وسط رسائل سياسية متعددة، وتحذيرات من العودة إلى التظاهر والاحتجاجات التي شهدتها البلاد بعد عام 2011، وتصريحه: «عمري ما هزهق من حماية مصر»، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، أمس، أن الدستور لن يُمَس، وتبع ذلك اليوم، تأكيده خلال مشاركته في احتفال أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، استمراره في العمل حتى آخر يوم في مدته الرئاسية عام 2030.
ثلاثة مصادر نيابية مقربة من أحد الأجهزة السيادية أوضحت أن إعلان السيسي عدم المساس بالدستور لا يمكن فصله عن خطة موسعة لإعادة ترتيب المشهد السياسي في البلاد، انطلاقًا من رغبته في عدم تكرار خطأ الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بالاستمرار في الحكم مدى الحياة. في المقابل، اعتبر مصدر قضائي وآخر حزبي تصريحات الرئيس «مناورةً سياسية» لامتصاص الغضب الشعبي ورمي الكرة في ملعب المواطنين، تفتح الباب أمام التداول السلمي للسلطة من ناحية، ولا تغلقه من ناحية أخرى أمام «الاستدعاء الشعبي» للرئيس، وتمديد بقائه في السلطة، سواء عبر تفسيرات جديدة لمواد الدستور الحالي، أو عبر تعديلات يطرحها النواب خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية الحالية.
المصادر النيابية الثلاثة وآخر حكومي، الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل، اتفقوا على أن إعلان الرئيس عدم المساس بالدستور يتسق مع رغبته الشخصية في عدم الاستمرار في الحكم بعد عام 2030.
ولفت أحد نواب البرلمان من ذوي الخلفية العسكرية، اشترط عدم ذكر اسمه، إلى أن الرئيس سبق أن قال في جلسات غير مذاعة: «مش هستنى لما وزير الدفاع يقولي روح شرم الشيخ»، في إشارة إلى ما حدث مع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك على يد وزير الدفاع الأسبق محمد حسين طنطاوي.
وأضاف المصدر نفسه أن الفترة المتبقية من رئاسة السيسي قد تشهد تفعيل عدد من مواد الدستور التي أُضيفت في التعديلات الأخيرة ولم تُنفذ حتى الآن، ورجّح أن يعيّن الرئيس نائبًا له لضمان انتقال أكثر سلاسة للسلطة.
وتتيح المادة 150 مكررًا من الدستور، المعدل عام 2019، لرئيس الجمهورية تعيين نائب له أو أكثر، وتحديد اختصاصاتهم، وتفويضهم في بعض اختصاصاته، وإعفائهم من مناصبهم، وقبول استقالاتهم.
من جانبه، اعتبر مصدر قضائي أن حديث السيسي عن عدم البقاء في السلطة بعد 2030 يحمل رسائل إيجابية من شأنها امتصاص الغضب والسخط الشعبيين تجاه السلطة التنفيذية بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وخلق حراك مجتمعي وإثارة الجدل حول خليفته.
وأضاف المصدر أن تصريحات الرئيس لا تغلق، من الناحية الدستورية، الباب أمام اتخاذ إجراء، قبل انتهاء فترته الرئاسية، لتمديد بقائه في السلطة. وأوضح أن الدستور يتيح لرئيس الجمهورية أو لخُمس أعضاء مجلس النواب طلب تعديله، معتبرًا أن تأكيد الرئيس، من الآن، عدم استمراره بعد 2030 قد يفتح الباب أمام سيناريوهات «الاستدعاء الشعبي»، بحجة عدم وجود بديل جاهز لتحمل المسؤولية.
ويؤيد هذا الرأي رئيس أحد أحزاب المعارضة الممثلة في مجلس النواب، تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه. وقال إنه من السابق لأوانه الجزم بمصير تعديل الدستور، مضيفًا: «مش قبل سنة 2028». واستطرد أن «الرئيس مش هو اللي بيطلب تعديل الدستور، اللي بيطلب آخرين، بس مش دلوقتي»، لافتًا إلى أن المناخ العام لا يسمح بطرح هذه الفكرة حاليًا، مضيفًا: «مفيش زنقة في الوقت».
وأوضح المصدر أن الشارع المصري يمر بحالة صعبة، ويحتاج إلى من يخاطبه بوضوح بشأن وضع البلاد والوجهة التي تتجه إليها، مشيرًا إلى تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والخدمية.
وشدد رئيس الحزب على أن الرئيس تصله تقارير يومية تحذر من حالة غضب مجتمعي تمثل تهديدًا حقيقيًا، معتبرًا أن الحديث عن عدم تعديل الدستور والتداول السلمي للسلطة قد يكون مخرجًا لتهدئة الشارع، خصوصًا أن الرئيس سبق أن عبّر في مناسبات مختلفة عن عدم رغبته في الترشح للرئاسة أو تعديل الدستور.
وتعيد تصريحات السيسي الأخيرة إلى الأذهان مسيرة امتدت 13 عامًا من التأكيد على عدم الرغبة في تعديل الدستور أو تجاوز المدتين الرئاسيتين، قبل إقرار تعديلات دستورية أدت إلى تمديد سنوات الحكم من ثمان إلى 16 عامًا.
ففي صيف 2013، نقلت مصادر مقربة من الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، عدم نيته الترشح للرئاسة، رافضًا ضغوط المقربين بعد «مليونية التفويض». لكن النبرة تغيرت في يناير 2014، إذ قال السيسي خلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة إنه لن يترشح إلا بطلب من الشعب وتفويض من الجيش، ردًا على مناشدة سياسيين وفنانين. وجاء الحسم في 26 مارس من العام نفسه، حين ظهر بزيه العسكري معلنًا أنه قرر إنهاء خدمته العسكرية وخوض الانتخابات الرئاسية.
وبعد عام من توليه الحكم، بدأ مسار تعديل الدستور. ففي سبتمبر 2015، قال السيسي إن الدستور كُتب بنوايا حسنة، وإن الدول لا تُبنى بالنوايا الحسنة وحدها.
وفي فبراير 2016، أجاب السيسي على سؤال ضمن حوار مع مجلة «جون أفريك» الفرنسية عن احتمال تعديل الدستور للبقاء في الحكم أكثر من ثماني سنوات بأن الشعب المصري لن يسمح بذلك، لأنه «يعرف جيدًا كيف يختار»، مستشهدًا بنزول ثلاثين مليون مواطن إلى الشارع رفضًا لحكم محمد مرسي. وفي الحوار نفسه، رأى أن الديمقراطية عملية طويلة، وأن تحقيقها في مصر يحتاج إلى ما بين عشرين وخمسة وعشرين عامًا.
وخلال الفترة من سبتمبر حتى ديسمبر 2016، كرر الرئيس في أكثر من مناسبة أنه لا يستطيع أن يبقى يومًا واحدًا بعد انتهاء فترته الرئاسية، وبحد أقصى دورتين متتاليتين، مضيفًا أنه سيرحل وفقًا للدستور. وخلال عام 2017، سأله رؤساء تحرير الصحف القومية عن الترشح لولاية ثانية، فاكتفى بالقول إن «لكل حادث حديث». وفي نوفمبر من العام نفسه، قال في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» الأمريكية «أنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما أربعة أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام». وأضاف أن لدى مصر دستورًا جديدًا، وأنه ليس مع إجراء أي تعديل عليه في تلك الفترة، مؤكدًا أن أي رئيس لن يستطيع البقاء في السلطة أكثر من الثماني سنوات التي يسمح بها الدستور.
وفي يناير 2018، أعلن السيسي ترشحه لفترة ثانية، مؤكدًا أنه لا يستطيع البقاء لحظة واحدة في المسؤولية على غير إرادة الشعب، وفي الشهر نفسه، أُلقي القبض على رئيس الأركان الأسبق، سامي عنان، بعد إعلانه الترشح أمام السيسي دون موافقة رسمية من الجيش، وأُفرج عنه بعد نحو عامين. وهو ما سبقه مصير أكثر تشددًا مع العقيد متقاعد أحمد قنصوة الذي قضت محكمة عسكرية في ديسمبر 2017 بسجنه ست سنوات بعدما أعلن اعتزامه الترشح لرئاسة الجمهورية، وذلك بسبب عدم قبول استقالته من الخدمة العسكرية. وفي نوفمبر 2018، قال السيسي إنه «مفيش أبد في الحكم»، وإن الشعب إذا أراد التغيير فسيغيّر.
وفي عام 2019، جاءت أخيرًا التعديلات الدستورية التي أقرها مجلس النواب، لتمدد الولاية الرئاسية الثانية للسيسي التي كان مقررًا لها أن تنتهي عام 2022 إلى سنة 2024، وتمنحه فترة رئاسية ثالثة بدأت في أبريل 2024 ومن المقرر أن تمتد إلى أبريل 2030.
تصريحات السيسي، أمس، خلال مشاركته في الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، تسببت في ارتباك إعلامي، حين حذفت عدد من المواقع الصحفية، في الخامسة من عصر أمس، أخبارًا نقلت تصريح الرئيس بشأن عدم المساس بالدستور، تحت عنوان: «الرئيس السيسي: فيه دستور للدولة حالفين عليه محدش هيمسه». بعدها، نشر المتحدث باسم رئاسة الجمهورية كلمة الرئيس في السابعة مساء أمس، قبل بثها تلفزيونيًا بنحو ساعتين. وأعادت المواقع نشر تصريحات السيسي بعد نشر المتحدث الرسمي للرئاسة كلمته.
أحد المصادر النيابية المقربة من أحد الأجهزة السيادية لاحظ أن الارتباك امتد إلى عدم إصدار الأحزاب المحسوبة على الأجهزة الأمنية والسيادية بيانات للتعليق على تصريحات الرئيس، إذ لم يصدر حزبا مستقبل وطن وحماة وطن بيانات رسمية بشأن حديثه عن عدم تعديل الدستور حتى موعد كتابة هذه السطور.
The post السيسي: لن أبقى في الحكم بعد 2030.. مصادر تؤكد رغبته في ترك السلطة وأخرى تتحدث عن مناورة first appeared on Mada Masr.
