مع تأجيل مفاجئ لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وتبدُد فرصة كان ينتظرها العديد من المتهمين لإنهاء معاناتهم مع الحبس الاحتياطي المطوّل، شهد عدد من السجون منذ مطلع الشهر الجاري موجات احتجاجية، واجهتها قوات الأمن بإجراءات تفاوتت بحسب حدة الاحتجاجات، ووصلت إلى ترحيل بعض السجناء إلى سجون بعيدة، وهو ما يعرف بـالـ«تغريب»، حسبما قال عدد من المحامين لـ«مدى مصر».
وبينما طالب المحامون ومنظمات حقوقية، بفتح تحقيقات مستقلة في أي انتهاكات محتملة بحق المحتجزين، أكد عضو في المجلس القومي لحقوق الإنسان أن المجلس يعتزم تنظيم زيارات لبعض السجون التي تلقى شكوى بشأنها، لافتًا إلى تلقيه «تطمينات» من النيابة العامة ووزارة الداخلية، بأن الأوضاع داخل السجون «طبيعية وعادية»، وهو ما أكدته وزارة الداخلية في بيانات نفي متكررة، بينما لم تُصدر النيابة أية بيانات حديثة تخص الأوضاع في السجون.
في سياق ما شهدته السجون، قالت المحامية ماهينور المصري لـ«مدى مصر» إن الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني تم ترحيله «تغريبه» من سجن العاشر من رمضان إلى سجن وادي النطرون في نهاية سبتمبر الماضي، وهو ما تأكدت منه عبر أسرته بعد أيام من تقدمها بطلب إلى النائب العام، في 1 أكتوبر، للكشف عن مكان احتجازه، عقب تلقيها معلومات بشأن ترحيله ومحتجزين آخرين من السجن «بصورة عنيفة نتج عنها إصابة بعض المحتجزين»، مطالبة بفتح تحقيق عاجل في ملابسات عملية الترحيل، وفي ما قد يكون وقع على الإسكندراني أو غيره من المحتجزين من انتهاكات أو اعتداءات، بعرضهم على الطب الشرعي أو الجهة الطبية المختصة لإثبات حالاتهم.
محامٍ حقوقي يتولى الدفاع عن متهمين آخرين في قضايا سياسية، قال لـ«مدى مصر» إن عددًا من موكليه رُحّلوا في الفترة نفسها، من سجن العاشر «تأهيل 6» إلى سجن جمصة، بحسب ما أبلغه ذووهم، كاشفًا، بعدما اشترط عدم الإفصاح عن هويته أو هوية موكليه، أن ثلاث أسر أبلغته بترحيل ذويها، على خلفية احتجاجات شهدها السجن، اعتراضًا على أوضاع احتجازهم وللمطالبة بالإفراج عنهم.
وبحسب ما نقله المحامي عن الأسر، شهدت بعض العنابر احتجاجات ردد خلالها عدد كبير من السجناء هتافات اعتراضًا على أوضاع احتجازهم، فضلًا عن رفضهم العودة إلى الزنازين بعد انتهاء فترة التريض، وتعاملت معهم قوات فض الشغب في محاولة لفض التجمعات وإعادتهم إلى الزنازين، فيما بدأت الإدارة بعد ذلك في ترحيل عدد من المحتجزين إلى سجون أخرى. كما أُبلغ المحامي بواقعة نقل فيها مسجون إلى الحبس الانفرادي (التأديب) بعد إضرابه عن الطعام.
المحاميان ومحامية أخرى ومصدر حقوقي أكدوا لـ«مدى مصر» تلقيهم شكاوى من أهالي محتجزين بشأن تعامل قوات الأمن مع ذويهم داخل السجن نفسه، على خلفية احتجاجات شهدتها بعض الزنازين خلال الأيام الماضية، بدءًا من الهتاف والطرق على الأبواب، ومرورًا بحجب كاميرات المراقبة في عدد منها، وصولًا إلى الامتناع عن الخروج للتريض، بينما شملت الإجراءات الأمنية عمليات تفتيش موسعة لمحتويات الزنازين، بحسب المحامين.
وبينما حذر المحامون في حديثهم مع «مدى مصر» من خطورة اتساع الاحتجاجات وزيادة وتيرة العنف في عدد من السجون، أكد مصدر حقوقي أنه وثّق، عبر محامين وذوي محتجزين، بعض الأحداث الاحتجاجية داخل سجون العاشر من رمضان والمنيا وبدر على مدار الأيام الماضية، تفاوتت من سجن لآخر، بل ومن عنبر لآخر داخل السجن نفسه، بين الإضراب عن الطعام أو الامتناع عن تسلّم وجبات التعيين، وإغلاق أبواب الزنازين والامتناع عن الخروج للتريض أو تلقي الزيارات، إلى جانب الطرق على الأبواب ومحاولات تغطية الكاميرات.
بدورها، اختلفت ردود أفعال إدارات تلك السجون، إذ لجأ بعضها إلى محاولة احتواء الموقف مع المحتجزين، فيما اتخذت إجراءات أكثر عنفًا في سجون أخرى، بحسب الحقوقي نفسه.
المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، وعدم نشر بعض التفاصيل حرصًا على سلامة المحتجزين، كشف أن الأسبوع الماضي شهد إضرابات مختلفة داخل سجن المنيا، رفض المحبوسون خلالها استلام التعيين، أو الخروج للتريض، ورفضت مجموعة منهم استقبال الزيارات، كما احتج المحبوسون بالهتافات و«التخبيط» على أبواب الزنازين.
وقال المصدر إنه تلقى شكاوى تخص التعامل بعنف مع مجموعة أضربت عن الطعام، ما دفع محتجزين آخرين إلى الطرق على أبواب الزنازين احتجاجًا على الاعتداء عليهم، ما أسفر عن زيادة وتيرة عنف قوات الأمن بحق المحتجزين، قبل ترحيل المجموعة المضربة إلى سجن آخر.
بدورها، أعلنت عشر منظمات حقوقية أنها رصدت وتلقت أنباء ومعلومات عن تحركات احتجاجية خلال الأسابيع الأخيرة، داخل عدة سجون، شملت المنيا والعاشر من رمضان وأبو زعبل وبدر والوادي الجديد، مع أنباء عن دخول قوات إلى أماكن الاحتجاز للسيطرة عليها في سجن العاشر و«تجريد محتجزين من متعلقاتهم الشخصية ونقل مشاركين في الاحتجاجات إلى زنازين أخرى في نفس السجون أو إلى سجون أخرى بعيدة عن أماكن احتجازهم الأصلية»، من بينهم الإسكندراني، وذلك في بيان صدر في 9 أكتوبر، أعربت فيه المنظمات، عن «قلقها البالغ» بعد تلقي ورصد احتجاجات شهدتها السجون.
المنظمات، ومنها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز النديم، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، طالبت بالتحقيق في الانتهاكات المحتملة واستخدام القوة بحق المحتجزين، ووقف الإجراءات الانتقامية والنقل التعسفي وتقييد الزيارات والتواصل، وضمان الرعاية الطبية لهم.
من جانبها، أصدرت أسر محتجزين بيانًا أعربت فيه عن قلقها، خصوصًا في ظل عدم إمكانية التأكد من حقيقة ما جرى لذويهم، وهو التحرك الذي تضامن معه محامون وشخصيات عامة ومدافعون عن حقوق الإنسان وأحزاب سياسية.
بوادر تلك التطورات داخل السجون ظهرت في سبتمبر الماضي، مع قُرب تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، «كان الأمل في توفيق الأوضاع بخروج عدد كبير من المساجين اللي استنفدوا مدة الحبس» يقول أحد المحامين.
بحسب المصادر، وتحذيرات سابقة من محامين، كان آلاف المحبوسين احتياطيًا وذووهم يعلقون آمالًا على «انفراجة» مع بدء العمل بالقانون الجديد في أول أكتوبر، بإخلاء سبيل من تجاوزوا مدد حبسهم القانونية.
وحدد القانون الجديد، في المادة 124، أنه «لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، وذلك بحد أقصى أربعة أشهر في الجنح، و12 شهرًا في الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام».
ورغم أن القانون القديم نص بالفعل على حدود قصوى للحبس الاحتياطي لم يُلتزم بها، قُدّم القانون الجديد في التصريحات الحكومية، وقت مناقشته ثم إقراره في 2025، باعتباره خطوة لزيادة ضمانات حقوق المتهمين والحد من اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، فيما لفتت محامية ومصدران حقوقيان إلى تلقي محبوسين وأسر رسائل «تطمينية» من السلطات في هذا الشأن.
كان ثلاثة محامين تحدثوا لـ«مدى مصر»، في سبتمبر الماضي، عن دعوات للإضراب عن الطعام داخل السجون حُدد لها الأسبوع الأول من أكتوبر حال عدم تحقق تلك «الانفراجة» المنتظرة بتطبيق القانون، الذي تم تأجيله، في اللحظة الأخيرة، لعام إضافي.
نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد أنور السادات، قال إن المجلس، من خلال لجانه وقياداته، «في تشاور مستمر» مع النيابة العامة وقطاع حقوق الإنسان بوزارة الداخلية وقطاع الحماية الاجتماعية المعني بمراكز الإصلاح والتأهيل، للوقوف على حقيقة ما يُنشر ويتردد بشأن اعتصامات أو إضرابات في بعض السجون.
وأوضح السادات لـ«مدى مصر» أن الردود التي تلقاها المجلس حتى الآن تتضمن تطمينات بأن الأوضاع «طبيعية وعادية» ولكنه أشار إلى أن المجلس يعتزم تنظيم زيارات جديدة لبعض السجون التي تلقى شكاوى بشأنها، تتعلق بعدم السماح بالتريض، ونقص الرعاية الصحية، والصعوبات التي تواجه أسر المحتجزين خلال الزيارات، بما في ذلك التفتيش والتأخير.
وبينما لا يُسمح للمنظمات الحقوقية المستقلة بزيارة السجون للتحقق من الأوضاع فيها، تقتصر الرقابة على أماكن الاحتجاز على زيارات من النيابة العامة و«القومي لحقوق الإنسان»، نادرًا ما تشير إلى وجود قصور أو مخالفات، فيما تتم زيارات أعضاء المجلس بتنسيق مسبق مع «الداخلية» وتحت إشرافها، رغم ما ينص عليه قانون المجلس من اختصاصه بـ«زيارة السجون وسائر أماكن الاحتجاز والمؤسسات العلاجية والإصلاحية، والاستماع للسجناء ونزلاء الأماكن والمؤسسات المذكورة».
وفيما لم تصدر النيابة العامة أية بيانات حديثة عن الأوضاع داخل السجون، كانت وفود من المجلس زارت سجنا العاشر من رمضان، في أغسطس، وبدر، في سبتمبر، بحسب بيانات أشارت إلى إجراء الوفود لقاءات مع نزلاء السجون، وجولات في الأقسام والمرافق، فيما لم تتطرق إلى وجود أي شكاوى من انتهاكات.
من جهتها، أكدت وزارة الداخلية، في 2 أكتوبر، أن «الأوضاع طبيعية داخل جميع مراكز الإصلاح والتأهيل، وإن النزلاء يستقبلون زياراتهم المقررة قانونًا»، حسبما قالت في بيان نفت فيه «وجود احتجاجات وإضرابات عن الطعام بأوساط نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل ومنع الزيارات عنهم والتعامل معهم بإستخدام الغاز ومحاولة بعضهم الإنتحار»، والتي اعتبرتها ادعاءات عارية تمامًا عن الصحة، تأتي في إطار «المحاولات اليائسة والمستمرة لجماعة الإخوان الإرهابية لإثارة البلبلة من خلال اختلاق الأكاذيب وتحريف الحقائق للحصول على مزايا غير مستحقة قانوناً لعناصرها داخل مراكز الإصلاح والتأهيل».
البيان كان الثالث خلال أسبوع، بعد نفي الوزارة، في 28 سبتمبر، وجود رسائل منسوبة لبعض النزلاء تتضمن الزعم بوجود احتجاجات وإضراب عن الطعام بعدد من السجون، وذلك عقب نفيها، في 26 سبتمبر، إضراب سجناء عن الطعام نتيجة تعرضهم لانتهاكات في «أحد مراكز الإصلاح والتأهيل بالمنيا».
لكن الاحتجاجات كانت قد بدأت بالفعل حتى قبل تأجيل تطبيق القانون، في ظل استياء متراكم من ظروف الاحتجاز، زاد من حالة الاحتقان واليأس، حسبما أوضح المحامون.
أحد المحامين أشار إلى واقعة شهدتها محكمة جنايات بدر في 26 سبتمبر، حين رفضت هيئة المحكمة طلب أحد المتهمين خلال الجلسة التواصل مع ذويه، ليتضامن معه محتجزون آخرون بدأوا في الهتاف داخل القفص الزجاجي، ما أكد المصدر أنه كان رد فعل عفويًا.
عقب تلك الجلسة، توالت في الأيام التالية احتجاجات مماثلة في محكمة بدر، تضمنت هتافات وطرقًا عنيفًا على القفص الزجاجي، ضمن مطالبات جماعية من المتهمين بإنهاء تمديد حبسهم الاحتياطي، وصلت ذروتها في جلسة 28 سبتمبر، التي طلب خلالها رئيس المحكمة من المحبوسين ومحامين إنهاء الاحتجاجات التي عرقلت سير الجلسة، انتهاء إلى إصداره حكمًا بالسجن ثلاث سنوات لأحد المحبوسين، بتهمة إهانة القضاء، خُفضت لاحقًا إلى سنة، بحسب محامٍ حضر الجلسة.
وفي حين أشار المحامي إلى أن تلك الجلسات كانت تضم متهمين تجاوزت مدد حبسهم الاحتياطي سبع سنوات، أكد عدد من المحامين الذين حضروا جلسات «بدر» في ذلك الأسبوع أن موجة الاحتجاجات كانت غير مسبوقة وتكررت في أكثر من جلسة، ما نتج عنه تقليل عدد المتهمين المعروضين في جلسات الأسبوع التالي.
أحد المحامين قال لـ«مدى مصر» إن «اللي شوفناه من احتجاجات في المحكمة كان من محبوسين من أكتر من سجن، عندهم أمل كبير جدًا ومستنيين من فترة طويلة. والناس كانت بتبعت رسائل مع أهاليهم يطلبوا مني: ما تترافعش عشان ناخد تأجيل، ولما ييجي شهر 10 نخرج. دي موجة عالية وحقيقية، لأنها مبنية على أمل من ساعة ما القانون كان بيتناقش».
محامٍ آخر أشار إلى أنه «حصل إحباط من ورا التأجيل. كان الأمل في الخروج كبير، وتوفيق الأوضاع بخروج عدد كبير من المساجين اللي استنفدوا مدة الحبس. وفي إرادة مش عايزة تتعاطى أو تتعامل مع ملف الحبس الاحتياطي».
The post موجة احتجاجات في السجون و«تغريب» بعد تأجيل «الإجراءات الجنائية» first appeared on Mada Masr.