يبدو إن واشنطن وتل أبيب وضعتا خططاً نهائية لضربات عسكرية مشتركة ضد مواقع الطاقة والمنشآت النووية والصاروخية في إيران عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي ستجري مطلع الشهر المقبل، ترافقت مع مناورات حربية لمقاتلات أمريكية وإسرائيلية داخل الأجواء العراقية، ومباحثات مباشرة بين وزير الدفاع بيت هيغسيث وبنيامين نتنياهو، في انتظار اكتمال حشود تضم 3 مجموعات لحاملات الطائرات مطلع تشرين الثاني واستغلال ساعات الليل الأطول، رغم إرباك قرارات ترامب المتذبذبة للمخططين، في المقابل، قلل مستشار كبير المفاوضين الإيرانيين قاليباف من حديث واشنطن عن حسم العملية بـ72 ساعة معتبراً إياه “وهماً”، ومحذراً من أن الرد الإيراني سيضرب كابلات الإنترنت ومراكز البيانات الإقليمية، وأن طهران وحدها من يملك توقيت وقف إطلاق النار، حسب تقرير نيويورك تايمز فجر اليوم الخميس (22 تشرين الأول 2026).
أعد الجيشان الأمريكي والإسرائيلي خططاً محددة لتوجيه ضربات جديدة ضد إيران في أعقاب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وفق ما أفاد به مسؤولون أمريكيون ومصادر مطلعة على المداولات.
ومع تقدم التخطيط لعملية عسكرية خاطفة لكنها مكثفة، صعّد الجيشان الأمريكي والإسرائيلي من وتيرة مناوراتهما، مسيرين مقاتلات حربية في الأجواء العراقية للتدرب على تكتيكات تنفيذ الضربات. وكشف مسؤولون أمريكيون أن وزير الدفاع بيت هيغسيث التقى برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إسرائيل هذا الأسبوع لمناقشة تفاصيل تلك الضربات المرتقبة.
ومن المرجح أن تشمل قائمة الأهداف منشآت الطاقة الإيرانية، والمواقع النووية، ومستودعات الصواريخ والطائرات المسيرة. ويرى بعض المسؤولين أن توجيه جولة كبرى إضافية من الضربات قد يدفع بالاقتصاد الإيراني نحو حافة الانهيار، ويجبر طهران على تقديم تنازلات دبلوماسية عقب قرابة ثمانية أشهر من النزاع الدامي.
مع ذلك، تبرز مبررات وجيهة للشكوك في إمكانية تحقيق حرب جديدة لنتائج تفوق ما حصدته المرحلة الأولى من الضربات الأمريكية الإسرائيلية المكثفة بين شباط ونيسان؛ فتلك الجولات تسببت في قفزات حادة بأسعار الطاقة ومعدلات التضخم حول العالم، وقوضت الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، واستنزفت بشدة مخزونات البنتاغون من صواريخ الاعتراض الدفاعية.
وفضلاً عن ذلك، ليس هناك ما يضمن مصادقة ترامب على تلك الضربات الجديدة، فقد استخدم حق النقض مراراً هذا العام لتعطيل خطط استئناف العمليات القتالية الكبرى، وشمل ذلك تراجعه مطلع هذا الشهر في وقت كاد الجيشان الأمريكي والإسرائيلي أن يصلا فيه إلى الجاهزية الكاملة لبدء الهجوم.
وتحدث جميع المسؤولين الذين استندت إليهم الصحيفة شريطة حجب هوياتهم، لمناقشة خطط عسكرية بالغة الحساسية بكل شفافية.
وتوعد المسؤولون الإيرانيون بالرد هذه المرة عبر توسيع دائرة الأهداف لتتجاوز السفن التجارية ومنشآت الطاقة في المنطقة، وصولاً إلى استهداف مراكز البيانات وكابلات الإنترنت الممتدة في قاع البحار.
ويؤكد الإيرانيون أن القتال لن يكون سريعاً ولا محدوداً.
وفي الوقت الذي تحشد فيه الولايات المتحدة ترسانة عسكرية ضخمة ستكتمل جاهزيتها مطلع تشرين الثاني، تتواصل المساعي الدبلوماسية، إذ يوظف المفاوضون الأمريكيون ورقة العودة المحتملة للحرب كأداة ضغط على إيران لتحقيق مكاسب تتصل ببرنامجها النووي وبإحكام السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
غير أن المفاوضين الإيرانيين يرفضون حتى الآن تقديم تنازلات تتعلق بالبرنامج النووي، متمسكين بتأجيل هذا الملف إلى مراحل لاحقة من المحادثات.
ويبدي بعض المخططين العسكريين الأمريكيين قناعة بأن حملة جوية مكثفة تستمر ثلاثة أيام قادرة على إلحاق أضرار اقتصادية فادحة تكفي لإجبار طهران على تبديل موقفها.
لكن توقعات المسؤولين الأمريكيين بانهيار وشيك لإيران تكررت مراراً دون جدوى، في حين يلفت مسؤولون غربيون إلى قدرة الحكومة الإيرانية حتى الآن على امتصاص الضغوط الخانقة المفروضة على اقتصادها.
وتوضح دانا سترول، التي شغلت منصب مسؤولة سياسات الشرق الأوسط في البنتاغون بعهد بايدن: “في هذه المرحلة من الصراع، بات واضحاً أن الحملة العسكرية التقليدية المتبعة، إلى جانب العقوبات الاقتصادية المشددة والحصار البحري الأمريكي، لم تنجح في إعادة النظام إلى طاولة المفاوضات بجدية”.
وتضيف سترول، الباحثة حالياً في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن ترامب ونتنياهو “لم يقدما مبرراً مقنعاً يوضح كيف يمكن لمزيد من الحرب أن يعالج هذا المأزق الاستراتيجي في منطقة غارقة بالنزاعات وتفتقر للاستقرار”.
وقد تخلط الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول أوراق تلك الخطط، إذ يرى خبراء أن خسارة نتنياهو ستحوله إلى رئيس وزراء لتصريف الأعمال، ما يعقد مهمته في إطلاق حرب واسعة.
لكن بعض المحللين يرون أن نتنياهو قادر على استغلال احتمالية شن ضربة أمريكية إسرائيلية وشيكة للضغط على خصومه ودفعهم للانضمام إلى حكومة وحدة وطنية لإدارة الحرب، مما يضمن له البقاء في سدة الحكم.
وكان نتنياهو قد شكل حكومة طوارئ ضمت أطيافاً من المعارضة داخل مجلس الحرب المصغر للمشاركة في اتخاذ القرارات الأمنية عقب هجوم السابع من تشرين الأول 2023.
وتقول مازال مواليم، المحللة السياسية ومؤلفة سيرة نتنياهو: “بوسعه توظيف هذا الخيار للدعوة إلى حكومة طوارئ موسعة، لكنه سيواجه شكوكاً عميقة من منافسيه السياسيين. فالأمر يختلف إذا شنت إيران الهجوم، أما المبادرة بشن ضربة هجومية فستكون مهمة شاقة ومعقدة للغاية أمامه”.
ويشير مسؤولون إلى وجود احتمال ضئيل بأن يتخذ ترامب قراراً ببدء الحملة خلال الشهر الحالي، غير أن اعتبارات سياسية متعددة تدفعه للانتظار إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية، وفي مقدمتها تعهده الشخصي مطلع هذا الشهر بعدم شن ضربات قبل يوم الاقتراع.
ولن تكتمل الحشود العسكرية الأمريكية الضخمة، بما فيها ثلاث مجموعات ضاربة تابعة لحاملات طائرات، وآلاف من جنود مشاة البحرية، والمقاتلات المتطورة، وقوات العمليات الخاصة، إلا بحلول مطلع تشرين الثاني. ويفضل الجيش الأمريكي تنفيذ ضرباته تحت جنح الظلام، وستشهد الأجواء الإيرانية ساعات ليل أطول مع بداية الشهر المقبل.
وتتزايد المخاوف من انزلاق النزاع نحو مواجهة إقليمية شاملة، فقد أمرت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الأربعاء موظفيها غير الأساسيين وعائلاتهم بمغادرة المملكة العربية السعودية، مع استمرار جماعة الحوثي المدعومة من طهران في قصف أهداف داخل أراضي المملكة.
وأوضح مسؤول في البيت الأبيض يوم الأربعاء أن الإدارة تمتنع عن التعليق على أي خطط عسكرية “سواء كانت قائمة بالفعل أم لا”، مؤكداً أن ترامب يبقي كافة الخيارات مطروحة فوق الطاولة لضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي.
ويشير بعض المسؤولين إلى أن بنك الأهداف قد يستثني مصافي النفط ومنشآت الطاقة الحيوية، نظراً لرغبة ترامب الشديدة في منع ارتفاع جديد في أسعار الوقود.
ويعكف الجيشان الأمريكي والإسرائيلي على إعداد خطط عمليات تستهدف البرنامج النووي الإيراني، وفق مصادر مطلعة. وقد يشمل ذلك ضرب موقع “جبل الفأس” (كوه كولنك) النووي المحصن في أعماق الأرض.
وكان ترامب قد صرح الأسبوع الماضي بدراسته استخدام قنبلة “جي بي يو 43/بي” (GBU-43/B) الملقبة بـ”أم القنابل”، والتي تزن 22 ألف رطل، ضد موقع جبل الفأس. ويؤكد مسؤولون إعجاب ترامب الشديد بهذا السلاح جزئياً بسبب لقبه الشهير.
غير أن خبراء الأسلحة يوضحون أن تلك القنبلة تنفجر فوق سطح الأرض محدثة موجة عصف هائلة الاتساع، ولن تتمكن على الأرجح من تدمير منشأة مدفونة في أعماق صخور الغرانيت مثل جبل الفأس. كما يحذر قادة عسكريون من أن إلقاء هذه القنبلة يتطلب استخدام طائرة نقل بطيئة من طراز “إم سي 130″، ما يجعلها هدفاً سهلاً ومكشوفاً أمام نيران الدفاعات الجوية الإيرانية.
واقتربت واشنطن وتل أبيب من ضرب إيران مطلع هذا الشهر، لكن ترامب قرر في اللحظات الأخيرة إرجاء الهجوم وفق ما أكده مسؤولون عسكريون أمريكيون وإسرائيليون مطلعون. وجاء القرار قُبيل انطلاق العملية مباشرة، بعدما استكمل الجيشان استعدادات لوجستية واسعة ووضعا سلاحي الجو في أعلى درجات الاستنفار والتأهب.
وتسبب تكرار وضع الخطط ثم التراجع عنها بقرارات من ترامب في إحداث حالة من الارتباك والتقلب اليومي المستمر بين صفوف المخططين العسكريين، وفق ما كشفه قائد عسكري تحدث دون الكشف عن هويته، في ظل محاولاتهم البقاء في جاهزية دائمة لتنفيذ أي خيار عسكري قد يقرره ترامب في الأسابيع المقبلة.
ومع كل جولة جديدة من جولات الحرب، تتصلب مواقف القيادة الإيرانية وتصبح أقل ميلاً للمهادنة، لاقتناعها بأن الغاية النهائية للولايات المتحدة وإسرائيل تكمن في إسقاط نظام الحكم.
ولا يزال المرشد الأعلى الجديد لإيران، آية الله مجتبى خامنئي، يمثل لغزاً غامضاً لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية. ويشير بعض المسؤولين إلى أنه لا يملك سطوة والده الذي قُتل في بدايات الحرب، في حين يتولى قادة متشددون في الحرس الثوري الإيراني إدارة مفاصل القرارات الحيوية.
ويؤكد مسؤولون إيرانيون اطلاعهم الكامل على خطط الحرب الأمريكية، مشيرين إلى عملهم على استحداث أهداف جديدة وتكتيكات ميدانية غير مسبوقة.
ويرى المحلل السياسي في طهران، بيمان صالحي، أن استهداف جبل الفأس سيقابله تنفيذ خطط رد تشمل ضرب كبرى مصافي النفط في السعودية، بما فيها منشآت أرامكو، لإشعال أسعار النفط والطاقة فوراً في الأسواق العالمية.
ويوضح صالحي: “لقد علمتنا الحرب أن أفضل أوراق الضغط على ترامب تتمثل في رفع أسعار النفط ومشتقات الطاقة، لأن ضررها سيمس المواطن الأمريكي بصورة مباشرة”.
من جهته، وصف مهدي محمدي، المستشار البارز للمفاوض الإيراني الجنرال محمد باقر قاليباف، الحديث الأمريكي عن حسم جولة ضربات جديدة ضد إيران خلال 72 ساعة بأنه “ضرب من الخيال والأوهام”، مؤكداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن إيران هي الطرف الوحيد المخول بتحديد نهاية الحرب، ومذكراً بادعاءات ترامب في شباط الماضي بأن الحرب لن تدوم أكثر من أسبوعين.
وختم محمدي تصريحاته بالقول: “ضرباتنا ستكون أشد ضراوة وأكثر ابتكاراً واختلافاً، فنحن نملك العزيمة واليقين ووضعنا خططاً ميدانية محكمة”.
