بعد إعلان رئيس دير سانت كاترين عزمه اتفاق مع الحكومة المصرية بشأن الدير والأراضي المحيطة به، قررت محكمة استئناف الإسماعيلية (مأمورية الطور)، برئاسة المستشار علاء عبد الرازق، اليوم، تأجيل نظر جميع الدعاوى المقامة من دير سانت كاترين ومحافظة جنوب سيناء بشأن أراضي الدير إلى جلسة 27 ديسمبر المقبل، لتقديم ما يفيد الصفة القانونية للقائم على شؤون الدير.
وقال محامي الدير، فتحي راغب، إنه قرأ في الصحف عن وجود تسوية مرتقبة بين الحكومة المصرية ودير سانت كاترين، غير أن مسارات قضائية متعددة لا تزال متداولة أمام محكمة النقض ومحكمة الاستئناف، ولم يُبت فيها حتى الآن. وطالب في حديثه لـ«مدى مصر» إمهاله وقتًا لتحديد مصير تلك الدعاوى، بعد الرجوع إلى المسؤولين عن الدير. وحاول «مدى مصر» التواصل هاتفيًا مع أحد رهبان الدير أو ممثليهم، إلا أننا لم نتلقَّ ردًا حتى موعد النشر.
وسبق قرار المحكمة إعلان رئيس أساقفة سيناء وفاران ورايثو، المطران سيميون بابادوبولوس، أمس، عزمه المضي قدمًا في توقيع اتفاق مع الحكومة المصرية، بما يضع حدًا للإجراءات القانونية والنزاعات المعلقة بشأن وضع الدير.
وقال سيميون، في بيان نشرته الصحف اليونانية، إنه سيحدد موعد التوقيع مع الآباء والحكومة المصرية «حالما تسمح حالته الصحية».
وأثار إعلان سيميون، الذي انتُخب رئيسًا ومطرانًا لدير سانت كاترين في 14 سبتمبر 2025 خلفًا للمطران السابق دميانوس، حالة من الارتياح والترحيب على المستويين الحكومي في مصر واليونان.
وأعلنت وزارة الخارجية المصرية، أمس، تسلم الوزير بدر عبد العاطي خطابًا من سيميون يتضمن الموافقة على العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، تمهيدًا لتوقيعه رسميًا في موعد يحدد لاحقًا.
وقالت الوزارة إن الاتفاق يأتي في إطار تنفيذ الحكم القضائي الصادر عن محكمة استئناف الإسماعيلية في 28 مايو 2025، والالتزام الكامل بالتشريعات الوطنية ذات الصلة، بما ينهي جميع المسارات القضائية.
وفي السياق نفسه، وجّه وزير الخارجية اليوناني، جورج جيرابتريتيس، الشكر إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية بدر عبد العاطي، لما وصفه بدورهما في جعل الاتفاق ممكنًا.
واعتبر جيرابتريتيس، في بيان نشرته وزارة الخارجية اليونانية، أن الاتفاق يضمن الحفاظ على الطابع الديني للدير وممتلكاته الكنسية، إلى جانب استمرار الحياة الرهبانية من خلال منح الرهبان تصاريح إقامة طويلة الأجل.
في المقابل، وعلى خلاف الترحيب الرسمي، قال المطران السابق لدير سانت كاترين، دميانوس، في بيان نشره أمس، إن الحكومة اليونانية، ممثلة في رئيس الوزراء ووزير الخارجية، تمارس ضغوطًا وصفها بأنها «لا تطاق» خلال الأيام الأخيرة على رهبان الدير، لإجبارهم على توقيع تسوية «مخزية وغير مقبولة» مع الدولة المصرية، على حد تعبيره.
وأضاف دميانوس: «أنا على يقين من أن إخوتي لن يفتحوا الباب الخلفي لسقوط ديرنا المقدس».
وقال دميانوس، الذي ترأس الدير طوال 52 عامًا، إن الحكومة اليونانية روّجت لاعتزام محكمة النقض المصرية إصدار حكم نهائي في قضية الدير يوم 24 أكتوبر الجاري، بهدف حث المطران سيميون والرهبان على توقيع الاتفاقية المعروضة من الحكومة المصرية.
وفي تعليقه على إعلان المطران الجديد عزمه إبرام الاتفاقية، أعرب دميانوس عن حزنه، مشيرًا إلى أن تصريحات سيميون لم تشر إلى مضمون التسوية المزمع إبرامها، كما لم تشر إلى موافقة رهبان الدير عليها، وفقًا لما تلزم به اللوائح الأساسية للدير.
وشدد دميانوس على أنه لا يحق لسيميون أن يوقع بمفرده على أي تسوية تتضمن التنازل عن حقوق تاريخية راسخة منذ قرون.
وأشار المطران السابق إلى أنه سبق أن توصل إلى اتفاق ودي مع الحكومة المصرية في أواخر عام 2024، حين كان رئيسًا لأساقفة سيناء، اعترفت الحكومة بموجبه صراحة، ودون تحفظ، بملكية دير سيناء المقدس لجميع العقارات المتنازع عليها، وعددها 71 عقارًا.
وأضاف أن الاتفاق لم يُوقّع بشكل رسمي بعدما أصدرت محكمة استئناف الإسماعيلية حكمها في 28 مايو 2025، الذي أكد ملكية الحكومة المصرية لأراضي الدير.
وقال دميانوس: «لم يُوقّع الاتفاق لأن الحكومة المصرية، التي كان من المفترض أن يتفاوض معها جيرابتريتيس [وزير الخارجية اليوناني]، سمحت بصدور حكم المحكمة»، مضيفًا: «المسألة ليست قانونية، بل هي سياسية في المقام الأول. لا يمكن لأحد أن يتذرع بقرارات القضاء المصري للتهرب من مسؤولياته».
كانت الحكومة المصرية، ممثلة في وزيري الخارجية والعدل، قد عرضت في يوليو الماضي اتفاقًا جديدًا على سيميون، رئيس أساقفة سيناء ورئيس دير سانت كاترين، يتضمن عدة بنود، في مقدمتها الاعتراف بالدير ككيان ديني اعتباري مصري، ومنح رئيسه ورهبانه، من حاملي الجنسيات اليونانية والأمريكية واللبنانية، تصاريح إقامة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
ويمنح الاتفاق الرهبان حق حيازة الدير ومؤسساته الدينية، بما يتيح لهم الإقامة وممارسة الشعائر، مع استئجار الحدائق والأراضي المحيطة به من الحكومة المصرية بمقابل رمزي ولمدد طويلة، دون الاعتراف بملكية الرهبان لأي من أراضيه، بحسب مصدر مقرب من الدير تحدث إلى «مدى مصر» حينها، طالبًا عدم ذكر اسمه.
وبحسب المصدر نفسه، اجتمع وزيرا الخارجية والعدل المصريان مع سيميون لأكثر من سبع ساعات، لمطالبته بالتوقيع على الاتفاق، مقابل تصديق رئيس الجمهورية على انتخابه وتعيينه رئيسًا للدير، أسوة بالقرار الذي أصدره الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بتعيين رئيس الدير السابق، الأنبا دميانوس، مطرانًا للدير، ومنحه الجنسية المصرية لاحقًا.
وأضاف المصدر أنه منذ انتخاب سيميون رئيسًا للدير في 14 سبتمبر الماضي، لم يصدر أي اعتراف رسمي من الدولة المصرية بمنصبه، ما حال دون تمكنه من التعامل على الحسابات البنكية المصرية الخاصة بالدير أو إجراء معاملات مع مؤسسات الدولة في جنوب سيناء.
وأوضح المصدر أن سيميون يحمل جواز سفر دبلوماسيًا يونانيًا يتيح له التنقل والسفر من وإلى مصر لمدة عامين، بينما يحمل باقي الرهبان تصاريح إقامة سياحية مدتها 12 شهرًا، لكن إجراءات تجديدها تستغرق ثلاثة أشهر سنويًا، ما يمنحهم إقامة فعلية مدتها تسعة أشهر فقط.
ويستند الاتفاق الجديد للحكومة المصرية إلى الحكم الصادر عن محكمة استئناف الإسماعيلية في مايو 2025، بملكية الدولة المصرية لدير سانت كاترين وأراضيه، مع منح رهبانه حق الانتفاع والحيازة الدينية في نطاق محدد، ووضع جميع التصرفات المتعلقة بها تحت الإشراف المباشر للسلطات المصرية.
كما أكدت المحكمة أن التبعية الروحية للدير لبطريركية الروم الأرثوذكس لا تمنحه أي امتيازات قانونية داخل مصر.
وقسّمت المحكمة الأراضي المتنازع عليها بين الدير والحكومة المصرية إلى أربعة أقسام. ضم القسم الأول أراضي مبنى الدير وأخرى تضم بعض الكنائس والمزارات، ومنحت المحكمة الرهبان والمطران حق «الحيازة الدينية» عليها للإقامة وممارسة الشعائر، مع تأكيد بقائها أملاكًا للدولة تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار.
أما القسم الثاني، فضم أراضي خارج نطاق الدير، ألحقتها المحكمة بمحمية سانت كاترين الطبيعية تحت إشراف جهاز شؤون البيئة، وانتزعت ملكيتها من الدير.
وضم القسم الثالث أراضي زراعية أطلقت عليها المحكمة «أراضي الطرد»، وقضت بطرد الرهبان منها، لاعتبار وضع اليد عليها «غصبًا».
أما القسم الرابع، فضم عددًا من الأراضي المقامة عليها كنائس صغيرة ومرافق رهبانية، تتناولها عقود ابتدائية بين الدير والوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين، ورأت المحكمة أنها عقود لا تنقل الملكية، بل تحدد التزامات متبادلة.
وسبق أن قال مصدران مقربان من الدير لـ«مدى مصر» إن الحكومة اليونانية تدعم الاتفاق المصري، وتمارس ضغوطًا على رئيس الدير ورهبانه للموافقة عليه، رغم ما ينطوي عليه، بحسب وصفهما، من تنازل عن ملكية أراضي الدير.
وأشار المصدران إلى أن ممثلي الحكومة المصرية عرضوا الاتفاق الجديد في يوليو الماضي، بعد التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اليونانية.
ووصفت صفحة «أصدقاء دير سانت كاترين»، المطلعة على موقف عدد من رهبانه في يوليو الماضي، مسودة الاتفاق بأنها «صيغة كارثية تهدم الحقوق التاريخية للدير وتحرم الرهبان من ملكيته».
واعتبرت الصفحة، في منشور على فيسبوك في يوليو الماضي، أن الحكومتين المصرية واليونانية ترجحان مصالحهما السياسية والاقتصادية على حساب القيمة الروحية والتاريخية لأحد أقدم الأديرة المأهولة التي لا تزال تُقام فيها الشعائر الدينية في العالم.
وأضافت الصفحة: «يُباع الدير في سوق المصالح السياسية والاقتصادية مقابل اتفاقية الطاقة التي تسعى أثينا إلى إبرامها مع القاهرة».
The post تأجيل طعون ملكية أراضي «سانت كاترين» بعد موافقة رئيس الدير على اتفاق حكومي مصري يوناني first appeared on Mada Masr.