عن آن كارسون فور تتويجها بالجائزة، اسمها الكامل (آن باتريشيا كارسون)، واسم أبيها وأمها (روبيرت ومارجريت كارسون)، وسنها بالتفصيل؛ سنة وشهرًا ويومًا وساعة (سبعة وستين عامًا، وثلاثة أشهر، وواحد وعشرين يومًا، وتسع عشرة ساعة وقت كتابة هذه الكلمات)، ومدينة ميلادها (تورنتو، أونتاريو، كندا)، والعنوان التفصيليّ لمسكنها الحالي في أيسلندا (غير متاح حاليًا لكننا نعلم أنها تقيم في العاصمة ريكيافيك مع زوجها روبرت كوري بعد حصولهما على الجنسية الأيسلنديّة في 2022)، ودقائق مسيرتها الأكاديميّة منذ تخرجها من جامعة مدينتها، إلى تعلم اليونانيّة القديمة باحتراف (بعد القصة الطريفة التي انتشرت عن المُعلّمة آليس كوان، التي علّمتها بشكلٍ خاص اليونانيّة في الفُسح بين الدروس حين لاحظت افتتان الفتاة الشابة باللغة والأساطير المُثيرة وسط زمرة من المراهقين في مدرسة ثانويّة تقليديّة ومملة وهي ثانويّة بورت هوب في أونتاريو-كندا)، وكيف صارت مناهل اللغة الإغريقيّة مصدرها لكسب العيش (فكتبت وترجمت الكثير من الأعمال عن الأصل اليونانيّ العتيق)، بالإضافة إلى التفاصيل الحميميّة لحياتها السريّة الحافلة بالنجاح بعد إخفاق، وطردها من الجامعة (لم تُطرد حرفيًّا، بل استقالت بعد رفض الجامعة تعيينها بشكل دائم في إثر سبع سنين من تدريس الكلاسيكيّات أستاذًا مُساعدًا)، واحتفاء الجامعات بها عقب الفوز (تورنتو، ميتشيجان، برينستون ’الخائنة’، سانت آندروز، مِكجيل)، والأقسام التي استضافتها أستاذةً ومُحاضِرة، ولم يتبق لنا سوى التجسس على حياتها الزوجيّة وملابسها الداخليّة وعدّ رفاقها السابقين!
في «إيروس» الصادرة ترجمته عن «صفصافة» في 2024 لعبد الرحيم يوسف، تطرح كارسون فكرة ثم تسرد مراجع استنباطاتها عليها بأسلوب علمي يحمل لمسة شعرية خفية، وسرحات موضوعية شارحة لا تخرج إلا من شاعر -حسبما قال لي مترجمها الشاعر عبد الرحيم، والتي قد لا يفهمها، أو لا يصبر عليها القارئ تُعرّف كارسون إلهَ الحب والرغبة والشهوة المُشاكس؛ الابن الحسن لأفرودايتي إلهة الحب وآريس إله الحرب باعتباره: «ابن حرام نشأ من علاقة بين الثروة والفقر وراحته يجدها في حياة الحاجة.. (ويتجلى في أنّ) كل رغباتنا مُتناقضة، مثل الرغبة في الطعام. أريد من الشخص الذي أحبه أن يحبني. ومع ذلك، لو أنه مكرس تمامًا لي لا يعود له وجود وأتوقف عن حبه. وطالما أنه غير مكرس تمامًا لي فهو لا يحبني بشكل كافٍ. الجوع والتخمة». في «إيروس» تستشهد كارسون من الآداب والتقاليد الشعريّة القديمة والحديثة، من أفلاطون إلى ديكنسون وغيرهم مظاهرَ تجلي الرغبة الإيجابيّة والسلبيّة في الحب الحميميّ، مع الاشتباك كثيرًا مع صافو، حيث يذكر اسم الشاعرة الإغريقية هكذا الذي أكد تدقيقه الصوتي لي عبد الرحيم، وليس سافو على غرار ترجمات أخرى. وكيف أن «الحب الذي تنسد سُبله، ويفشل في بلوغ غايته يكتسب سطوة قوية بشكل خاص على القلب البشريّ. تتفجر شرارات رغبة حيوية لتغدو لهبًا في ذات اللحظة التي تُعاق فيها الرغبة في طريقها. إنها العقبة التي نجعل المشاعر الشخصية واعية تمامًا.. ويبحث العاشق المحبط عن السبب في شخصيته هو». وتتأمل تباعًا في اللغة اليونانية القديمة وطريقة كتابة حروفها، وكيف تعبر -عجبًا- عن الحب والندم في علاقة المحب والمحبوب!
بعملها الأول هذا ترسخ كارسون ما ستستكمل طريقها الأدبيّ به؛ امرأة أكاديميّة تعرف الكلاسيكيات جيدًا وتعلم كيف تكتب عنها ومنها، ورغم ذلك لا تفقد شجاعة تحطيم ذلك، وخلخلة الشكل الاعتيادي للنصوص المكتوبة -بوصف عبدالرحيم وله الفضل في ذلك التعبير- ولا تخشى التجريب فنًا وطريقةً في عصرنة الكلاسيكيّ، (وهو ما يقارب الملمح الموصوف من قِبل اللجنة في حيثيات الاختيار والفوز). ويتجلى ذلك في عملها الأكثر شهرة ومحور مقالنا هذا؛ «السيرة الذاتية للأحمر» بترجمة مأمون الزائدي التي صدرت في 2017 (وهي على الأغلب ليست النسخة المقرصنة المنتشرة حاليًا على المواقع؛ إذ يظهر بوضوح، بالقليل من التقصي، نَفس الـAI، والله أعلم). وفي سيرة الأحمر الذاتية تستلهم كارسون شخصياتها من الملاحم اليونانيّة لتضعهم في سياق عصريّ مُختلف وإن حمل دلالاتٍ شبيهة تذكرنا بالأصل المرجعيّ.
بطل الحكاية الأحمر هو جيريون، وحش أسطوريّ أحمر مُجنح قليل الذكر، ضئيل الأهميّة اختلفت المصادر القديمة في رسم صورته، لكن الشاعر ستيسيكورس (أو ستيسيخورس)، وهو الرجل الذي تعتمد عليه كارسون في حكايتها، يصفه بستة أذرع وستة أرجل وثلاثة رؤوس، وأجنحة حمراء مُخيفة. يُذكر جيريون لمامًا في المصادر الأخرى باعتباره ضحية المهمة العاشرة لبطل الأبطال هرقل في مهامه الاثنى عشر لطلب السماح من يوريستيوس، ملك موكناي، لقتله أسرته. على هرقل أن يسافر إلى إيريثيا؛ أي البلدة الحمراء، ليسرق الماشية الحمراء التي يربيها جيريون الأحمر تحت حراسة كلبه ذي الرأسين أورثرس. تحكي القصة الرسميّة رحلة هرقل إلى البلدة، وكيف قتل كلب جيريون واختطف ماشيته، فثارت ثائرة الوحش المجنح وذهب لقتال هرقل، لكنه مات أمام سهمٍ مُغطّس في دماء وحش الهيدرا السامة أطلقه على جبهته هرقلُ.
في ملحمته الشعريّة الخاصة التي فُقد أغلبها وعاشت منها قصاصات؛ الجيريونيّة، يتناول ستيسيخورس شخصية جيريون باعتبارها البطل الرئيسي للحكاية عوضًا عن الاحتفاء الكاذب بالبطل السارق. يحكي أصله الربوبيّ الحقيقيّ، فهو ابن كريساور ذي السيف الحديدي الذي وُلد من دماء رأس ميدوسا بعدما قطعه بيرسيوس، انبثق مع أخيه التوأم الحصان المجنح بيجاسوس من الرأس. ووالدهما هو بوسايدون إله البحار. وأم جيريون هي كاليرهوي حوريّة النهر، ابنة أوشيانوس وتيثيس، وحفيدة الآلهة الاولين يورانوس حاكم السماء وجايا ربّة الأرض. ويجعل ستيسيخورس من جيريون في ملحمته الطويلة ضحية لشطح هرقل المُستبد. تُلخِص كارسون حكاية جيريون الأسطوريّة في قصيدة قصيرة من شعرها النثري في المقدمة المُهيئة للرواية (أترجمها أنا من الإنجليزيّة):
«كافة ما يُعرف عن جيريون
أحبَّ البرق. عاش على جزيرة، كانت أمه
حورية نهر تجري نحو البحر. ووالده كان أداة
حادة ذهبيّة. تخبرنا الشروحات القديمة أن ستيسخوروس قال إن
جيريون امتلك ست أيدٍ وست أقدام وأجنحة. كان أحمرَ و
قد أغرت ماشيته الحمراء العجيبة الحاقدين. جاء هرقل و
قتله من أجل نيل ماشيته
وقتل كلبه أيضًا.»
ثم تبدأ كارسون في روايتها التي لا تشابه عظيم بينها وبين الحكاية التي اعتمدت عليها، تؤطرها بـ«رواية مكتوبة في شطراتٍ شعريّة»، وهو ما علّق عليه الناقد الأمريكيّ، سام أندرسون، قائلًا: «كعادة كارسون، هذه ليست رواية وليست شطراتٍ شعريّة»، بل هي أقرب لنثرٍ مسرودٍ في قالب قصائد حرة ذات جمل طويلة بغير وزن ولا قافية، مُقسمة على 47 فصلًا، وفيه تحكي كارسون حكاية طفل مولود على جزيرة تسمى القصر الأحمر يُدعى جيريون مولودًا ببشرة حمراء وجناحين -أخالها كناية أدبيّة لا واقعيّة سحريّة- يتعرض في فصوله الأولى لتعرفنا به لمضايقات تتخذ طابعًا جنسيًا كاملًا في النهاية من أخيه لمّا ناما في غرفة واحدة بعدما احتلت الجدة التي كسرت ساقها مؤخرًا غرفة جيريون. يكره جيريون أخاه ويتقرب لأمه أكثر، وهي المصدر الوحيد الذي يجد فيه عزاءً. يجالسها ويستمع لها وهي تدخن، ويبدأ في كتابة سيرته الذاتيّة في الخامسة من عمره، بصور الكولاج أو بالمجسمات التي يتصيّد قطعها من بيئته المحيطة قبل أن يتعلم الكتابة. ثم نتنقل بتشظٍّ لمراحل عمريّة مختلفة، إذ يكبر جيريون ليصير مراهقًا يتعمد إخفاء أجنحته تحت ملابس ثقيلة وفضفاضة، ويتهرب من الإجتماعيّات، ويُغرم بالفلسفة والتصوير. يُنزع رداء تقاربه من أمه حين لا يقاوم وهو في الرابعة عشرة وقوعه في حب شابٍ أمرد مُتمرد يُدعى هرقل. يتقاربان، يتواعدان، يتبادلان الغرام، يأخذه لبلدته الأصليّة التي تسمى هاديس (على اسم ربّ الهاويّة في الأساطير) ليقابل جدته وليريه بركان البلدة وصور ألتقطتها لانفجار دمر البلدة سابقًا. يتقاربان، يحبه جيريون، يتطارحان الحب. يسدد هرقل سهمه في قلب جيريون وينفصل عنه ويطلب منه الرحيل؛ لأنه لم يعد يستطيع تحمل تعلق جيريون المبالغ فيه به، ومشاعره «الطفوليّة» الفيّاضة.
يعود جيريون مقتولًا على يد هرقل ليتقوقع داخل حياته الجامعيّة المملة، يقرأ الشعر والأدب، ويبحث عن ذاته في داخله وفي أجسادٍ عشوائيّة تزيد من وحشة روحه بغير لذة. تمر سنونٌ قبل أن يقابل هرقل مرة أخرى بالصدفة في بوينس آيرس. سافر جيريون هنالك ليحضر مؤتمرًا للفلسفة، يلتقي رجلًا غريبًا يشاركه مقعدًا في مقهى مزدحم. يتقاربان، يشربان سويًا، يتبادلان الحديث عن الفلسفة والأدب، تبدأ شرارة في قلب جيريون عندما يعرف أن محادثه الغريب أستاذًا في الفلسفة جاء لإلقاء محاضرة في المؤتمر، ربما تتجلى صورة فقدان الأب في حياة الفتى الصغير، أو ربما الرغبة المستعرة في الرجال الذي يرغب في أن يكونهم، بيد أن الفتيلة سرعان ما تُطفأ حين يرى الرجلُ جيريونَ صورة ابنته، ويرحل عنه. يلتقي جيريون عشيقه السابق وقاتله في الشارع، بصحبة رفيقه الجديد آنكاش الذي تعود أصوله للسكان الأصليين في البيرو. كان هرقل وآنكاش في بوينس آيرس ليسجلا أصوات البراكين هناك من أجل فيلم وثائقي يعمل عليه هرقل عن إيملي ديكنسون. ينضم جيريون لرحلتهما لأن أبوابًا قديمة من الذكريات والاحتياجات قد فُتِحت حين رأى هرقل مجددًا. يتقابلون، يسافرون معًا، ولا يمارسون أيّ نوعٍ من الحب الجماعيّ. يشاهدون براكين خامدة ويسجلون أصواتًا، يسافرون لليما ضمن مسار الفيلم الوثائقي، وهناك بالصدفة يكتشف آنكاش أجنحة جيريون ويحكي له عن أسطورة الرجال الآلهة الذين ألقاهم سكان بلدة أمه الأصلية قرابنَ للبركان فخرجوا من الصهد بأجنحة نارية نبتت لهم. دعاه رجلًا أسطوريًّا وتابعوا السفر. يقع جيريون في خطيئة الخيانة حين ينام مع هرقل ثم يبكي لافتقاده قصة حبهما التي كادت أن تكون. يطالبه هرقل بالنضوج، فيصمت جيريون. في الصباح التالي يسأل آنكاش جيريون إن كان لا يزال يحب هرقل، فيعترف بذلك موضحًا أنّه يحب القديم لا هرقل الحاليّ. يتقاربان، يتشاجران، ويتبادلان الأمنيات. يطلب منه آنكاش أن يطير أمامه، لكن جيريون يخجل كعادته. يحلق في فجرٍ لاحق والرجلان نيام نحو فوهة البركان ويسجل ذلك في الكاميرا ليراه آنكاش لاحقًا. يقفون ثلاثتهم في ليلٍ مُقارب ليستكملوا رحلتهم لتسجيل أصوات البراكين النشطة، والنجوم في السماء ساطعات، والليل من خلفهم يتماهى.
هكذا انتهت الحكاية، ولها تكملة في كتابٍ لاحق أقل شهرة بكثير نُشر في 2013: «Red Doc» أي وثيقة الأحمر.
يحمل «سيرة ذاتية للأحمر» ثقلًا موزونًا من المشاعر المُتضارِبة؛ فقصة جيريون الأحمر حكاية عن البلوغ واكتشاف الذات والعنف والجراح التي يسببها أحباؤنا، والحزن، والرغبة في/ والرغبة عن، و«إيروس الحلو والمر»، والعلاقة المضطربة بالأم، والمشاعر التي يعاني منها مراهق يحاول اكتشاف ذاته في مواجهة العالم، وبالأخص في ثورية تناول هذه الفكرة في عام 1998. وما تحمله من عناصر قد نبالغ في تأويلها وفقا لأهمية الكاتبة المعنوية والتأليهية بعد النوبل (فتصير حمرة جيريون خجلًا وعارًا مدفونًا، وأجنحته المفرودة وقت يطير اكتسابًا للحرية، والبراكين دلالات على النضوج). بيد أنها مكتوبة بطريقة أخالها مُعقدة نسبيًّا، بشكل أعمق من تفاصيل القصة، فجزء من براعة السرد يكمن في طريقته لا في فحواه- إذ لا يقتصر على القصة الجيدة أن تكون مسرودة بأقصر الجمل أو بأكثر الطرق استقامة نحو النهاية، فآن كارسون اختارت أن تقدم فنها وحكايتها بتجريبية جديدة تصير فيها على صفحات الورق بنية قد لا يراها الجميع مبررة للغاية -ربما لقصور في فهم الأدب، أو لجهل مُطبق بالفن وأصوله وانبعاجاته، كما ترغب لجنة نوبل في رسمه باعتباره أدبًا راقيًا- إذ ربما يتساءل البعض عمّا فرّق النص المكتوب طوليًّا عن المكتوب عرضيًّا وهو لا يشبه شكل الشعر وتنسيقه وموسيقاه، وقد يتولد هذا الانطباع لاعتياد جل القراء العرب، وأنا أولهم، على الشعر المكتوب عربيًا مشطورًا، موزونًا ومُقفًّا أو مُتفعّلًا أو نثريًا. ورغم بنيتها الجديدة التي تكسّر معها كارسون أنماط المألوف والمستساغ على المستويين الروائي والشعريّ، إلا أن هذه الرواية المقولبة شعرًا تبدأ بقوة وفكرة متماسكة ثم سرعان ما بدأت تنحدر في نصفها الثاني بحدة، حتى وصلت لقاع نهاية مفتوحة على مصراعيها.
بيد أن قراءة كتاب واحد أو اثنين لا يكفي للحكم على منتوج آن كارسون أو على قيمتها الأدبيّة والفنيّة، فهي المرأة التي قدمت للإنجليزيّة لأول مرة أشعار سافو (أو صافو)، ومسرحيات سوفوكليس ويوروبيدس. وهي التي أثرت الفن الأدبيّ بابتكاراتها مثل كتابها نوكس المكتوب طوليًّا فيُطوَ في صفحاتٍ متلاصقة، أو روايتيها الحمراوين اللتين كتبتهما في شطراتٍ شعريّة. كما أن لها قيمة معنويّة واحتفاء أكاديميّ كبير، بالأخص في الأوساط الشعريّة الكويريّة مبكرًا، وأسلوبها الشعريّ حتى في كتابة النثر يدعم النظرية التي تفترض أن أفضل النصوص الأدبية هي التي تكتبها أرواح وعقول الشعراء. وهي امرأة ساخرة وحيّة، كما نلاحظ جميعنا من مقاطع فيديوهاتها المنتشرة على الإنترنت، سواء محاضراتها أو خطبها أو مقابلاتها الصحفيّة، فمن كان يظن أن المرأة التي تشبه الجدّة الحنون متقدة الذكاء، ترد على الأسئلة بإجاباتٍ قصيرة بسخرية مَنْ خبر الحياة وعرف سرها، تسعى لمحاربة داء هذا العصر؛ أي الملل، بالقراءة المُتأنية لكلاسيكيّات عملاقة، وبالحياة البسيطة مع زوجها وأصدقائها. واختيارها هذا العام من قبل لجنة نوبل فرصة لإعادة تذكيرنا بضرورة الاحتفاء بالقامة الأكاديميّة وقيمة الذكاء البشريّ المتعوب عليه في عصرٍ تُهدد فيه ذائقتنا بالتلاعب والابتذال، وهو تكريم للآداب القديمة والأصيلة، وفرصة للفت انتباهنا للقراءة لأسماء جديدة (حديثة أو قديمة)، بدلًا من النشر العبيط للكتب الرديئة، أو إعادة إنتاج الترجمات المهدور حقها، أو تدوير الحكي في المحكي، إلى آخر الدهور. ذاك الاختيار النوبليّ لم يكن فقط «من أجل أعمالها الشجاعة والمبتكرة التي تخلق بحوارٍ لعوب مع التقليد الكلاسيكيّ صورًا جديدة للأدب المعاصر» بل لخِصالٍ أخرى يطيب لي الظن أنْ كان لها حصّة غير هيّنة من اختيار آن، فعلى فائز 2026 أن يكون امرأة إذ تُبادل نوبل بين الذكور والإناث عامًا بعد عام، منذ 2017، وفائزُ 2025 كان رجلًا مجريًّا يدلّلونه بلاسلو، وقبلها شاعرة وروائيّة تجريبيّة كوريّة تُدعى هان كانغ (وللمصادفة مع كارسون وبخلاف شعرية الكتابة، لهان رواية مُترجمة حديثًا تُدعى «دروس إغريقيّة»). وعلى كتبها أن تكون غير مُبتذلة بالانتشار المُفرط أو الشهرة العامة؛ لأن لجنة أي جائزة مُحترمة ستسعى في الإشارة لأسماء تلاشتها الجموع في مسيرة المديح الجماهيري. وأن تعتنق مذهبَ الكتابة البسيطة لكن الحيّة والخلّاقة، عوض الازدحام المُفرط بالحكايات أو الشخصيات أو التجارب؛ لأن لا أحد يستحق أن ينتزع لقب ربّ الحكايات من ماركيز. وتستخدم إسلوبًا مُبتكرًا في السرد الأدبيّ؛ لأن للجائزة سُمعة طيّبة في الاحتفاء بالفن البشريّ المُخلّق في عصر أُتخِمَ بالتقليد، والـAI، والرداءة. وترتكز أعمالها على نصوص سرياليّة قابلة للتأويل؛ لأن الثراء الحقيقيّ يكمن ما بين السطور وتحت السجادة الخافية للكلمات الحادة.
The post عن أحمر آن كارسون first appeared on Mada Masr.