في أعقاب قصف منجم في مثلث حلايب وشلاتين أسفر عن مقتل عشرات المعدّنين السودانيين، تبحث القاهرة والخرطوم، حاليًا، إطارًا أمنيًا جديدًا على امتداد الحدود الشرقية المشتركة، يقوم على تنسيق لملاحقة ما يعدّه الطرفان مخاطر أمنية ناجمة عن الجريمة المنظمة، بحسب مسؤولين سودانيين ومصريين تحدثوا إلى «مدى مصر».
يأتي هذا التوجه وسط غضب شعبي في السودان وقلق دبلوماسي في الأوساط الدولية من مقتل العشرات من المعدّنين الأهليين في المثلث المتنازع عليه، السبت الماضي، وهو غضب تجلّى، الإثنين الماضي، في إقدام مسلح سوداني على قتل مواطنين مصريين اثنين في سوق رئيسي جنوبي الخرطوم، في ما وصفه مسؤولون أمنيون سودانيون مشاركون في التحقيقات لـ«مدى مصر» بأنه هجوم انتقامي.
وقع حادث إطلاق النار نحو الساعة الثانية ظهرًا بالقرب من بنك تنمية الصادرات بالسوق المحلي، وفقًا لمصدر أمني بشرطة ولاية الخرطوم تحدث إلى «مدى مصر». واستهدف المسلح ثلاثة مصريين في المنطقة التجارية بالسوق، ما أسفر عن وفاة اثنين منهما في موقع الحادث، فيما نُقل الثالث إلى مستشفى السلاح الطبي بأم درمان لتلقي العلاج.
علي اللعوتة، بائع الخضار في السوق والذي شهد الواقعة، قال لـ«مدى مصر» إنه لاحظ وجود رجل يرتدي زيًا عسكريًا يحمل شارة القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، وكان يشتري بعض الأغراض في السوق.
وأضاف اللعوتة أن الرجل وجّه سلاحه فجأة نحو المصريين الثلاثة أثناء تبضعهم في المنطقة نفسها، وأطلق النار عليهم قبل أن يفر من المكان.
تحركت دوريات الشرطة والأجهزة الأمنية إلى موقع الحادث فور تلقي البلاغ، وتمكنت من تعقب المتهم وتحديد مكانه، بحسب مصدر في إدارة المباحث والجنائيات بشرطة الخرطوم تحدث إلى «مدى مصر». وبعد أن حاصرت القوة الأمنية الموقع، أطلق المتهم النار عليها. وتمكنت القوة في النهاية من السيطرة عليه وضبط السلاح المستخدم في الهجوم والقبض عليه، وفقًا للمصدر.
أصيب أحد أفراد القوة التي نفذت عملية القبض بطلق ناري في ساقه خلال تبادل إطلاق النار، بحسب أحد أفراد القوة الأمنية المشاركين في العملية. وأضاف أن المصاب نُقل إلى المستشفى، وأن حالته مستقرة.
بحسب مصدر مطلع على التحقيقات الأولية، ينتمي المتهم إلى «القوة المساندة»، وهي تشكيلات مسلحة متعددة تقاتل إلى جانب الجيش السوداني في الحرب الدائرة.
اعتمدت الحكومة التي يقودها الجيش خلال الحرب سياسة أوكلت بموجبها إلى «القوة المشتركة»، حليفها الرئيسي في ساحات القتال، مهمة حماية مؤسسات الدولة ودعم العمليات الأمنية في المدن الخاضعة لسيطرة الجيش، ما أتاح للتحالف حضورًا كثيفًا في المناطق الحضرية. غير أن سلسلة من الحوادث الأمنية العنيفة التي تورط فيها أفراد من التحالف في مدن مختلفة خلال الأشهر الأخيرة أثارت قلقًا شعبيًا ودفعت السلطات إلى مراجعة هذه السياسة والسعي للحد من ذلك الحضور.
بحسب المصدر المطلع على التحقيقات الأولية، خضع المتهم لجلسات استجواب مكثفة بشأن انتمائه العسكري، وكيفية حصوله على السلاح المستخدم في الهجوم.
وقال الضابط المكلف باستجواب المتهم لـ«مدى مصر» إن الأخير أفاد في أقواله الأولية بأنه أطلق النار على المصريين انتقامًا لمقتل شقيقه في الهجوم الذي استهدف معدّنين بمنطقة شمال الوادي.
تأتي حادثة إطلاق النار وسط حالة من الاستقطاب في الرأي العام السوداني، أعقبت الغارة الجوية الدامية التي استهدفت منجمًا للذهب قرب الحدود السودانية المصرية، السبت الماضي، وأسفرت عن مقتل عشرات السودانيين. وتضيف حادثة الإثنين مزيدًا من التعقيد إلى ذلك المشهد المشحون.
المحامي السوداني أويس صلاح الدين العراقي دعا السلطات إلى إعلان الحقائق للرأي العام مباشرة، قائلًا إن القضية باتت محل اهتمام عام، وإن أي تعامل غير سليم معها قد يثير ردود فعل غاضبة.
في الأوساط الشعبية والسياسية، يقرأ كثيرون القضية في سياق أوسع يتعلق بالمساءلة.
تناول واقعة إطلاق النار في السوق بمعزل عن الهجوم على المعدنين من شأنه أن يقدم «قراءة مبتورة» للمشهد، بحسب عادل إبراهيم حمد، رئيس حزب الأشقاء السوداني، وهو الحزب الذي أعادت تأسيسه مجموعة من المنشقين عن الحزب الاتحادي الديمقراطي، مستلهمين تجربة حزب سابق يحمل الاسم نفسه ونادى بالوحدة مع مصر. ويركز الحزب في صيغته الجديدة على القضايا الوطنية، مع اهتمام خاص بملف العلاقات السودانية المصرية.
وشدّد حمد، في حديثه لـ«مدى مصر»، على أن النقاش بشأن إطلاق النار، الإثنين الماضي، يجب أن يبدأ بالواقعة الأصلية، معتبرًا أن الرد المصري لم يكن متناسبًا مع الانتهاك، «إن كان [الانتهاك] قد وقع أصلًا»، مضيفًا أن «أي مدخل آخر للمناقشة مثل الحديث المعمم عن العلاقة الاستراتيجية بين البلدين التي يجب ألا تتأثر بحادث عارض هو تشتيت للانتباه عن خطأ مصري معتاد في التعامل مع الملفات السودانية».
أما الصحفي ماجد محمد علي فيرى أن السلطات السودانية قللت بدرجة كبيرة من التبعات السياسية والأمنية لمقتل المعدّنين، في لحظة بالغة التعقيد والحساسية على المستويين السياسي والإقليمي.
ورغم تأكيده أن إطلاق النار على المصريين كان عملًا فرديًا، حذّر علي حكومتي الخرطوم والقاهرة من إتاحة مزيد من الفرص لخصومهما لاستغلال مقتل المعدّنين. «ينبغي إغلاق هذا الملف بتوضيح الحقائق وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين»، حسب تعبيره، مضيفًا أن «على الحكومة السودانية أيضًا تحمّل مسؤولياتها في تأمين الحدود وضبط نشاط المعدنين بما ينسجم مع القانون والقواعد المرعية».
بعد يومين من الغارة الجوية على المنجم، صدر أول تعليق على الحادث عن مجلس السيادة الانتقالي معلنًا تشكيل لجنة لتقصي الحقائق والتحقيق في مقتل المعدّنين السودانيين.
وفيما أشار البيان إلى استمرار التواصل بين قيادتي مصر والسودان منذ الهجوم، بهدف التحقق من الوقائع، أعلنت القوات المسلحة المصرية، في وقت لاحق من مساء اليوم نفسه، إطلاق المرحلة الثالثة من حملتها لمكافحة التعدين غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية، مستندة إلى حماية الموارد الوطنية وإحكام «كامل السيادة» على أراضيها، دون أي إشارة إلى واقعة المنجم.
بحسب دبلوماسي سوداني رفيع، يولي رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الملف اهتمامًا كبيرًا في ضوء تصاعد الضغط الشعبي المُطالب بكشف ملابسات أحداث شمال الوادي وتحديد المسؤوليات بشأنها. وأوضح الدبلوماسي أن الاهتمام على المستوى الرئاسي يرتبط بحساسية القضية بالنسبة إلى الرأي العام السوداني، وبضرورة إدارة تداعياتها عبر مؤسسات الدولة والقنوات الرسمية، مع الحفاظ على حقوق المواطنين السودانيين وضمان التعامل مع الحادثة بجدية.
وأضاف أن التحركات الدبلوماسية تستهدف نقل موقف الخرطوم إلى القاهرة بصورة واضحة، وتهيئة الظروف اللازمة لتعاون الجهات المختصة، بما يضمن استكمال التحقيق وتقديم إجابات بشأن الأسئلة التي أثارتها الحادثة.
بحسب الدبلوماسي نفسه، طرح السودان مقترحًا لترتيب أمني مشترك لتنظيم التعامل مع الوقائع والأنشطة في المناطق الحدودية، وتحديد مسؤوليات الأجهزة المعنية وآليات التنسيق بينها، إلى جانب تفعيل وسائل المراقبة والمتابعة الميدانية على امتداد المناطق التي شهدت الحادثة أو يمكن أن تتكرر فيها وقائع مماثلة.
وفقًا للدبلوماسي، يمكن أن يشمل الترتيب تحديد قنوات اتصال مباشرة بين الأجهزة المختصة في البلدين، ووضع إجراءات واضحة للإبلاغ عن الحوادث والتحقق منها، وتبادل المعلومات بشأن التحركات والأنشطة التي تستدعي تدخلًا أمنيًا، فضلًا عن مراجعة ترتيبات الاستجابة عند وقوع حوادث تمس المواطنين أو العاملين في المناطق الحدودية.
وأضاف أن تفعيل المراقبة يحتاج إلى تنسيق عملي بين الجهات السودانية والمصرية المختصة، فيما قد يتبلور في صورة لجنة مشتركة جديدة، على غرار اللجان القائمة بين البلدين التي تتولى ملفات أخرى في العلاقات السودانية المصرية. هذا النوع من التنسيق يستلزم، بحسب المصدر، تحديد المسؤوليات الإدارية والأمنية للمشاركين في اللجنة، وتوفير آلية لتبادل المعلومات والتحقق من البلاغات، مع ضمان أن تجري الإجراءات في إطار احترام سيادة البلدين والقواعد المنظمة للتعامل في المناطق الحدودية.
من جانبه، أكّد مسؤول مصري مطلع على العلاقات المصرية السودانية لـ«مدى مصر» أن القاهرة تدرس تشكيل وجود أمني مشترك على الحدود إلى جانب الجيش السوداني، وذلك لضمان أمن الحدود.
وأشارت مصر إلى هذه الخطة في مناقشات بين مسؤولين في الاتحاد الإفريقي أثير خلالها انتقاد قصف المنجم السبت الماضي. بحسب دبلوماسي مطلع لـ«مدى مصر»، أبلغت القاهرة مسؤولي الاتحاد بأنها تنسق مع السودان لمعالجة إجراءات ومعايير الإدارة المشتركة للحدود.
The post بعد قصف منجم حلايب وشلاتين.. القاهرة والخرطوم تبحثان تنسيق أمني حدودي مشترك مع تصاعد التوترات الشعبية first appeared on Mada Masr.