حجز جبل صبر لنفسه مكانة استثنائية في الذاكرة اليمنية، بوصفه قلعةً عصيّةً على الخضوع ومقبرةً للغزاة والطامعين. فعلى مدى قرون، ظل الجبل معقلًا للرفض، وحاضنةً لثورات وانتفاضات متعاقبة في وجه دويلات الإمامة الكهنوتية، قدّم أبناؤه خلالها تضحيات جسامًا دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم. هذه التناولة ليست سوى محاولة لانتشال صفحات من ذلك التاريخ المنسي، وإضاءة محطاته المعتمة، واستعادة بطولات طواها الإهمال، لعلها تُحفّز الباحثين على مواصلة التنقيب في أغواره، وتتبع حلقاته المفقودة، وإنصاف رجاله؛ كي يظل صدى مقاومتهم حيًّا في الذاكرة.
قاد القاسم بن محمد (مؤسس الدولة القاسمية – الدولة الزيدية الثالثة) مُقاومة عنيفة ضد الأتراك (العثمانيين)، وذلك بعد أكثر من سبعة عقود من تواجدهم الأول في اليمن؛ مُستغلًا ركونهم إلى الاستقرار، وتقليصهم لعدد قواتهم. أعلن نفسه إمامًا 1006هـ / 1598م، وتلقب بـ (المنصور)، وصالحهم بعد حروب وخطوب يطول الغوص في تفاصيلها، واعترفوا به حاكمـًا على المناطق الشمالية، ليختار أعوانه بعد وفاته ولده الأكبر محمد 1029هـ / 1620م، تلقب الأخير بـ (المُؤيد)، ولم يتعكر صفو الصلح بينه وبين الأتراك لسبعة أعوام.
وصل حكم الأتراك في عهد الوالي حيدر باشا إلى الحضيض؛ الأمر الذي فتح شهية المُؤيد محمد للانقضاض على باقي المناطق الشمالية، مُسجلًا مطلع عام 1036هـ / 1626م نقضًا رسميًا للصلح، اشتعلت المُواجهات، وحققت القوات الإمامية انتصارات خاطفة، سقطت صنعاء، ثم تعز، ودانت المناطق الوسطى وتهامة للدولة القاسمية، ليتمكن الإمام الثالث لذات الدولة المُتوكل إسماعيل بن القاسم من مد سيطرته على الجنوب اليمني حتى ظفار.
كان المُتوكل إسماعيل شديد التعصب لمذهبه، لديه فتوى شهيرة كفر بها أبناء المناطق الشافعية، أصدرها بعد ثلاث سنوات من توليه الإمامة 1058هـ / 1648م، ألزمهم فيها بدفع الجزية بدل الزكاة، وجعل أرضهم خراجية حكمها كأرض خيبر؛ بحجة أنها انتزعت من الكفار الأتراك، وألزمهم بفتوى أخرى أنْ يزيدوا في الأذان (حي على خير العمل)، وأنْ يتركوا الترضي عن الشيخين (أبي بكر، وعمر)، وحين راجعه عدد من أقاربه وفقهاء مذهبه في ذلك، تعصب لرأيه، ورد عليهم بقوله: «إنَّ هذه الأصول معلومة عندنا بأدلتها القطعية، ومدونة في كتب أئمتنا».
وفي بداية عام 1083هـ / 1672م وصل إلى ذات الإمام بعض مشايخ جبل صبر، شاكين ظلم عاملهم راجح الآنسي، أعرض عنهم، وانتصر للعامل الظالم، ليقوموا فور عودتهم بانتفاضة عارمة، تحدث عنها المُؤرخ عبدالله بن علي الوزير باقتضاب، وصورها بقوله: «تحزبوا على الخلاف، وساعدهم على ذلك أهل الحجرية الأجلاف، فكفوا يد العامل، وأشرعوا أسنة العوامل، وحذفوا حي على خير العمل من الأذان، وقتلوا من العسكر ثلثه، فوجه إليهم الإمام السيد المقدام صالح عقبات، واعتنى محمد بن أحمد بن الحسن في إطفاء شرارهم، وقمع أشرارهم».
وكان قبل تلك الانتفاضة بقرن وخمسة أعوام، قد تقوى جانب الإمام الزيدي الناصر المطهر يحيى شرف الدين على العثمانيين، وجه قواته بعد أنْ سيطر على صنعاء جنوبًا، وعاود السيطرة على تعز ربيع الآخر 975هـ / أكتوبر 1567م، انتقمت قواته من سكان تعز وغيرها شرَّ انتقام، وأجبروهم لأول مرة على الأذان بـ (حي على خير العمل)، في سابقة خطيرة لم يقوموا بها أثناء تواجدهم الأول، قبل 35 عامًا، الذي استمر لـ 11 سنة، فيما انحصرت سلطة الأتراك في زبيد وضواحيها.
استعاد الأتراك بعد مرور ثلاثة أشهر مدينة تعز، وذلك بعد حصار استمر لثلاثة أيام، وبمساعدة كبيرة من قبل سُكانها. استشعر الإمام المُطهر حينها الخطر، وحشد الحشود، وأرسل المدد تلو المدد، إسنادًا لابن أخيه محمد بن شمس الدين المُرابط في الجبل الأغبر في الجندية العليا.
تصدى عثمان باشا لتلك الزحوفات، بمساندة مائزة من قبل أهالي جبل صبر، الذين كان لهم –كما أفاد المُؤرخ عبدالصمد الموزعي– اليد البيضاء عند هذا الوالي، وهم من تقطعوا للقائد الإمامي علي بن الشويع أثناء هروبه وقواته من باب المداجر مُتوجهًا إلى الجبل الأغبر، ونهبوا جميع ما كان معه، كما ساندوا ذات الوالي أثناء حصاره للقوات الإمامية التي كانت مُتواجدة في قلعة القاهرة، وصمدت بعد سقوط مدينة تعز لأربعة أشهر، وقد تحدث المُؤرخ عيسى بن لطف الله عن تلك المساندة قائلًا: «وخالف عليه –أي ابن شمس الدين– أهل جبل صبر، ورمي بيوم نحس مُستمر».
وتتوالى الأحداث، ويَتعاظم رفض أبناء جبل صبر الأشم للدولة الإمامية، وبمعنى أصح للدولة القاسمية، وتزور اليمن بعثة دنماركية برئاسة المهندس كارستن نيبور 1176هـ / 1762م، والأخير عالم ألماني المولد، نقل في مُذكراته تفاصيل مهمة عن أحوال اليمن خلال تلك الحقبة، وكتب عن الخراب الذي لحق بمدينة تعز وضواحيها بسبب صراع أمراء تلك الدولة الدموي، قائلًا: «هدمت الحرب معظم المنازل، وجعلت الحقول والبساتين شبه مهجورة.. وقد توقف التوسع في البناء بمدينة تعز بشكل عام»، ونقل وصفًا دقيقًا لحال سكانها المُنهكين من ظلم الأئمة السُلاليين، والمُتذمرين من كل شيء حولهم، حتى من أنفسهم.
في حديثه عن جبل صبر قال نيبور إنَّه جبل خصيب جدًا، إلى درجة أنَّ اليمنيين يعتقدون أنَّه يحوي كل أنواع النبات في العالم، وأضاف أنَّه يوجد في ذات الجبل أكثر من 100 شيخ، لا يرتبط منهم بالدولة –يقصد الدولة القاسمية– إلا القليل، وأنَّ أكثرهم يحكمون مناطقهم بشكل مُستقل، ويورثون الحكم لأبنائهم، ولا يدفعون للإمام – يقصد المهدي عباس بن المنصور الحسين – أي ضرائب.
وتكرر ذكر جبل صبر في حوادث العام 1210هـ / 1796م، حيث تَفَرَّد المُؤرخ لطف الله جحاف بِذكر حادثة ثورية، بطلها هذه المرة الشيخ غالب حسن، الذي وصفه بـ (شيخ جبل صبر)، وقال إنَّه –أي الشيخ المذكور، الذي لم يذكر اسمه الثلاثي، ولا حتى لقبه– استقل بحكم الجبل، وبنى فيه حصنًا منيعًا، دون أن يحدد اسم المنطقة التي بني فيها ذلك الحصن، ناقلًا تفاصيل تعامل أمير تعز علي بن إسماعيل بن المهدي عباس معه، في سردية مُختزلة لم تُوضح تلك الصورة أكثر.
استنجد أمير تعز بادئ الأمر بقبائل بكيل، إلا أنَّها اعتذرت، فما كان من شيخ خولان محمد بن سعيد أبو حليقة، الذي غزا خلال السنوات السبع الماضية مناطق: حُبيش، وآنس، وعنس، وريمة، إلا أنْ تكفل بكبح جماح تلك الانتفاضة، وخاطب الأمير قائلًا: «يا مولانا، أرسلني فإنك لا تجدني مُعتذرا».
وبالفعل تحرك الشيخ أبو حليقة إلى تلك الجهة، وأكمل المُؤرخ جحاف ذلك المشهد بقوله: «فأرسله –أي الأمير– بقبائله، فلما قارب الحصن آخر جماعات من قومه، وبرز في نفر يسير، فظن به غالب حسن فتورًا وضعفًا، فخرج لمصادرته، ولما قام الحرب بينهم، استدعى أبو حليقة المُتأخرين من أصحابه، فحضروا؛ فكانت ملحمة فرَّ جماعة غالب حسن إلى حصنهم، فتبعوهم، وأدركوا منهم جماعة، فقتلوهم، واحتزوا رؤوسهم، وبعثوا بها إلى علي بن إسماعيل».
فرض بعد ذلك الإماميون حصارًا شديدًا على الثوار، استمر يومًا وليلة، صحيح أنَّ ذلك الحصار انتهى بطلب الشيخ غالب حسن للصلح، وقبوله تسليم الحصن، والخروج مع خمسة من أنصاره إلى منطقة الغِل، تنفيذًا لشروط أبو حليقة، إلا أنَّ المُواجهات تجددت داخل الحصن بصورة أعنف من سابقتها، لأسباب لم يوضحها المُؤرخ جحاف، الذي اكتفى بالقول: «فطلع – أي أبو حليقة – وحصل طمع وقتل، وألقى جماعة من أصحاب غالب حسن نفوسهم من شواهق الجبال، خوفًا من السيف».
حديث المُؤرخ جحاف عن قيام الثوار برمي أنفسهم، تجعلنا نجزم أنَّهم كانوا رافضين الخضوع للقوات الإمامية، أو أنَّ أبو حليقة أراد الغدر بهم، وبقائدهم؛ بدليل ذكر ذلك القائد ضمن الأسرى، ويؤكد ذلك قول المُؤرخ ذاته: «ثم توجه أبو حليقة وبين يديه غالب حسن والأسرى، فلما سلم على أميره علي بن إسماعيل، قعد مُقابلًا له، ومد رجله إلى وجه علي بن إسماعيل، فقال له بعض الناس: أضم إليك رجلك، فقال علي بن إسماعيل: إنَّها والله خيرٌ من وجوه من ترى»!
الجزئية الأخيرة من كلام المُؤرخ لطف الله جحاف، تجعلنا نجزم أيضًا أنَّ تلك الانتفاضة كانت قوية، وأنَّ مكانة الشيخ محمد بن سعيد أبو حليقة ارتفعت بعد إخمادها؛ بدليل أنَّ الأمر لم يتوقف عند حدود تلك الإشادة، فقد بالغ أمير تعز علي بن إسماعيل في إكرامه، على حساب الرعية المساكين، وعن ذلك قال ذات المُؤرخ: «ولما استقر –أبو حليقة– بتعز، طلب منه الجائزة، فأحاله على البلاد، فسار ليقبضها، فتسلم منها ستة عشر ألفًا قروشًا فرانصة، فقال بعض الناس: البلاد لا تحتمل ما أخذ، فقال علي بن إسماعيل: قليلة والله في حقة»!
خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، دخلت الدولة القاسمية الإمامية مرحلة التيه والضعف الشديد، عصفت الخلافات الأسرية والتمردات القبلية بشبه الدولة المُتبقي، وانحصرت تلك الدولة بأئمتها الجدد –وما كان أكثرهم– في القلاع العالية، والمناطق القبلية البعيدة، وكانت سيطرة أولئك الأئمة –تبعًا لذلك– على مدينة تعز وضواحيها شكلية.
زار تعز خلال تلك الفترة عالم النبات الفرنسي بول إميل بوتا 1252هـ / 1836م، وقـد نقل وصفًا مُوجزًا لحال تلك المدينة، جاء فيه: «وكانت مدينة تعز في الماضي مدينة مُزدهرة، ولكنها أصبحت مدينة مُدمرة بسبب الحروب المُستمرة بين المشايخ المتنازعين، ولم يبق من البيوت القديمة التي كانت مبنية بناءً جميلًا إلا حوالي عشرين بيتًا، وقد حلَّت محلها الآن أكواخ بائسة، ولم يعد سكان المدينة يتجرؤون على بناء بيوت جيدة خوفًا من أنْ تسيطر عصابات المشايخ عليها وتنهبها، كما إن هؤلاء لا يكتفون بنهبها؛ بل يعمدون إلى تدميرها ونزع أخشابها للاستفادة منها».
حظي جبل صبر بزيارة بوتا، أشاد به، وبسكانه، وبتكاتفهم في مُواجهة المُعتدين، حيث قال: «وأهالي الجبل مُتكاتفون ومُتحدون طالما تعلق الأمر بدفع عدوان، والوقوف تجاه أي مُحاولات لتدمير منطقتهم من قبل العصابات العسكرية، ولذا فإنَّ منظر القرى المُتناثرة في الجبل يوحي بأنَّها تعيش في رخاء وأمن، كما إن المدرجات الزراعية تُعطي انطباعًا بأنَّ الأهالي يُمارسون الزراعة فيها بشكل مُستمر».
بعد زيارة بوتا بتسع سنوات، قدم إلى تعز حاكم أبي عريش حسين بن علي بن حيدر، وسيطر عليها وعلى مُعظم نواحي المناطق الوسطى، وذلك بمساندة كبيرة من قبل قبائل عسير الوهابية، وسلمها لحليفه الإمام الزيدي المُتوكل محمد بن يحيى بن المنصور علي بن المهدي عباس. دخل الأمير حسين مدينة تعز مطلع عام 1261هـ / يناير 1845م، «وأخرج عنها طوائف الفساد، وتحمل غرامات في ذلك»، حد توصيف المُؤرخ محمد الكبسي، وخسر في معركته مع أهالي جبل صبر حوالي 60 رجلًا، مُقابل 40 صبريًا، كما قام بالقبض على الشيخ أحمد بن محمد النجادة قائد المُقاومة الصبرية في أعالي ذات الجبل.
ما تزال سيرة الشيخ الثائر أحمد بن محمد النجادة، وبطولاته المائزة مـحفورة في أذهان سكان جبل صبر، توارثوها عن آباءهم، وأجدادهم، واختلطت –لعدم وجود المدونين الثقات– الحقيقة بالأسطورة، سأعمل –مُستقبلًا– على جمع تلك الشهادات، وتنقيحها، وترتيبها زمنيًا، وإظهارها للأجيال بصورة تليق بهم، وتليق بذلك البطل الذي لم يُشر إليه المُؤرخون إلا إشارة عابرة.
لم تكن حكاية جبل صبر وأحراره سوى صفحة ناصعة من ملحمة اليمنيين في مقاومة الإمامة، وإرثًا من العزة توارثته الأجيال كابرًا عن كابر. وسيظل إنصاف أبطاله المنسيين دينًا في ذمة التاريخ وواجبًا وطنيًا، وفاءً لتضحيات أجيال رفضت الانحناء. وسيبقى صبر شامخًا بشموخ أهله، شاهدًا على أنَّ إرادة الشعوب لا تُقهر، وأنَّ الأبطال وإن غيّبهم التدوين، لا يمحوهم النسيان.
The post جبل صبر.. قرون من التمرد على الإمامة appeared first on يمن مونيتور.
