تواجه صناعة الصلب المصرية احتمال فقدان أحد أهم مصادر الخردة المستوردة، بعدما اقترحت المفوضية الأوروبية استبعاد مصر وعدد من الدول من قائمة الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» المسموح لها باستقبال مخلفات المعادن من الاتحاد الأوروبي، في إطار قواعد جديدة لشحنات النفايات من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في مايو 2027.
وتعتمد مصانع الصلب المصرية على الخردة كمادة خام رئيسية، فيما تتوسع طاقتها الإنتاجية، ما يرجح زيادة الاحتياجات خلال السنوات المقبلة.
استبعاد مصر من القائمة لا يزال مقترحًا لم يصل إلى مرحلة الإقرار النهائي بعد؛ إذ نشرت المفوضية الأوروبية مسودة قرارها في 18 سبتمبر الماضي، وفتحت باب إبداء الملاحظات حتى 16 أكتوبر الجاري، على أن تُعتمد القائمة النهائية بنهاية نوفمبر المقبل، في حين تتيح القواعد الأوروبية للدول المستبعدة إعادة التقدم بطلبات لدخول القائمة مستقبلًا.
تُشدد اللائحة الأوروبية الجديدة لشحنات النفايات، قواعد تصدير النفايات غير الخطرة، وليس الخردة المعدنية فقط، إلى الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما يمنع تصديرها إلا إذا أثبتت تلك الدول قدرتها على إدارتها بطريقة سليمة بيئيًا.
كانت مصر وعشرات الدول تقدمت، خلال العام الماضي، بطلب إلى المفوضية الأوروبية للاستمرار في استقبال أنواع عدة من النفايات، قبل أن يتضح من تقييم المفوضية أن مصر استوفت المتطلبات الخاصة بأنواع مخلفات، مثل الورق، دون تقديم ما يثبت استيفاء المتطلبات اللازمة لإدارة مخلفات المعادن بطريقة سليمة بيئيًا، حسبما قال مالك أحد مصانع الصلب المصرية لـ«مدى مصر».
بحسب المصدر، يرتبط التقييم الأوروبي للخردة بمخاطر محتملة، مما قد ينتج عن عمليات تقطيع وصهر وتكرير المعادن الثقيلة غبار وأبخرة وبقايا ملوثة، إذا لم تُدار وفق الضوابط البيئية المطلوبة.
حتى العام الماضي، كانت مصر تستورد نحو أربعة ملايين طن من الخردة سنويًا لتلبية احتياجات صناعة الصلب، بحسب بيانات غرفة الصناعات المعدنية المصرية، فيما يتزايد الاعتماد على الخردة الأوروبية بصورة واضحة، باستيراد مصر نحو 1.83 مليون طن من الاتحاد الأوروبي في 2025، قبل أن تقفز الكميات إلى 2.12 مليون طن خلال أول ستة أشهر فقط من 2026، بزيادة 59.7% على أساس سنوي، بحسب بيانات الاتحاد العربي للصلب التي اطلع عليها «مدى مصر»، وهي الكميات التي تضع مصر في المرتبة الثانية بين أكبر مستوردي الخردة من الاتحاد الأوروبي، بعد تركيا التي تحصل على نحو ثمانية ملايين طن سنويًا، بحسب مالك مصنع الصلب.
المصدر نفسه أضاف أن الخردة التي تستوردها مصر ليست مخلفات مجهولة المصدر، وإنما مادة خام تدخل في أفران حديثة لإعادة تدويرها وإنتاج الصلب، معتبرًا أن توصيفها باعتبارها «نفايات» لا يعكس طبيعة استخدامها الصناعي.
واعتبر المصدر أن المشكلة لا تتعلق بقدرة مصر على التعامل مع الخردة، أو قدرات تكنولوجيا أفران الصهر، وإنما بقرار أوروبي لإدارة تدفق الخردة خارج الاتحاد، مشيرًا إلى أن أغلب أفران الصهر في مصر تعتمد معدات وتكنولوجيا أوروبية الصنع أو المنشأ، مؤكدًا أن ربط الدول المستوردة بمخاوف بيئية مرتبطة بعملية المعالجة، يحتاج إلى أدلة واضحة على عدم كفاية المعايير أو القدرات المحلية، وهي التي لم تتوفر في هذه الحالة، حسبما قال.
كما أكد أن القرار الأوروبي يعد سياسيًا بالدرجة الأولى، حيث تُصدر أوروبا نحو 14 إلى 16 مليون طن من الخردة سنويًا، مع توجه لتقليص هذه الكميات بنحو أربعة ملايين طن خلال السنوات المقبلة، في ظل زيادة الطلب الأوروبي الداخلي على الخردة، باعتبارها من مدخلات إنتاج الصلب الأقل إنتاجًا للانبعاثات الكربونية مقارنة ببعض طرق الإنتاج المعتمدة على الخامات الأولية.
في الوقت نفسه، اعتبر مدير مصنع صلب محلي، أن استبعاد مصر من قائمة مستقبلي الخردة الأوروبية لا يهدد فقط صناعة الصلب المحلية، وإنما يمنح تركيا، العضو في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ميزة الوصول إلى تلك الخردة، لتضطر مصر إلى اللجوء لمصادر بديلة، ما قد يرفع تكلفة المادة الخام ويضغط على هوامش ربح المصانع، كما يضغط بدوره على القدرة التنافسية للصادرات المصرية خصوصًا في مواجهة المنتجات التركية.
المصدر نفسه اعتبر أن استبدال الموردين الأوروبيين سيزيد التكلفة على المصانع المصرية، سواء بسبب زيادة الطلب على الخردة في الأسواق البديلة، أو لزيادة تكاليف النقل من الأسواق الأبعد عن مصر، مثل أمريكا التي تتجاوز تكلفة الشحن منها نحو 40 دولارًا للطن مقابل أوروبا التي تبلغ 20 دولارًا في المتوسط.
وحدد المصدر المملكة المتحدة والولايات المتحدة كأبرز البدائل المتاحة أمام المصانع المصرية لاستيراد الخردة، والتي قد تزيد أسعارها مع المنافسة المحتملة من الدول الأخرى المتضررة من القواعد الجديدة، في حين رجّح أن يزيد الطلب المحلي على الخردة كمادة خام خلال السنوات القليلة المقبلة، في ظل اتجاه مصري لزيادة إنتاج الصلب، اتضح مع طرح الحكومة في أغسطس الماضي رخص تصنيع جديدة لإنتاج 2.8 مليون طن سنويًا من البليت، المعتمد بالكامل على الخردة.
مصدر في غرفة الصناعات المعدنية، أوضح لـ«مدى مصر» أنه تم تشكيل لجنة حكومية خلال الأيام الأخيرة، تضم وزارات الصناعة والاستثمار والتجارة الخارجية والبيئة لمتابعة الملف، وطلبت من المصانع تقديم بيانات عن منظومة التعامل مع الخردة وإعادة تدويرها، تمهيدًا لتجميعها وتقديمها إلى الجانب الأوروبي ضمن الملاحظات على المسودة الأوروبية.
أما مالك المصنع المحلي، المتضرر من القرار الأوروبي، فقال إنه يستخدم بالفعل أجهزة لرصد الانبعاثات من المداخن، مرتبطة إلكترونيًا بجهاز شؤون البيئة في مصر، فضلًا عن الخضوع لآليات رقابة بيئية مباشرة، في حين لفت المصدر من «الصناعات المعدنية»، إلى أن الشركات المحلية المنتجة للصلب باستخدام الخردة تعمل حاليًا على تأهيل مصانعها بشكل يتوافق مع المتطلبات الأوروبية فيما يخص الانبعاثات الكربونية، بما في ذلك حساب البصمة الكربونية، وذلك بالتعاون مع مكاتب استشارية عالمية، وهي الإجراءات التي اتفق المصدران على أنها تدعم الموقف المصري المطالب بإعادة النظر في القرار الأوروبي.
مصدر غرفة الصناعات المعدنية لفت كذلك إلى عدم التأكد من القرار الأوروبي في حال استيفاء بعض المصانع المصرية فقط لتلك المتطلبات البيئية، وإن كان ذلك سيسمح بتصدير الخردة لها، أم أن القيود الأوروبية ستوقف تصدير الخردة بالكامل لحين توفيق أوضاع جميع المصانع.
The post مصانع الصلب المصرية مهددة بفقدان «الخردة» الأوروبية بسبب اشتراطات بيئية first appeared on Mada Masr.