بعد جلسة سرية استمرت قرابة ثلاث ساعات، أجّل مجلس النواب اليوم الموافقة على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي لإرسال قوات عسكرية لحماية المملكة العربية السعودية والدفاع عنها إلى جلستي الغد وبعد الغد. وجاء التأجيل بناءً على مطالبات النواب بمعرفة تفاصيل مشاركة القوات المصرية في السعودية وعدم الاكتفاء بالبيان الصادر عن مجلس الدفاع الوطني، ومنح الفرصة لجميع النواب للتعبير عن آرائهم، حسبما قال ثلاثة نواب لـ«مدى مصر» اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم.
وقال النائب عن الحزب المصري الديمقراطي، إيهاب منصور، لـ«مدى مصر» عقب الجلسة، إنه تم التنبيه على النواب بعدم تداول تفاصيل المناقشات التي دارت داخل الجلسة في وسائل الإعلام.
كان الرئيس عبد الفتاح السيسي طلب خلال حضوره حفل تخريج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية، أمس، انعقاد البرلمان في جلسة طارئة لمنحه تفويضًا باتخاذ أي إجراء لحماية المملكة العربية السعودية «إذا طُلب منا ذلك». وقال السيسي: «إحنا ما بندورش على دور نعمله، لكن مش معقول أبدًا أن إحنا نسمح إن المملكة العربية السعودية يتم المساس بيها أو بأمنها أو باستقرارها».
ووجّه نداءً إلى «الجميع في الخليج» لوقف الحرب، مضيفًا: «بغض النظر عن النداء ده.. هيحصل أو مايحصلش، مصر، طبقًا لتوجيهات جلالة الملك سلمان، وتوجيهات ولي العهد محمد بن سلمان، هننفّذ أي إجراء لحمايتكم والدفاع عنكم». وشدد على أنه لا يتحدث «عشان نحارب حد أو نهاجم حد، إحنا بنتكلم للدفاع فقط». وعلى إثر ذلك، دعا رئيس مجلس النواب، هشام بدوي، النواب إلى جلسة عامة طارئة صباح اليوم، الأحد.
وتلزم المادة 152 من الدستور رئيس الجمهورية عند إعلان الحرب أو إرسال قوات في مهمة قتالية خارج الحدود أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء، في جلسة سرية بموجب المادة 130 من اللائحة الداخلية للمجلس.
وسبق جلسة البرلمان إعلان المتحدث باسم رئاسة الجمهورية ثلاثة قرارات اتخذها مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم، وهي: الوقوف التام والتضامن الكامل مع المملكة العربية السعودية إيمانًا بارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي، وتقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية، إضافة إلى مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بما يسهم في خفض التصعيد في الإقليم برمته وتسوية الأزمات التي تشهدها المنطقة سلميًا.
مصدر قضائي رفيع المستوى انتقد صيغة الطلب الرئاسي، مشددًا لـ«مدى مصر» على أن «مفيش دولة بتاخد توجيهات من دولة تانية». ولفت المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أنه لا يجوز تفويض رئيس الجمهورية في ممارسة صلاحياته الدستورية، إذ يشترط الدستور موافقة البرلمان على إرسال قوات عسكرية في مهام قتالية خارج البلاد، وهو ما يستلزم من الرئيس تحديد طبيعة المهمة وجدواها الاستراتيجية للبلاد وعدد الجنود المطلوبين لتنفيذها. أما مسألة «فوضوني وأنا هتصرف فده أمر غير دستوري».
وفي مقطع مصور عبر حسابه الشخصي في فيسبوك، عرض النائب رضا عبد السلام وجهة نظره تجاه تفويض الرئيس، مبررًا بأنه لم يستطع التعبير عنها داخل الجلسة لضيق الوقت المخصص لكل نائب وهو دقيقتان فقط. وأوضح عبد السلام، أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة، أنه يرى أنه «إذا شاركت مصر في الدفاع عن السعودية فهو دفاع فقط دون إرسال جندي مصري إلى أرض اليمن أو أن توجه مصر ضربة أو رصاصة تجاه اليمن الشقيق»، مضيفًا: «بندافع مع السعودية عن الممتلكات والثروات والمواقع الحيوية والمطارات ومحطات المياه والكهرباء. مشاركة مصر مشاركة دفاعية فقط مع استمرار جهود الوساطة».
وعن الشكل المتوقع للمشاركة المصرية، رجّح مصدر برلماني من خلفية عسكرية أن تقتصر على قوات دفاع جوي وصواريخ مضادة، وإحلال وحدات مصرية محل وحدات سعودية، وتوجيه ضربات جوية محدودة ضد أهداف بحرية، دون الانخراط في قتال بري.
وأوضح المصدر، الذي تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه، أن العقيدة العسكرية المصرية تقوم منذ تجربة جمال عبد الناصر في اليمن على أن الجيش «لا يقتل عربًا بيديه».
يتفق مصدر حكومي آخر، والذي شدد على أن مصر لن تقوم بإرسال قوات إلى اليمن. «ما سنفعله هو إرسال قوات دفاعية إلى المملكة العربية السعودية، وقوات بحرية إلى البحر الأحمر. وسيعود هذا بالنفع علينا في علاقاتنا مع كل من المملكة العربية السعودية وإثيوبيا؛ إذ سيُشكّل رسالة قوية للغاية لإثيوبيا بشأن وجودنا في تلك المنطقة».
كذلك، أوضح مصدر سياسي مطلع أن الاتفاق أن يكون الدعم العسكري المصري دفاعيًا بحتًا، يقتصر على حماية المملكة، بحيث لا تدخل القوات إلى اليمن من الجانب السعودي إلا حال حدوث غزو بري من قِبل الحوثيين -وهو أمرٌ مستبعدٌ لأن الحوثيين لا يملكون القدرة على القيام بمثل هذا الغزو، يمكنهم إرسال طائرات مسيّرة، أو خوض معارك ضد الجيش اليمني، لكنهم في الوقت ذاته يواجهون ضغوطًا ميدانية متزايدة.
هذا التشديد الرسمي على الاكتفاء بالأغراض الدفاعية وعدم التورط في الهجوم، والذي أكد عليه إعلان السيسي وشددت عليه المصادر المختلفة، يتفق مع الموقف الرسمي العام الحريص على الحفاظ على عدم التورط في حروب إقليمية، حتى حين تستدعي الظروف تقديم دعم عسكري علني.
ظهر هذا بوضوح حين أرسلت مصر «مفرزة» (تشكيل عسكري محدود قوامه من سلاح واحد أو عدة أسلحة)، إلى دولة الإمارات في مايو الماضي، فيما قالت المصادر وقتها إن استخدام وصف «مفرزة» جاء «للدلالة على محدودية التشكيل والمدة الزمنية للوجود»، في إيماءة مصرية لدعم الإمارات ضد الاعتداءات الإيرانية دون أن يمثل هذا تورطًا مصريًا حقيقيًا في الحرب.
وتتحفظ مصر تاريخيًا إزاء أي تدخل بري في اليمن، وذلك منذ تجربة حرب اليمن بين عامي 1962 و1967، حين أرسل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر قوات لدعم الجمهوريين في شمال اليمن ضد الملكيين المدعومين من السعودية. وبدأ حينها التدخل بقوة محدودة، ثم زادت إلى نحو 70 ألف جندي، في حين تراوحت تقديرات القتلى المصريين بين أكثر من عشرة آلاف و26 ألفًا. ووصف عبد الناصر نفسه تلك الحرب بأنها «فيتنام» الخاصة به، إذ استنزفت الجيش والاقتصاد، وكان جزء كبير من القوات لا يزال في اليمن عند هزيمة يونيو 1967. وانتهى التدخل بانسحاب القوات المصرية أواخر العام نفسه، بعد اتفاق عبد الناصر والملك فيصل على هامش قمة الخرطوم. وترسخت منذ ذلك الحين في الذاكرة العسكرية المصرية قناعة بتجنب التورط البري في اليمن، وهو ما يصفه بعض المحللين بـ«عقدة اليمن».
وسبق أن شاركت مصر بقوات بحرية وجوية في التحالف الذي قادته السعودية في اليمن منذ مارس 2015، ضمن ما عُرف بعملية «عاصفة الحزم»، إذ أرسلت أربع قطع بحرية لتأمين مضيق باب المندب وخليج عدن، إلى جانب مشاركة سلاح الجو. وأعلنت القاهرة حينها استعدادها لإرسال قوات برية «إذا اقتضى الأمر»، لكنها لم تفعل.
وقبل انعقاد الجلسة الطارئة للبرلمان المصري، أرسل رئيس مجلس النواب في صنعاء، الخاضع لسيطرة الحوثيين، يحيى الراعي، رسالة إلى بدوي طالبه فيها بعدم الانجرار وراء سياسات النظام السعودي، محذرًا من أن «انزلاق مصر في هذا المسار سيشكل خطرًا جسيمًا على أمنها القومي واستقرارها الداخلي».
وقال الراعي في الرسالة، التي حصل «مدى مصر» على نسخة منها: «نرفض بشكل قاطع أن يتم زج مصر العروبة والتاريخ في معركة لا تشبه قيمها»، مضيفًا: «لقد عهدنا مصر دائمًا داعمة لوحدة اليمن واستقراره».
واتهم الراعي النظام السعودي بشن «العدوان والحصار على اليمن لأكثر من اثني عشر عامًا»، والتنصل من تنفيذ خارطة الطريق، والالتفاف على التفاهمات والجهود السياسية الرامية إلى إحلال السلام، فضلًا عن تشديد الحصار على الشعب اليمني، بما أوصل بعض المناطق إلى مستوى المجاعة.
وشدد الراعي على أن «النظام السعودي هو من أقدم على إنهاء مرحلة خفض التصعيد باستهدافه مطار صنعاء، وقرر التصعيد بالغارات الجوية على أغلب المناطق اليمنية، واستهدف البنى التحتية والمدنية»، متهمًا إياه أيضًا بالتورط في دعم وتمويل جماعات وصفها بـ«التكفيرية»، من بينها تنظيم «داعش»، في حربها ضد الشعب اليمني.
كان مسؤول حكومي مصري أوضح أن مصر لديها قناة تواصل مع الحوثيين، خاصة بعد سيطرتهم على باب المندب في سبتمبر الماضي.
وتشهد الجبهة بين السعودية وجماعة الحوثي أعنف تصعيد منذ انهيار التهدئة القائمة منذ عام 2022. فقد أعلن الحوثيون في يوليو الماضي «حصارًا بحريًا» على المملكة، وهاجموا ناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر. ثم شنوا في سبتمبر هجومًا بريًا سيطروا خلاله على ميناء المخا اليمني الذي كان تحت سيطرة القوة المشتركة التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا والموالية للسعودية، وباتوا يتحكمون فعليًا في مضيق باب المندب. ومع مطلع أكتوبر الجاري، تبادل الطرفان التصعيد: أطلقت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عملية «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء بدعم جوي سعودي واسع، فيما أعلن الحوثيون استهداف منشآت لشركة البترول السعودية «أرامكو»، واستهدفوا مطار الملك خالد في الرياض، ما أسفر عن مقتل أكثر من عشرة أشخاص وإصابة المئات.
وتتزامن الأزمة مع تحولات في خريطة التحالفات الإقليمية. ففي أغسطس الماضي، وقّعت الرياض اتفاق دفاع مشترك مع تركيا وباكستان عُرف بـ«حلف مكة»، دون أن تنضم إليه القاهرة، التي فضلت حينها عدم الانضمام لهذه الكتلة السياسية كما صاغتها السعودية، والتي قد تقوض من قدرتها على المناورة إقليميًا، بحسب ما أفاد به دبلوماسيون ومسؤولون في القاهرة لـ«مدى مصر» في أغسطس الماضي.
وفي 10 سبتمبر الماضي، نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين أن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان اتصل بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مرتين، طالبًا منه ضرب الحوثيين، لكن ترامب رفض. وقال المسؤولون إن واشنطن لا تعتزم التدخل العسكري المباشر في الوقت الراهن. وبحسب «أكسيوس»، تقضي توجيهات ترامب بإبقاء القوات الأمريكية مركزة على إيران ومضيق هرمز، وتجنب فتح جبهة أخرى.
وبعد خمسة أيام، في 15 سبتمبر الماضي، زار بن سلمان مصر على رأس وفد ضم وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، ومستشار الأمن الوطني، مساعد العيبان. وقال الديوان الملكي السعودي إن الزيارة جاءت بتوجيه من الملك سلمان، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
وفي 20 سبتمبر الماضي نفسه، وصل مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى مصر والتقى السيسي. واعتبرت صحف إيرانية، من بينها موقع «آفتاب نيوز»، الزيارة عاملًا يغذي التكهنات بشأن رغبة واشنطن في إسناد دور أكبر إلى مصر في الترتيبات الأمنية الإقليمية.
وفي 13 أكتوبر الجاري، قال وزير الخارجية، بدر عبد العاطي إن مصر ستستجيب لأي طلب سعودي، مؤكدًا أن الانضمام إلى «حلف مكة» بات «قيد الدراسة الجادة». وبعد ثلاثة أيام، نقلت وكالة «بلومبيرج الشرق» (السعودية) عن مصدر وصفته بالمسؤول أن مصر تتفاوض مع السعودية لتجديد ودائع بقيمة 5.3 مليار دولار لدى البنك المركزي المصري، يحل موعد استحقاقها خلال أكتوبر الجاري. وتركز المباحثات بين الجانبين، بحسب المصدر، على تحديد مدة التجديد، دون التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنها.
وفي اليوم التالي، طالب السيسي، خلال حضوره حفل تخريج الأكاديمية العسكرية، قائد طابور العرض العسكري وقادة القوات المسلحة الذين حضروا الاحتفال، إلى جانب باقي الحضور من المسؤولين في أجهزة الدولة، بأداء التحية العسكرية لدول الخليج، تقديرًا لدعمها الاقتصادي لمصر بعد «أحداث 2011»، على حد تعبيره.
The post البرلمان يمدد جلساته السرية بشأن تفويض السيسي لإرسال قوات للدفاع عن السعودية إلى الثلاثاء first appeared on Mada Masr.