- لمعرفة تفاصيل العزاء ومعلومات الفقيد إضغط هنا وحمل تطبيق وفيات
لَمْ يَكُنْ لَيْلُ لِوَاءِ الرُّوَيْشِدِ عَادِيّاً حِينَ انْكَسَرَ سُكُونُ البَادِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِهَدِيرِ سُيُولٍ جَارِفَةٍ بَاغَتَتِ الأَرْضَ وَالنَّاسَ؛ فَفِي لَحَظَاتٍ خَاطِفَةٍ، تَحَوَّلَتْ مَجَارِي المِيَاهِ الجَافَّةُ إِلَى أَنْهَارٍ هَائِجَةٍ، حَامِلَةً مَعَهَا فَاجِعَةً خَطَفَتِ الشَّابَّ حَسَن مَشَارِي زَعَل الغِيَاث، ذَا الثَّلَاثَةِ وَالعِشْرِينَ رَبِيعاً، لِتَتَحَوَّلَ عَتَمَةُ اللَّيْلِ إِلَى سِبَاقٍ مَرِيرٍ وَمُضْنٍ مَعَ الزَّمَنِ.
اسْتِنْفَارٌ فِي العَتَمَةِ.. سِبَاقٌ مَصِيرِيٌّ مَعَ الزَّمَنِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ
بَدَأَتْ خُيُوطُ المَأْسَاةِ مَعَ بَلَاغٍ عَاجِلٍ اخْتَرَقَ غُرَفَ العَمَلِيَّاتِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، مُعْلِناً فُقْدَانَ الشَّابِّ إِثْرَ مُدَاهَمَةٍ مُبَاغِتَةٍ لِمِيَاهِ السَّيْلِ. لَمْ تَتَرَدَّدِ الأَجْهِزَةُ المَعْنِيَّةُ؛ إِذِ اسْتَنْفَرَتْ كَوَادِرُ الدِّفَاعِ المَدَنِيِّ وَفُرْسَانُ شُرْطَةِ البَادِيَةِ المَلَكِيَّةِ طَاقَاتِهَا القُصْوَى، وَتَدَافَعَتِ الآلِيَّاتُ وَفِرَقُ الغَطْسِ المُتَخَصِّصَةُ نَحْوَ المَيْدَانِ الوَعِرِ، مُتَسَلِّحَةً بِالأَمَلِ فِي العُثُورِ عَلَى أَثَرٍ يُعِيدُ الطُّمَأْنِينَةَ لِقُلُوبِ ذَوِيهِ المَكْلُومَةِ.
19 كِيلُومِتْراً مِنَ التَّمْشِيطِ.. مَلْحَمَةُ البَحْثِ بَيْنَ الوُعُورِ وَالمِيَاهِ العَكِرَةِ
وَعَلَى امْتِدَادٍ تَجَاوَزَ 19 كِيلُومِتْراً مِنَ التَّضَارِيسِ الصَّحْرَاوِيَّةِ القَاسِيَةِ وَمَجَارِي الأَوْدِيَةِ المَغْمُورَةِ بِالطِّينِ وَالمِيَاهِ العَكِرَةِ، خَاضَتْ فِرَقُ البَحْثِ مَعْرَكَةً حَقِيقِيَّةً ضِدَّ قَسْوَةِ الطَّبِيعَةِ.
كَانَ الغَوَّاصُونَ يُمَشِّطُونَ البِرَكَ وَتَجَمُّعَاتِ المِيَاهِ شِبْراً بِشِبْرٍ، بَيْنَمَا مَسَحَتِ الآلِيَّاتُ وَالكَوَادِرُ الرَّاجِلَةُ الأَطْرَافَ وَالمُنْحَدَرَاتِ، وَسَطَ تَرَقُّبٍ حَبَسَ أَنْفَاسَ أَهَالِي الرُّوَيْشِدِ الَّذِينَ عَاشُوا سَاعَاتٍ عَصِيبَةً بِانْتِظَارِ بَارِقَةِ أَمَلٍ.
انْطِفَاءُ الرَّجَاءِ.. البَادِيَةُ تَتَّشِحُ بِالسَّوَادِ وَسُرَادِقُ عَزَاءٍ مَفْتُوحٌ
لَكِنَّ المَلَاحِمَ المَيْدَانِيَّةَ انْتَهَتْ بِوَدَاعٍ حَزِينٍ؛ فَمَعَ اسْتِمْرَارِ عَمَلِيَّاتِ التَّمْشِيطِ دُونَ هَوَادَةٍ، تَمَكَّنَتِ الفِرَقُ مِنَ الوُصُولِ إِلَى جُثْمَانِ الشَّابِّ الرَّاحِلِ، لِتَنْطَفِئَ شُعْلَةُ الرَّجَاءِ وَيُخَيِّمَ الوُجُومُ عَلَى بَادِيَةِ الرُّوَيْشِدِ. وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتْ مِنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ وَمَجَالِسُ المَعَارِفِ إِلَى سُرَادِقِ عَزَاءٍ مَفْتُوحٍ، تَدَفَّقَتْ فِيهِ مَشَاعِرُ الموَاسَاةِ وَالدَّعَوَاتُ بِالرَّحْمَةِ لِفَقِيدٍ قَضَى فِي رَيْعَانِ شَبَابِهِ.
هَذِهِ الفَاجِعَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ رَقْمٍ عَابِرٍ فِي سِجِلِّ الحَوَادِثِ، بَلْ تَجْسِيداً حَيّاً لِتَحْذِيرَاتِ مُدِيرِيَّةِ الأَمْنِ العَامِّ الَّتِي تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ مُنْخَفَضٍ جَوِّيٍّ؛ فَالسُّيُولُ الصَّحْرَاوِيَّةُ الغَادِرَةُ لَا تَمْنَحُ فُرْصَةً ثَانِيَةً، وَالابْتِعَادُ عَنْ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَجَارِي التَّدَفُّقِ يَظَلُّ هُوَ الحِصْنَ الوَحِيدَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النَّجَاةِ وَكَارِثَةٍ تَفْجَعُ القُلُوبَ.
